الأحـد الأول لموسى !<>:<>:><:<>:<> 2017.10.29

تتلى علينا اليوم القراءات : اش40: 1-17 ؛ 2كور1: 23-2: 16 ؛ متى20: 1-16

القـراءة : اشعيا 40 : 1 – 17

"عزّوا ، عزّوا شعبي"، أوحى الله الى إشعيا لأنَّ بعدَ سقطته ومخالفاته لشريعة الله تابَ كثيرا. يقول :" وفت أورشليم للرب ضعفين جزاءَ خطاياها". فيبَّشرها النبي بوضع جديد هو أنَّ : " مجدَ الله سيظهر لها ويراهُ جميعُ البشر". طلب موسى في حينه من الله (خر33: 18، 20) أن يرى مجد الرب فلم يُعطَ له. لأن من يراه يموت. لم يكن الأنسان بعدُ في وعيٍ إيماني و وضعٍ يقوى فيه أن يتعاملَ مع الله "وجهًا لوجه". إيليا أيضًا لم يحظَ برؤية مجد الله (1مل19: 13). لكن هذا الوضع سيتبدَّل. وعندما يتمُّ الزمن ، عندما يصبحُ الأنسان قادرًا و مؤَّهَلاً لأن يستوعبَ حضور الله بالجسد، عندئذٍ سيظهرُ مجدُ الرب. سيتحَقَّقُ هذا جزئيا عند عودة الشعب من السبي الى وطنه ويرتاح من عناء نفيه ويتمتَّعُ بالسلام والعدل والراحة. لكن ذلك يبقى رمزًا لما سيحدث عند مجيء المسيح نفسه. إلى الآن كلمَّ الله البشر بوسيط إنساني، النبي. أما في" الأيام الأخيرة { لمَّا تَمَّ الزمن، غل4: 4} فكلمنا بآبنه، شعاع مجد الله وصورةِ جوهره" (عب 1: 2-3). بتجسد المسيح يحُّلُ الله بين الناس ويسكن بينهم (يو1: 14). وفي المسيح تجَّلى الله للبشر" فأشَّع وجهه كالشمس وتلألأت ثيابه كالنور" (متى17: 2)، وظهر معه موسى وايليا اللذان إشتاقا الى رؤية هذا المجد، فدَّلا عليه. و عاين الرسل مجده (يو1: 14) وجلاله (2بط1: 16) وتهَّنأوا به. لقد دعا الله الأنسان للمشاركة في مجده، فحُقَّ للرسولِ أن يُعلن :" ونحن جميعًا نعكسُ صورة مجد الرب، بوجوهٍ مكشوفةٍ كأَنها مِرآةٌ ، فنتحَوَّلَ إلى تلك الصورة " (2كور3: 18). وهكذا تحقَقَّ الرمزُ فطبَّقَ الأنجيلي كلام إشعيا عن الرسول الذي" يُهَّييءُ طريق الرب ويُمَّهدُ سُبله ..." (اش40: 3-5؛ متى3: 3). هذا كلام الرب وكشفه الحقيقة للأنسان. البشر يموتون والخلائق تفنى " أمَّا كلمة الَـهنا فتبقى الى الأبد " (آية 8). كان الله دوما حاضرًا مع الأنسان، لاسيما المؤمنين به. كان حاضرًا، ولا يزال، بقوة خلقِه و رعايته وحمايته. كان حاضرًا بكلمته يوحيها، من حين لآخر، في الأنبياء. أما الآن فهو حاضرٌ بشخصِه، وبصورة دائمة، ويعملُ ويعلم بآستمرار(يو5: 17). ولاسيما يساعد الأنسان بمَثَلِهِ ليعمل معه و مِثلَهُ. ولن يغادره بل يجعل مقامه عند محّبيه (يو14: 23)، ويُظهر مجدَه لكل من يفتح له قلبه وفكره. فيتعزَّى الأنسان، كل إنسان، بنسيان معاناتِه وآلامِه لأنَّه يشاركه في حملها ، وفي تطهيره من خطاياه.

الرسالة : 2 كورنثية 1 : 23 – 2 : 16

حدث خلافٌ بين بولس والكورنثيين فعارضه بعضُ أعضاء الكنيسة وتهَجَّموا عليه وأهانوه بالكلام. ردَّ عليهم بولس بشدة وقسوة ليعيدهم الى صحَّةِ التفكير"في المسيح". ثم كتب لهم رسالة إغتموا لها وحزنوا. لكنهم إعترفوا بعده بغلطتهم وتابوا وأصلحوا موقفهم معتذرين ومستنكرين الظلم الذي وقع عليه ومعاقبين الظالمَ كما يستحق، ومبدين تجاه بولس كل اعتبار وآهتمام (2كور7: 8-12). ثم قرر أن يزورهم لكنه في الأخير عدلَ عن رأيه خوفًا من ألا يحزنهم مجَدَّدًا، فلا يحزن هو أيضا، بينما يسعى هو الى فرحِهم. يكتب بألم ودمع لأنه سبَبَّ لهم الحزن في حين يُحبُّهم كثيرا. ومن كان سبب الحزن لجميعهم قد نال عِقابَه العادل، فيطلب بولس منهم أن يكُفُّوا عن مقاطعته لئلا يؤذيه الحزن الفائض فيصفحوا عنه ويشَجعوه مبدين له محَّبةً أعظم. ذلك حتى لا يتغَلَّبَ عليهم الشيطان وتفَرِّحُه تصرفاتُهم. بل يطبقوا تعاليمَ يسوع في المحبة والصفح والمساعدة. يبدي بولس موقفه الرسولي الصريح : هو والجماعة واحدٌ في المسيح، وقرارهم يتجاوبُ مع تعليمه. والمسيح يضمن إنتصارهم الدائم، يعملُ فيهم وينشرُ من خلالهم " عبيرَ معرفته". ويصفُ بولس المسيحيين أنَّهم " لله رائحةُ المسيح الذكية بين الذين يخلصون أو يهلكون". إنَّ الموقف الذي يُخبر عنه بولس نموذجٌ حَيٌّ لكل رعية أو كنيسةٍ مسيحية. التعامل الصريح بين الراعي والرعية والتعاون الجِدّي في إشعاع صورة حية ناطقة عن المسيح وتعليمه، وتحَدّي الخلافات وحل الأشكالات بروح المسيح. فيظهر مجدُ الرب و مجدُ المؤمنين به ويرى العالم ويؤمن.

الأنجيل : متى 20 : 1 – 16

مثلُ عمال الكرم المُؤَّجرين في ساعات متفاوتة والمكافأين بأجرة متساوية. جاء حديث يسوع هذا بعد جداله مع الفريسيين حول الطلاق وحواره مع الشاب الغني حول كيفية الحصول على الحياة الأبدية. بينما تعَلَّق هذا الأخير بالمال وفَضَّله على إِتّباع يسوع، تعَلَّق الفريسيون بنظام الناس وعدالتهم غير آبهين بالشريعةِ الألهية. تطرق يسوع هنا الى العدل الألهي الذي يخالفُ أو لا يتطابقُ دومًا مع العدل البشري. فالأفرادُ في دستور البشر متساوون وكلُّ واحد يأخذ بقدر ما يُعطي. أما في دستورالله فالأفرادُ أبناءٌ ويأخذون بقدر ما يحتاجون. عدالة الله مبنيةٌ على المحبة فالرحمة، في حين تُبنى عدالة البشر على "العينُ بالعين" والمنفعة المادية والقوي يأكلُ المستوي. وبخصوص العمل يتقيد ربُّ العمل بنظام العمل دون أن يهتم بالنتيجة هل تُنصفُ العامل أم تظلمُه. عَبَّرَ عن هذا موقفُ عمال الساعة الأولى الذين إشتغلوا إثنتي عشرة ساعة وموقف رب الكرم. وإذ كان الرب قد شبه الملكوت بصاحب كرم يستأجرُ فعلة يشتغلون في كرمه في ساعات متفاوتة ثم يكافئهم بالتساوي فعنى بذلك الله الذي يستخدم الناس للعمل في بناء ملكوته على الأرض. والله بدأ ببناء مملكته من يوم دعا إبراهيم وشكل منه شعبه الخاص كي يعمل في البر والحَّق. وقد تمَّ تثبيت المملكة عل يد الله المتجسد/المسيح. إعترض الفريسيون كيف يخرج عن تقاليدهم، وكيف يساويهم بالوثنيين والخطأة الذين لم يعرفوا الله إلا متأخرًا جدًا. إعترضوا على هضم حقوقهم وعدم مراعاة إمتيازاتهم. وكأنَّ على الله أن يتقَيَّدَ بنظامهم ولهم الأولية والأسبقية في نيل نعم الله. فيرُدَّ يسوع عليهم : أولاً بأنهم قد نالوا حقوقهم ولم يظلمهم الله ؛ ثانيا بأنَّهم حسدوا غيرهم مع أن أولئك أيضا أبناء الملكوت. لقد خلقهم الله للملكوت/الحياة لا للموت ؛ ثالثًا بأي حَقٍّ يعترض الأنسان على الله وعلى فعله ؟ " وهل تقول الجبلة لجابلها لماذا صنعتني هكذا"؟ (رم9: 20) ؛ رابعًا فكرالله وقلبه، وبالتالي شريعته، أكبروأحن من الأنسان. هو يتعامل معه عن حب وبالنظر الى حاجته. الله يعطي فقط ولا يأخذ من الأنسان، وعطاؤُه حُرٌّ لا يتقيد بإرادة الأنسان. وعدالته تتحَدَّى متطلبات العدالة البشرية. ومعرفته تمُرُّ بمعرفة كل الناس و آحترامهم لاسيما الأعتناء بمن هم في حاجة أكبر إلى المحبة والرحمة والتضامن.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com