الأحــد الثاني للكنيسة ! <>::<>:><:<>::<> 2017.11.12

تتلى علينا اليوم القراءات : 1مل8: 10-29 ؛ عب8: 1-13 ؛ متى12: 1-21

القـراءة : 1 ملوك 8 : 10 ـ 29

خطاب الملك سليمان وصلاتُه عند تدشينه الهيكل. ويُلفتُ النظر: أولا :- حالما إنتهى الكهنةُ من وضع كلِ شيءٍ مكانه في الهيكل إمتلأَ كله بالسحاب حتى إستحال أداءُ الخدمة الطقسية، ذلك " لأن مجدَ الرب ملأَ الهيكل ". حدثَ مثله عندما دَشَّنَ موسى خيمة الأجتماع (خر40: 34). حضر الله في مسكنه. لا لأنه وجد له أخيرًا مأوًى يلجَأُ إليه. لأنَّ " ابن الأنسان ليس له مكان يسند إليه رأسَه" (متى8: 20). بل لأنه إنتظر من شعبِه أن يستقبله بينه. وفعلا لما نوى داود بناءَ " بيت لسكنى الرب" قال له الرب " حسنٌ ما نويتَ" (2صم7: 3 ؛1مل8: 18). مع أنَّ الله، كما قال سليمان،" لا تتسع له حتى ولا سماءُ السماوات". إنَّ السحابَ سُكناه. وحضور الله لا يُحَدِّدُه المكان ولا يقيسُه الأنسان. إنه حضورٌ حيويٌ وروحي. ثانيًا :- الله يريدُ أن يسكن مع الأنسان الذي خلقه نديمه وجليسَه في الفردوس. لكنه لم يبحث عن بيت أو مدينة ليسكنها :" لم أخترمدينة .. ليُبنَى لي فيها هيكلٌ يكون إسمي فيه". ولا ساءَلَ مسؤولا " لماذا لم يُقِمْ له بيتًا من الأرز" 2صم7: 7). ليست راحة الله في الكائنات الجامدة أو في آقتناء المواد الثمينة، بل في صورته التي أودعها الأنسان :" لكني إخترتُك " يقولُ لداود، " لتكون رئيسًا على بني إسرائيل" (1مل8: 16)، و" أنا الذي أبني لك بيتًا "(2صم7: 27). وقد بنى الله فعلا " هيكلا" له في الأنسان،" إِهدموا هذا الهيكل وأنا سأُقيمه.. وعنى يسوعُ بالهيكل جسَدَه" (يو2: 19-22). ثالثًا :- في صلاته. بدأ الملكُ ببركة الشعبَ ثم رفع صلاته الى الله وطلبَ منه أن يسمعها " من السماء حيثُ يقيم" (1مل8: 30، 32، 34، 36، 39، 43، 45 و49). الشعبُ يشخصُ الى الهيكل، رمزِ حضورالله. وإذا كان الله حاضرًا للأنسان فهو لابد ويسمعه. تزول المسافات بينهما. والقربُ لا يُقاسُ بالأمتار. بل كما سيقول يسوع، "إنَّ ملكوت الله في داخلكم" (لو17: 21). وفي شخص المسيح إتحَّدَ الله مع الأنسان، وعندما يقبل المؤمن سِرًّا من أسرار الكنيسة يحُلُّ الله فيه بنعمتِه فلن يبقَ فاصلٌ ولا بُعدٌ بينهما. هكذا أصبح مقامُ الله السماوي في الأنسان نفسِه ، فقد أصبح هيكَلَه.

الرسالة : عبرانيين 8 : 1 – 13

إنَّ العهدَ الذي عقده الرب مع شعبِه بوساطة موسى على جبل سيناء قد إنتهى مفعوله لأسباب عدة. أولا لأنَّ الشعبَ المختار لم يتقيد به (آية 9)، بل نقضه لذا أهمله الله أيضا. وثانيًا لأنَّ كلَّ ما يتعَّلق بشريعة موسى ومُنجزاته لم تكن إلا " ظلاًّ ورمزًا" (آية5)، للحقيقة التي في السماء. صنع موسى كلَّ شيء على صورة ما رآه في السماء. كان موسى من الأرض، أما يسوع فهو آتٍ من فوق، من السماء فهو أفضل من موسى وعهده ومن كل ما صنعه، " من جاءَ من فوق. .. من السماء، فهو فوقَ الناسِ جميعًا" (يو3: 30-31). وثالثًا لأنَّ خدمة يسوع المسيح أفضل وأقدس لأنه يخدمُ " قدسَ الأقداس والخيمة الحقيقية التي نصبها الرب لا الأنسان " (آية2، 6). ورابعًا لأنَّ العهد الجديد بالمسيح وعد به الرب وأعلنه على لسان إرميا النبي :" ها هي أيام تأتي أقطع فيها لبني إسرائيل ولبني يهوذا عهدًا جديدًا لا كالأول .." (إر31: 31)، عهدًا روحيا لا يرتكز على حرفية المظاهر الحسيّة، وقد شاخت فآنتفت، بل يغوصُ الى داخل النفس ويعالج الفكر والقلب (آية 10). يخدم الأنسانية بتنوير المعرفةِ وإضرام المحبة، وليس بأوامر النهي و النفي. فيسوع " الجالس عن يمين عرش الجلال في السماوات" (آية1) هو كاهن العهد الجديد والوسيط الإلهي، ختم وثيقة عهده بدم ذبيحة نفسِه وليس بدم الحيوانات البهيمة. وكهنوته أسمى من كهنوت موسى لأنه أبدي لا يزول. أما موسى فقد إنتهى وزال معه عهده الذي عتقَ وبات لا يخدمُ الأنسان أكثر مما فعل.

الأنجيل : متى 12 : 1 ـ 21

جدال حول السبت. الرسل يتجولون مع المعلم في الحقول، يجوعون فيفركون سنابل ويأكلون. يتهمهم الفريسيون بمخالفة شريعة راحة السبت. يرُدُّ عليهم يسوع ويتهمهم بأنهم هم المخالفون لأنهم لم يفهموا جوهر الشريعة بل سَهَوا في تفسيرها. فراحة السبت ليست إمتناعًا أو تَوَّقفًا عن حاجات الحياة اليومية. بل هي التوقف عن الطمع والجشع وعن الأهتمام فقط بالحاجات المادية والزمنية للجسد. لأنَّ الأنسان ليسَ جسدًا فقط. بل هو جسد وروح. والروح أيضا بحاجة الى الأهتمام بها وآحترام حاجاتها والأجتهاد في توفيرها. الجسد بحاجة الى الراحة كما هو بحاجة الى الطعام كي لا يستهلك سريعًا. كذلك الروح بحاجة الى الراحة والغذائ الروحي. وراحتها وغذاؤُها في أن تحيا وتُحَقِّقَ ذاتها كصورةٍ لله. وهذا يتم في أن يكون الأنسان قريبًا من الله في جلسات روحية للإصغاءِ إليه والتأمل في وصاياه وتقوية العلاقة الروحية معه. وهكذا تتحَقَّقُ راحةُ السبت بالتوقف عن العمل المادي المنفعي والتفَرُّغ لتقديس يوم الرب. وآستشهدَ يسوع بالكتاب المقدس نفسِه لتبرير رؤيتِه وتصحيح خطأ الفريسيين. داود الملك دخل "بيت الله وأكلوا خبزَ القربان، وأكله لا يحل لهم" (آية4؛ 1صم21: 4-7). فإذا كان أكلُ خبز القربان محصورا بالكهنة أو مُعَّدًا للمحرقة تكريما لله جاز أكله في حالة الجوع، يجوز أيضا للرسل فرك السنابل وأكلها ما داموا جوعانين حتى لو كان ذلك اليوم سبتًا. فهم لا يسرقون ولا يفكرون بالأنتفاع من قمح الآخرين. إنَّهم يسُّدون رمقهم فقط. وبالنسبة الى راحة السبت أيضًا ذكرَّهم يسوع بالقرابين الأضافية التي يُقربها الكهنة يوم السبت علاوةً على تقدمة الصباح و المساء للأيام الأخرى (عدد 28: 4). فليس عدلا أن يلومَ الفريسيون الرسلَ على ما لم يخالفوا به الشريعة. وليس عدلاً أن يدَّعي الفريسيون معرفة الشريعة وهم يجهلونها أو يعارضونها. و ليس عدلاً أن يُحَلّلوا على البعض شيئًا يُحَرّمونه على غيرهم. وإذا كان يسوع قد عارضَ كثيرًا من تقاليد اليهود فلم يفعل ذلك ليُغَير الشريعة بل ليُصَحّحَ مسار القادة الدينيين الذين خرجوا كثيرًا جدًّا من مسار الشريعة وشَوَّهوا محتواها وهدفها. ثم بشفاء رجل يده يابسة برهن يسوع على أنَّ الخير مسموحٌ به في كل أيام الأسبوع. لا بل تدخل الأشفية التي تجرى في يوم السبت، والتي يعارضُها القادة الدينيون بآسم الشريعة، ضمن إطار راحة السبت نفسِها ولتحقيقها. فالشفاء يُريح المريض ويجعله قادرا على متابعة الحياة بشكل طبيعي و يُرضي الله. فاللهُ أبٌ محِّبٌ رحوم لا يفرحُ بشقاء الأنسان بل أن يرتاحَ فيهنأ. وقد أعلن يسوع شعارَه الألهي هذا :" أُريدُ رحمةً لا ذبيحة ".
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com