الأحــد الأول للكنيسة ! <>::<>:><:<>::<> 2017.11.05

تتلى علينا اليوم القراءات : خر40: 17-38 ؛ 1كور13: 1-13 ؛ متى16: 13-19

القـراءة : خروج 40 : 17 ـ 38

بمناسبة نهاية السنة الطقسية المتمثلة بسابوع "تقديس الكنيسة" تربط الدورة الليترجية موضوع الكنيسة بالهيكل وما سبقه في العهد القديم من خيمة، هذا من جهة، ومن ثانية على السلطة الألهية التي إنتقلت الى الأنسان المتحد مع الله من خلال المسيح، فتأله بالنعمة وآستلم مهمته التعليمية والفدائية. صنع موسى" المسكن الألهي" ثم نصبه حسب توجيه الرب وإرشادِه واضعا كل جزء في مكانه المطلوب. ولما إنتهى" غطَّى السحابُ خيمة الأجتماع وملأ مجد الرَب المسكن". وكان السحابُ الذي يُظللُ في النهار على الخيمة كان ينقلبُ ليلا الى نار يَقي الشعبَ شَرَّ الحيوانات المفترسة أو يَدُّلهم على الطريق إذا كانوا في سَفَر. مجد الرب يشيرُ إلى شخص الله الحاضر بين الشعب مع حمايته القديرة. كان الله " يتنقَّلُ مع الشعب "(2صم7: 6-7). وعلى غرارهذا المسكن المصنوع من "كتَّان مبروم ونسيجٍ بنفسجي وأُرجواني.. مُطَرَّز.. "(خر26: 1) يبني سليمان الملك الهيكل الحجري. لقد إستقَرَّ الشعب وآغتنى وتحَضَّر، و من االبدو أصبح يمارس الحرف التجارية والمهن الفنية وبدأ يسكن في بيوت من الطين أو الحجر عوض الخيام، فما كان يليق أن يسكن الله بعدُ في الخيمة (2صم7: 2). وهذا الهيكل سيكون رمزا للهيكل الأنساني الحي الذي سيتجَّسدُ فيه الله ويثبت للأبد (2صم 7: 13). وستدمج المسيحية بين الهيكلين الحجري والمجَسَّم الحي فتبني الكنائس التي فيها يلتقي المؤمنون بـ " مجد الرب" الساكن بينهم ، وحيث يحُلُّ فيهم فيتحولون بدورهم، بمحَبَّتِهم ، الى هياكل حية لأنَّ "من أحبني "، يقول المسيح،" سمعَ كلامي فأَحَبَّه أبي، ونجيءُ إليه ونقيمُ عنده" (يو 14: 23). لا يريد الله أن يسكن في مواد جامدة بل في قلب الأنسان وفكره. لأنَّه وحدَه صورته ومثالُه الذي يتطابق فيه.

الرسالة : 1كورنثية 13 : 1 ـ 13

فإذا كان الله يسكن حيث توجد محَّبةٌ فلأنه هو " محبة "(1يو4: 8). والمحبة التي في الأنسان ليست سوى شعاعٍ من الله يبُثُّهُ في الأنسان. فالحبُ دليلُ حضورالله. وهذا ما يُنشُد له ماربولس في رسالته الى الكورنثيين داعيًا إيّاهم الى محبة بعضهم البعض. ويؤَّكدُ يوحنا الرسول بأنَّ " كلَّ محّبٍ مولودٌ من الله ويعرفُ الله" (1يو4: 7). وحتى الأيمان، الناقل للجبال، بالله لا يوازي ولا يساوي وزن المحبة. فالأيمان سيبطل عند موت الأنسان. كذلك الرجاءُ سيتوقف عندما يثبتُ المصيرُ الأبدي للمؤمن. أما المحبة فتدوم للأبد. لأنها ذات اللهُ وصورته المطبوعة في الأنسان. والمحبة الصادقة، مثل الله، تخلو من كل سوءٍ أو عيبٍ أو نقص. وتتحَّلىَ بكل ما هو " حَقٌّ وشريفٌ وعادلٌ وخالصٌ ومُستَحَبٌّ وطيَبٌ الذكرٍ، وما كان فضيلةً وأهلا للمدح" (في4 : 8). المحبَّةُ تكون شريان الحياة، وبدونها يسودُ الموت. ولا غرابة أن يُعَظِّمَ بولس المحبة بهذا المقدار. لقد تعلَّم ذلك من معلمه الذي قالها لمُعَّلمٍ فريسي سأله :" ما هي أعظم وصية " فأجاب :" أنْ تُحِّبَ الربَّ إلهَك .. وقريبَكَ..على هاتين الوصيتين تقومُ الشريعةُ كلها وتعاليمُ الأنبياء" (متى22: 36-40)، ويضيفُ مرقس: " وما من وصيَّةٍ أعظمَ من هاتين الوصيتين" (مر12: 31). كما عاينها تُشعُّ في حياته إذ أحَّبَ خاصَّته منتها الحب حتى بذل حياته من أجلهم (يو13: 1؛ 15: 13).

الأنجيل : متى 16 : 13 ـ 19

إعترافُ بطرس بيسوع أنه " المسيح ابنُ الله الحي". بعد أن إستطلعَ يسوع الرسلَ عن رأي الناس فيه سألهم عن رأيهم هم. أعلن بطرس عن إيمانه وإيمان رفاقه الرسل بأنه المسيح المنتظر. لم يكتشف بطرس ذلك بآجتهاده وآستنتاجه الفكري الشخصي. بل هو الله الذي أوحى اليه بذلك. أوحى الله اليه حصرًا وليس الى رسول آخر لأنه يعرف غيرته على الأيمان وشوقه في مجيء المسيح وبراءة نفسِه، وحماسه على الحق. لاحظ بطرس لدى يسوع بوادر ذلك الموعود. لم يُلاحظ علامات فارقة بارزة على جسم يسوع، بل عاين فيه علامات الروح التي ميَّزت يسوع عن غيره من الأنبياء أو الأولياء أو المعلمين، إذ كان " يُعَّلمُهم مثل من له سُلطان " (متى7: 29). ولمَّا ذَكَّرهُ الروح القدس بالمسيح وبما قال عنه يوحنا المعمدان لن يتَرَّدد في أن يُعلن الحقيقة التي آمن بها بعقله وقلبه. كان بطرس تلك الأرض الطيبة الجيدة التي إحتضنت بذر كلمة الله وتفاعلت معه فأثمرت (متى 13: 23). لقد سمع كلام الملكوت وآفتهمه وفَعَّله. وقد رأى اللهُ أنَّه مُؤَّهَلٌ لأن يستلمَ قيادة شعبه الجديد المصقول على تعليم يسوع فآختارَه للمهمة فأنار ذهنه ليرى في يسوع صورة المسيح المنتظر. وإذ لم يتردد في تقَّبُلِ الوحي برهن بدوره، ودون أن يقدرَ النتيجة، أنه الأجدرُ فعلا بالأختيار. و لمَّا عاين يسوع هذا الأعتراف المسؤول كشفَ له بالمقابل مخطط الله في آختياره الصخرة القوية ليُؤَّسسَ عليها كنيسته. لا كنيسة الحجارة بل كنيسة المؤمنين بالمسيح. إستوعب بطرس بعده أبعاد هذا الأختيار. وسيستعمله وثيقةً بها يُؤَّكد على صلاحياته في إعلان الحقيقة وتدبير شؤون الجماعة وضبط أمورها وحَلِّ مشاكلها، " أيها الأخوة. تعرفون أنَّ اللهَ إختارَني من بينكم، من زمن بعيد، ليسمع غيرُ اليهودِ من فمي كلام البشارة ويؤمنوا " (أع15: 7). يُضيف يسوع فيُزَّودُه بسلطانه الألهي في حقل الأيمان والأخلاق، ويقول:" ما تحُّله.. أو تربطه على الأرض { أنا أثَّبتُه، أنا أوافق عليه في السماء } يكون محلولا.. أو مربوطًا في السماء". و سيؤكد له يسوع أنه سيحمي إيمانه من الضلال :" طلب الشيطان أن يُغربِلَكم .. ولكن طلبتُ لكَ ألا تفقدَ إيمانكَ .. وأنتَ متى عُدتَ { بعد الآنكار!} ثَبِّتْ إخوَتَك " (لو22: 31-32). وهذا السلطان ليس شخصيًا حتى ينتهي بموت ذلك الشخص. إنه سلطان وظيفي منحه الله لبطرس لأنه إختاره لوظيفةِ صخرة أُسُسِ كنيستِه في وجهها الأنساني. بطرس سيموت في شخصه. أما وظيفته فتدوم الى نهاية العالم. وسيختارُ لها الله موظفين واحدًا بعد الآخر بالنظام الذي وضعه لها. لأنَّ مسكن الله الأرضي الحي الجديد يحتاج بآستمرار الى من يُدَّبره ويبُثُّ منه للعالم " بشارة الحق".
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com