الأحــد الرابع للصلـيب/ السـابع لأيليا ! <>::<>::<>::><:><::<>::<>::<> 2017.10.22

تتلى علينا اليوم القراءات : اش33: 1-14 ؛ 1كور14: 1-25 ؛ متى18: 1-18

القـراءة : اشعيا 33 : 1 – 14

يبدأ النبي برفع أنظار الأنسان الى فكر الله وطريقةِ تعاملِه ( سياسته) مع الأنسان. فبينما يفكرُ الناس، أو ينقادون الى التفكير كذا، بأنَّ الله مُنحازٌ الى الأقوياءِ والأغنياء والرؤساء ينقلُ النبي ، أولا تهديد الله للأمبراطورية القائمة المُتجَبِّرة والجاثمة على صدر الشعوب ومنها شعبِ الله ويقول :" الويلُ لكَ يا مُدَّمِرًا لا يقوى أحد على تدميرِه. ويا ناهِبًا لا يقوى أحدٌ على نهبٍه". و لكن ما لايقوى عليه البشر يقدر عليه الله (لو18: 27). وهذا تحذير الله للظالم المتجّبر:" عندما تكُّفُ عن التدمير عندها ستُدَمَّرُ أنتَ أيضا ". وعندما يعتبر نفسَه " السيّدَ المطلق"، والآمرَ و الناهي ولا يُقيمُ للهِ وزنًا، عندئذٍ سيُسَّلِطُ الله عليه ظالمًا أشَّد منه. لا يوقفُه الله لا عن نهبِه ولا على تدميره. يحترمُ الله الحرّيةَ التي كَرَّمه بها، ويترُك له بذلك فرصةً يتراجعُ فيها عن شَرِّه ويُعيدُ الحقوقَ والكرامةَ الى أصحابها. فإذا لم يفعل بل تمادى في عصيانِه على شريعةِ الله و ثبتَ في سلوكه العدواني عندئذ فقط يدعُه الله لشَّرِه حتى يُفنيه. ولأنَّ اللهَ أبٌ مُحّبٌ وحاكمٌ عادلٌ لا يريدُ أن يدين الأنسان من أولِ عصيان حتى لو دانَ فعلَه. لربما أغراه الشرير كما فعل مع آدم، أو ضعفَ أمام خطرٍ يُهَّدد مثل بطرس. لذا قبل أن يُعاقبَه يُعطي له فرصةً أن يُبَرِّرَ نفسَه ويبديَ حسن نيَّته ويُصلحَ إلتواءَه. " يُعطيه، كما قال المُزَّمر، شهوةَ قلبِه، ولا يرفضُ له طلبة شفتيه" (كز21: 3). مقابل هذا الصبر الطويل على الظالم والشرير، لأنهم أولاده المحبوبين حتى لو كانوا عاقين، لا ينسى الله أبناءَه الآخرين الأُمناء" الذين يصرخون اليه نهارًا وليلا ويتأنى عليهم". ومنهم ينتظرُ فقط الأيمان به (لو18: 7-8)، والتمَسُّك بمشيئتِه (متى7: 21)، والتحَّلي بأخلاقِه (في2: 5). لقد ملأَ الله تأريخ شعبِه بالأنصافِ والعدلِ والأمانةِ. فالتأريخ ينطقُ والطوبى لمن يقرأه ويتَّعظ.

الرسالة : 1كورنثية 14 : 1 – 25

رسالة طويلة يُحَدّثُ فيها الرسول عن مواهب الروح القدس المختلفة للأنسان لتتكامل خدمة الكنيسة ويقارنُ بينها فيُمَيّزُ بينها ويشيرُ الى المهمةِ فيها ولاسيما الى الأهَّم منها. ويَذكرُ ثلاثًا منها : المحبة والتكلم بالألسنة والنبوة، ويقارن بنوع خاص بين التكلم بالالسنة والنبوة. لكل مؤمن موهبةٌ من الروح مُتمَّيزة عن غيره لأداء مهمَّةٍ خاصّة لبناء الخير العام (1كور12: 7). وإذا آختلفت المواهب، ولكل موهبة دورٌ وحقلُ عملٍ خاص، فلا بُدَّ أنَّ للواحدةٍ عملاً أهَّمَ من غيرها. هذا لا يعني أنَّ الفضلَ يقومُ على نوع الموهبة بل على الثمر أو الأداء المطلوبِ منها. قال بولس أنَّ النبوة أهم لأنها تبني الجماعة التي تُلقى عليها. لا تبنيها بكشف المستقبل لها، بل بقراءة علامات الأزمنة التي فيها تكتشفُ مشيئة الله وتوجيها لأولاده المحبين. بينما التكلم بالألسنة بشكلٍ إعجازي لا تفهمه الجماعة لأنه حديثٌ مع الله بلغةٍ لا يفهمها المؤمن الأعتيادي. لكنها تبقى آيةً لغيرالمؤمنين حتى يؤمنوا بالله. هذا ما حدث في يوم العنصرة، حيث بدأ الرسل يكلمون الجموع المحتشدة عند المبنى بلغات لم ينطقوا بها أبدًا بل ولا درسوها. منَّ عليهم الروح تلك الموهبة ليُدهشَ الغرباءَ والجاحدين ويجذبهم الى الأيمان بالمسيح. وسبق الكتابُ وتنبَّأَ بذلك. عكس النبوة التي هي إيصال كلام الله وكشفُ مشيئته للجماعة المؤمنة المُلتئِمة داخل الكنيسة لسماع كلام الله. فالأول المتكلم باللغات يشبه الزارع الذي يبذر كلمة الله. أما الثاني فيسقيها لتنمو تلك الكلمة. فهو كالبَنَّاء الذي يجمع مواد البناء الى بعضها ليشَّكل منها دارًا تضمنُ السكن فيها. الأول يجذبُ الجاحد الى الأيمان والثاني يُثَّبته في إيمانه. وقد فضَّل مار بولس موهبة النبوة لأنها تسند مسيرة لتضمن إكتمال الرجاء بالحصول على إكليل المجد الموعود لمن يجاهد في حياته ويثبتُ في إيمانه ورجائه.

الأنجيل : متى 18 : 1 – 18

دعوة يسوع الى التخَّلي عن فكر العالم وروحه والتغيير نحو البراءة والبساطة للتشَّبه بالأطفال. وقد يتطلب ذلك أولا التواضع وعدم إعتبار الذات أكثر مما هي عليه. وثانيًا التضحية بقناعات خاصّة وعاداتٍ راسخة وميول أو رغائبَ لاسيما المنحرفة منها. وهي كلها مرتبطة بالحواس. وإذ يطلب يسوع الترَّفعَ عنها فمن أجل السمو في ما يتعَّلق بالروح. لأنَّ الأنسان روحٌ، بجانب الجسد، خالدة في عالم الروح لا تنفعها الحواس في السماء" حيث لا يتزاوج الناس، بل يكونون مثل الملائكة" (متى22: 30). ودعوة يسوع هذه أتت جوايًا لسؤال التلاميذ" من هو الأعظم في ملكوت السماوات"؟. في نظر الله من هو أعظم إنسان؟. العظمة في فكر البشر، في قياسهم وتقييمهم، تُعزى الى الأنسان القوي والثري وذي جاه ونفوذ. أي يملك من خيرات العالم والجسد وأمجادِهما ما يُغريه فيهواه وينجح في تحقيقه. أما الله فقال بأنَّ الطفل أعظم إنسان مع أنه لا يملك من حطام الدنيا وشهوات الجسد ولا ذرة واحدة. ما يملكه هو" بساطة وبراءة " تضفيان على الحياة جوًّا معَبَّقًا بالراحة والهناء. سلوكٌ وأفعالٌ بعيدة عن سوء نيَّةٍ أو فكرٍ مُلتوٍ. نظرة الى الأشياء بريئة صافية كدمع العين. رغبة في الأمور لا تعقيد فيها ولا تشويه. حتى لهوُه خالٍ من خلفيةٍ مشَوَّهة. إنه روحٌ صافية خرج طريًّا من يد خالقِه وصورَةً منه وله. فعظمة الطفل لأنه يعكسُ حياة الله وسلوكه. لم يُوَّسِخُه العالم ولم يشَوِهُه الزمن بعدُ. إنه يعيشُ مع الله ومثله. والملكوت هو" مقامُ " الله ، وإنْ كانت سماوات السماوات لا تسعه (1كل8: 27). والله حاضرٌ في الطفل. وحيث يحضر الله فهناك العظمة. وإذا حضر في البراءة والبساطة ، فحياة بهذا الشعار هي أعظم من كل نوع آخر. وحفاظا على هذه العظمة دعا الربُّ المؤمن الى الجهاد ضد ما يُعرقل المسيرة الروحية. وإذا آقتضت الحاجة يُضحي المؤمن بيدٍ أو رجلٍ وحتى بعينٍ ولا يقبل أن يقعَ في الخطيئة ويخسرَ ملكوت السماء، لا هو ولا غيرُه بإعثارِه بمثل رديء أو بحياةٍ فارغة من حضور الله. إنها خيانة وجريمة نكراء أن يُشَّوهَ الواحدُ الحياة التي خلقها الله بريئة نقية، قدّوسة. وهي خسارةٌ لا تُعَّوض ولا تُقَّدر، وصفها الرب بـ"الموت". فأعطى الربُّ الويل لمن يُشَّككُ غيره، وخاصَّة الأبرياء والصالحين كالأطفال.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com