الأحــد الرابع للكنيسة ! <>::<>:><:<>::<> 2017.11.26

تتلى علينا اليوم القراءات : حز43: 1-7؛ 44: 1-5؛ عب9: 16-28؛ متى22: 41-23: 22

القـراءة : حزقيال 43 : 1 ـ 7 ؛ 44 : 1 ـ 5

نصٌّ جديد، لكنه هذه المرة لدى حزقيال النبي، يتحَدَّثُ عن ظهور مجد الرب في الهيكل و آمتلائه منه. ويُضفي تفاصيل جديدة على الحدث، منها ان حضوره يرافقه صوتٌ يُشبه " صوتَ مياهٍ غزيرة " ويتفاعلُ البناءُ مع مجد الرب حتى " تلألأت الأرضُ من مجدهِ". وقد أصدى سفرُ الرؤيا لمثل هذه الحالة فقال بأنَّ صوتَ محَدِّثه السماوي كان " كصوت مياهٍ غزيرة " (رؤ1: 15). أما دانيال فشَبَّهَ صوت المتحَدِّثْ إليه " كصوتِ جُمهورٍ" (دا10: 6). ومغزى القول أنه صوتٌ يثيرُ الرهبة لدى سامعيه بقوته وصفائه وتأثيره. إنَّ حضورَ مجد الله مُقَّدَسٌ ومهيبٌ يجب أن يُحترَم ويُكَّرَم، وحاملٌ لرسالةٍ يجب الأنتباه اليها والأهتمام بها. فقد سمع حزقيالُ الصوتَ السماوي يُناديه ويُنَّبِهُه مُشَدّدًا ": يا آبنَ البشر إنتبِهْ ، وآنظُرْ..، وآسمَعْ ..، وراقِبْ الهيكل .. وقُلْ لشعبِ إسرائيل المُتَمَّرَد..". لا يليقُ بالمؤمن وهو في حضرةِ الله أن ينشغلَ عنه ويتيهَ في أمورِه الشخصية الزمنية والدنيوية. إنه في بيت الله، و جاءَ إليه برغبتِه، فمن المفروض أن ينتبِه إلى كلِّ ما يجري، ما يقوله الله أو يفعله. لقد أتي ليلتقيَ به فيتعَّلمَ منه، ويستَمِدَّ منه حرارةً تُضرمُ جذوة إيمانه، ونسيمًا يُنعشَ قُوَّة محبَّتِه. يدعو الله المؤمن الحاضر أمامه أن يفتح عينيه وينظرَ بدقَّةٍ بمليءِ بصرِه الى ما يفعله الله لا فقط داخل هيكل العبادة، الكنيسة، بل خارجه ايضًا فيرى آياتِ الله ومعجزاتِه وبدائع خيراتِه في الخلائق وفي أحداثِ الكون. يدعوه أيضا الى أي يُصغيَ بآهتمام الى كلام الله الذي يُتلى عليه. إنه كلام الحياة الذي يُرشدُ المؤمن الى الحَّق، الى طريق المجد والهناء. يريدُ الله أن يُشركَ كُلَّ إنسان في مجده وسعادتِه. فيكشفُ كلامُه السبيلَ الى ذلك. لا يحيا المؤمن في بيت الله لنفسِه بل لله ليتقاسمَ معه خيراتِه الأبدية. إنَّ سُكنى الله" وسط المؤمنين ". وكما قال الكتاب تنَّعمُ الله أن يكون مع البشر، مع أولاده وصورته، تمامًا كما يُحبُّ أن يفعلَ كلُّ الآباء والأُمهَّات. سعادتهم و راحتهم أن يجتمع حولهم أبناؤُهم وأحفادُهم ليُمَتِّعوا فيهم النظر و يُشَّنفوا آذانَهم بسماع أصواتهم المُنعشَة. هكذا يفرح الله ويَهنأ بأن يقيمَ بين البشر أولاده. ومثلهم أيضًا يوَدَّ أن يفتخرَ بهِ أولاده وينقلوا عنه كلَّ خبر مفرحٍ ومُشَّجع. يريد الله أن يحفظ الأبناءُ تقاليد أبيهم وتعاليمَه. يريد أن يقتبسوا منه كلَّ قداسةٍ وبِرٍّ وينشروا عطرَها في الكون.

الرسالة : عبرانيين 9 : 16 ـ 28

يدورُ الحديثُ عن المسيح الذي هو" وسيط العهد الجديد" و هذا العهد قام وثبت بدم ذبيحةِ ذاتِهِ وبذلك يثبُتُ العهد، بعكس العهد الأول على يد موسى إذ كان ناقصًا، بينما كانت ذبيحةُ المسيح كاملة وقادرة لا فقط على التكفير عن الخطيئة بل حتى على إزالتِها لأنها كانت بمشيئتِه وبدمه وليس بدم البهائم، ولأنه لم يدخل " قدسًا صنعَته أيدي البشر صورةً للقدس الحقيقي، بل دخل السماءَ ذاتَها ليظهرَ في حضرةِ الله من أجلنا ". إنَّ الأمورالألهية، حضور مجده أو تقدمة ذاته ذبيحةً، لا تقَيَّمُ بتعابيرَ ومقاييسَ بشرية، بل بالذات الألهية نفسِها وبمقاييسِها لأن اللهَ هو ، في أحكامَه وأفعاله ، قياسُ الحق وميزان العدل وضياءُ السلوك. كانت خطيئة الأنسان التمَّرُدَ على الله ورفضُ سماع كلامِه. وكانت الذبائخ التكفيرية عنها بدم البهائم قاصرة لا تقوى على إعادةِ الأنسان الى فردوس راحة الله. لأنَّ " دم الثيران والتيوس لا يقدر أن يُزيلَ الخطايا " (عب10: 4). أما ذبيحة المسيح بدمه فكانت نتيجة " طاعته له". فقال في بستان الزيتون :" إن أمكن يا أبي، فلتعبُرْ عني هذه الكأس. ولكن لا كما أريدُ أنا، بل كما أنتَ تريد " (متى26: 39). وقد جاءَ أصلا ليعمل بتلكَ مشيئةِ الله (عب10: 7؛ يو12: 27). و بهذه الطاعة تمَجَّد الآبُ والأبنُ معًا (يو12: 28؛ 17: 4-5). ومثل المسيح ومعه سيتمَجَّدُ كلُّ من يؤمن بيسوع ويتبعه ( يو17: 20-24).

الأنجيل : متى 22 : 41 ــ 23 : 22

المسيح الموعود هو إبنُ داود. ولكنَّ داودَ نفسَه يدعوه " ربَّهُ". سألَ يسوعُ معلمي الشريعة و قادة الفكر والسلوك كيف يُفَسّرون ذلكَ ويوَّفقون بين التسميتين ؟. لم يقدر أحدهم أن يُجيبَ. و ليس سهلاً عليهم أن يُجيبوا وهم لا يرون في المسيح الموعود سوى إنسان من صلب داود. إنما يُمَيّزُه أمرٌ هوأنه ملكٌ " يجلس على عرش أبيه داود، ولا يكون لمُلكه نهاية "(لو1: 32-33) ، ويُعيد المُلكَ لأسرائيل (لو24: 21؛ أع1: 6). وحتى تكلم يسوع مرةً عن موتِه فآعترضوا عليه مستشهدين بالشريعة بأنَّ" المسيح يبقى الى الأبد"(يو12: 34). مع ذلك لم يفكروا قط بأنه " إلَه ". ولما آنخرسوا أمام عمق سؤاله لم" يتجاسر أحد بعد ذلك أن يساَلَه". مأساة البشر، ومنهم اليهود، أنهم يتوقفون على المظاهر ولا يتوَّغلون بالروح الى عمقِ جوهر الأشياء أو الأشخاص. وكان هذا أحدَ العيوب والأخطاءَ المهّمة التي أدانهم عليها يسوع. لأنهم حسبوا حتى الحَقَّ والبر بالمظاهر. وإذ حسبوا أنفسهم أبرارًا وعُلماء في الحق نصبوا أنفسهم نموذجًا لغيرهم، فلم " يعملوا عملاً إلا ليشاهدَهم الناس". ومأساتهم الأخرى والأسوأ أنهم يثقون كثيرًا بمعرفتهم حتى ينصبون أنفسهم مرجعًا ومصدرًا للحق والعلم. ولا يُحِسّون بأنهم ليسوا سوى " قادةٍ عُميان" !. يثقون بحكمتهم وعدلهم مع أنهم " يُصَّفون الماءَ من البعوضةِ، ولكنهم يبتلعون الجملَ "!. يفتخرون أنهم يتقَّيدون بالشريعة حرفيًا ولا يخالفون حتى ولا نقطةً واحدة، لكنهم قد " أهملوا أهَمَّ ما في الشريعة: العدلَ والرحمةَ والصُدقَ" !. لا يقدر الأنسان أن يتحَّكم لا بناصيةِ العلمِ كلِهِ، ولا بقوةِ البّرِ الكامل. الله وحدَه كاملٌ في كلِّ شيء. أما الأنسان فعليه أن يتعَّلمَ من الله. الله وحدَه " المعلمُ الأوحد". الله وحدَه الأبُ الأسمى والأقدس. الله وحدَه السَّيد الذي يأمرُ وينهي. الله وحده البار القادر على كلِّ شيء. والمسيح هو الله. إنه " ربُّ داود "، والذي تجَسَّدَ من نسل داود. فهو الله المولود من الأزل من اللاهوت الآب. فهو إبن الله. وآتخذ لنفسه ناسوتًا من سلالة داود. فهو أبنُه ورَبُّهُ. إنه " بهاءُ مجدِ الله وصورة جوهره " (عب1: 3). وهو " ابنُ الأنسان " (متى8: 20؛ 9: 6). وهو ضمان الأنسان ليتاَّلهَ فيصيرَ إبنَ الله (يو1: 12) ويرثَ كلَّ خيراتِه الأبدية، مجدَه وراحَته (رم8: 14-17).
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com