الأحــد الأول للبشـارة ! ه ه ه ه ه <> ه ه ه ه ه 2017.12.03

تتلى علينا اليوم القراءات : تك17: 1-27 ؛ أف5: 21-33 ؛ لو1: 1-25

القـراءة : تكوين 17 : 1 – 27

دعا الله إبراهيم الى ترك أهله وعشيرته و بلده و وعده بمباركته ورفع شأنه وجعله بركة لغيره بل للكون كله (تك12: 1-3). ويُظهرُ الله فعلا عونه وحمايته لآبراهيم، فينقذه من المصائب (تك12: 10-20)، ويُحَّدد له بلادا خصبة ، ويعدُه نسلا وفيرا مثل رمل الأرض (تك13: 14-18)، يفوق عددُه نجومَ السماء (15: 5-6)، كما نصَّره على أعدائه وأنقذ لوطًا من الأسر على يده (تك14: 13-16). ويولد إسماعيل فيتوخى إبراهيم حياة هانئة و وادعة ويعتقد أنَّ الرب الاله وفى له بوعده (تك16: 1-16؛ 17: 18). بعد كلِّ هذه المُقَّدمات يأتي الفصل الأساس من القضية والتي من أجلها إختارَ الله إبراهيم وأسبغَ عليه نِعَمًا جزيلة تثَّبتُ ايمانه وتزيدُه تعَّلُقًا به. إنه العهد بين الله والأنسان في شخص إبراهيم. يبرمُ الله معه إتفاقًا، ويريده أبديًا. وتقوم عناصر هذا العهد على دعامتين : يعترفُ الأنسان بالله ويحفظ كلامه ويتقَيَّدُ بتوجيهاتِه، وبالمقابل يضمن له الله حياة مجيدة وسعيدة ، وعلى يده ويد نسله من بعده يستتبُ الخير والسلام والرفاهيةُ بين البشر. وسيبقى إبراهيم رمزًا للأيمان لجميع الأجيال وأبًا لجميع المؤمنين لأنه" آمن راجيًا حيثُ لا مجال للرجاء" (رم 4: 18)، و"نبيًا " يُبَّلغُ وعدَ الله وعهدَه (لو1: 55و 72-73)، ويتشَّفعُ للصالحين فيحيون (تك18: 22 -26؛ 20: 7). عندما يُقيم الناسُ عهودا بينهم يتم ذلك أولا بين أندادٍ متساوين بالكرامة الأنسانية، ثم بشروط تتوازى بينهم فيتكَفَّلُ كلُّ طرفٍ أداءَ دورٍ يتقابلُ مع دور الطرف الثاني بالقيمةِ والنتيجة ، و للقيام بعمل نفعِيٍّ مشتركٍ يتحمَّلان وزرَه مناصفةً، ويتقاسمان كاملَ فوائدِه أو خسائرِه. ليس بين البشر من يملك الحياة كلها والثروة كلها ولا حتى قابلية إمتلاك كل شيء. يتمَّنى كل إنسانٍ ويصبو الى أفضل مما هو عليه. وإذ يشعرُ أنه قاصرٌ عن أن يُحَّققَ وحدَه كلَّ آمانيه يلتجيءُ الى التعاقد والتعاون مع غيره، مثله، ليحقق هدفه. لا أحد يُعطي لغيره ما ليس له. ولا أحد يأخذ من غيره ما يتمناه. بل يتفقان بينهما على القيامِ بجهدٍ مشترك بينهما ، ويتضامنان على المنفعة المتبادلة ويتعهدان على الألتزام ببنود الأتفاق. أما بين الله وإبراهيم فالعهدُ يختلفُ كليًا. أحدهم يُعطي فقط ، هو الله. والآخر يأخُذ فقط، هو الأنسان. لا يتوازيان لا في الوضع ولا في الجهد ولا في الإنتفاع. ليسا في مستوى متوازٍ لا في الكرامة ولا في الحاجة. ولا يتقابلان بأدوارٍ متكاملة. الواحد يملكُ كلَّ شيء ولا يحتاج الى ولا شيء. والآخر لايملكُ من الحياة عدا ذاته ويفتقرُ الى أهم شيءٍ في الحياة : النسل. بحيثُ إذا مات ينتهي عنه كل شيء ولا يبقى عنه سوى اسم سينتهي بدوره في سَّلةِ النسيان. يملك إبراهيم شيئًا واحدًا، خلافا للتيارالعام، هو إيمانه بوجود الله وجبروته وسيادته، وأمانته (تك15: 6). ويشعرُ مقابل ذلك بضعفه وقصر باعه، بل حتى ذله أمام الله. فما أن سمع الله يُحَّدثه عن عهد يبرمه معه حتى " وقع على وجهه ساجدًا لله " (آية 3). مثل عبد يتلقى الأوامر من سَيّدِه هكذا تلَّقى " ابرامُ " (وهذا اسمه الأصلي) العهد من الله الذي لَقَّنه إرادتَه دون أن يتناقش فيتَّفق معه. اللهُ االسيد وإبراهيم العبد. يمتلكُ الله ابراهبم فيُعطيه هو وزوجته أسماءَ جديدة. يطلبُ منه أن يسمع كلامه ويتقَّيدَ به ولا يعبدَ أصنامًا ولا أن يعتبر شيئًا آخر إلَهًا ما عدا الرب الذي عزله عن أهله وشعبِه و وطنه، وعن جذور حضارته وتقاليده. و مقابل ذلك سيعطيه الله كلَّ ما يحتاجه، لاسيما ما يحلمُ به " نسلاً" أصيلا من زوجته (آية 15-16)، رغم عمرها المتقدم (90 سنة!) وعقمها وليس من الخادمة كما توَّهم (تك16: 2-4). وآبن سارة سيكون سليل العهد و وريثه. لم يُغَّير الله طبيعة إبراهيم. بقي إنسانًا تتقاذفه الأحاسيس ويتعَّثرُ في قدراته المحدودة. فأغاثه بإعطائه علامة ظاهرية في بدنه تذَكِّرُه بالعهد الذي وافق عليه. فدور إبراهيم في العهد لا يتعَّدى الموافقة على كلِّ ما قرَّره الله وما فرضه عليه من إلتزامات وسلوك. وحتى العلامة التي في جسده على إبراهيم أن يجريها بنفسه على نفسِه. إنها الختان، ويشمل كلَّ ذكر في بيت إبراهيم كان إبنه أو عبده أو حتى الغرباء الذين إقتناهم بماله. للبشر عادةُ أن يضعوا ختمًا على قطعانهم ، طمغة تشيرُ الى عائديتها لصاحبٍ معَّين فتسترَّد إذا ضاعت أو سُرقَتْ . هكذا سيحملُ نسلُ إبراهيم ختمًا في أجسادهم دلالة على أنهم ملكُ الله. كان الإنسان في تلك العقبة من التأريخ بحاجة الى أمور حسية تقوده الى عالم الروح. فالختان في الجسد علامة العهد يذكر المؤمن بالله، وبمشيئته أن يكون كاملاً. لم يكن بعد قد آنَ زمن الروح. لذا فعلامة العهد يحملها المؤمن في جسده فلا ينسى الله. سبق الله وعقد عهدًا مع نوح، بعد الطوفان، بألا يفني البشرية مهما عظمت آثامُها ولن يلعنَ الأرضَ بسبب الأنسان الذي" يتصَّورُ الشَّر في قلبه منذ حداثتِه " (تك8: 21). وجَدَّدَ أمرَه للأنسان بالنمو والتكاثر(تك9: 7)، ولكن خارج إطار صداقة الله. أما مع إبراهيم فيريدُ اللهُ أن يستعيدَ الأنسانَ الى خيمته. لقد إختبرَ الأنسان كفايةً مشقة الحياةِ في البعد عن الله. و أصبحَ يعي أنَّ وصيةَ الله وتوجيهاتِه لا تُقِّلُ ذرَّة من حريتِه وكرامتِه، بل تدعَمُها وتعضُدُها لتضمن هناءَه وراحَتَه. إختبرَ الأنسان كفايةً ضُعفَه أمام عنفِ الكون وغدر الخلائق، ورأى حاجتَه الى جهةٍ أقوى منه تسنُدُه في جهادِه وكفاحِه. ولا أقوى من خالقِ الكون كله، بما فيه، ولا أعلمَ منه بحاجة الأنسان. أحَسَّ ابراهيمُ أنه لا شيءَ أمام الله وبدونه. وأحَسَّ أيضا أنَّ هذا الله قادرٌ على أن يُحَّققَ للأنسان كلَّ أحلامِه وآمالِه. فلهذا قَبِل بكل تواضع وإدراك سيادة الله وتفَوُّقَه عليه. فسجد له مثل عبدٍ وتَلَّقى عهدَه بإيمان وثقةٍ ورجاء. وكان الحَّقُ معه فربحَ الرهانَ ونالَ أكثرَ مما حلم به. وذلك فقط لأنه آمنَ بالله وحفظَ كلامَه. ولما رأى الله " إيمان ابراهيمَ بكلامِه ، بَرَّرَه لأيمانِه " (رم4 : 3). ومثلَ إبراهيم " سيُبَرِّرُ اللهُ كلَّ الذين يؤمنون به .. ويقتدون بإيمان ابراهيم" (رم4: 11-12). وكذلك لمَّا عاين إبراهيم عناية الله وأفضاله وثقَ بأمانته " وما شُّك في وعدِه .. بل رجا حيثُ لم يكن رجاءٌ" (رم4: 18-21). وإبراهيم نموذجٌ لمن يرضى بهم الله ولا يخذلهم عند الضيق، بل يستجيبُ لهم ويُغيثهم ويرفعُ رأسهم بين البشر.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com