الأحـد الثالث للصليب/ السادس لأيليا ! <>::<>::<>::><:><::<>::<>::<> 2017.10.15

تتلى علينا اليوم القراءات : اش26: 1-19 ؛ في4: 4-23 ؛ متى15: 21-39

القـراءة : اشعيا 26 : 1 – 19

نشيدُ النصر لشعبٍ آمن بالله وسمع كلامه. يدور الحديث عن مقارنة بين مدينتين لشعبين. أولا عن مدينة الله المنيعة لأنَّ شعبها وسكانها متمسكون بشريعة الله وأمينون لوصاياه ويتمتعون نتيجة لذلك بالسلام والأمان. فالله عادلٌ ولا يظلمُ من يثقون به ويلتجئون اليه ويسمعون كلامه. بل يحميهم وينصرهم على أعدائهم. وثانيا يذكرُ النبيُّ مدينة البشر، مدن الممالك المتعالية على شعب الله والظالمة، وبالتالي الآيلة الى الخراب والدمار، لأنَّ سكانها لا يعرفون الله بل أشرارٌ ويتصَّرفون بعمى القلب. يسَّجلُ النبي، عن شعبه، إعترافه بفضل الله ويرفع اليه صلاته ليتابع بإسدائه الخير والفضل و يستمر بحمايتهم. لا ينسى النبي بأنَّ الله رغم رحمته يبقى عادلا و يرفض الشَّر من أيّ شعب كان. ولما زاغ شعبه عن الحَّق والبر لمْ يحمِه من الضيق والبؤسِ و الشقاء. إنما لم يكن ذلك إنتقامًا ،ولا حتى من بقية الأمم، بل "عقابًا" أي درسًا يقود الشعب الى الأعتراف بأخطائه ، و فرصةً للعودة اليه بالتوبة. لذا بعد إسترحام الله، وبآسمه، يدعوالنبيُّ الشعبَ إلى" الأستفاقة " من سوئهم، والى التعَّمق في إيمانهم، والأختلاء بذواتهم لرؤية كيفية تجَنُّبِ عقاب الله.

الرسالة : فيلبي 4 : 4 – 23

يدعو بولس أهل فيلبي الى الفرح المتواصل في الرب يسوع وأيضا الى الصبر على المحن. لأنه يؤَّكدُ لهم بأنَّ مجيءَ الرب قريب. وهذه الحقيقة أعلنها أيضا لأهل تسالونيقي (1تس4: 15). لقد قلقَ البعض وأساؤوا الفهم لهذا الأعلان وآعتبروه " قرب مجيء المسيح" النهائي. سيوضح لهم بولس حقيقة الأمر. ويؤكد أن النهاية العامة للعالم ستتأخر. لكن ذلك لا يُبطلُ ولا يُؤجِّلُ اللقاءَ الفردي الشخصي بالمسيح لكل مؤمن عندما يداهمه الموت. فبالنسبة الى من يموت يجيءُ المسيح عنده لينقله الى الحياة الأبدية. وهذا اللقاء يتطلب إستعدادًا من قِبَل المؤمن. والأستعداد لن يكون في توفيرالطعام والشراب ولا بتزيين الدار بل يكون بزينة النفس والطعام الروحي، من نوع طعام يسوع الذي لا يعرفه غيرُ من عرف الله وحفظ كلامه (يو4: 32-35). والطعام الروحي هذا وزينة النفس تقومُ على الأخلاق الصحيحة والحميدة. لذا نقرأُه يكتُبُ لهم : " فآهتموا بكل ما هو حَّقٌ وشريفٌ وعادلٌ وطاهرٌ ..ومُستَحَّبٌ وحسنُ السمعة، وما هو فضيلة وأهلٌ للمديح "(آية8). ربما يُكَلِّفُ ذلك المؤمنَ ضيقًا وتضحيةً وجهادًا ضدَّ ما يحاولُ منعه عن ذلك السلوك. ذلك أمرٌ طبيعي وقد إختبره بولس نفسُه. ولذا يقَّدمُ نفسَه لهم نموذجًا يسنُدُ جهادَهم . وقد يعتري الضعفُ بعضَهم فيتردَّدُ أو يتحَجَّج بأنه غير قادر على تحَّدي تلك التحديات. لكن بولس لا يقبلُ العذرَ ولا يُبَّررُ حجَّة الضعيف. لأنَّ اللهَ من جهة لا " يسمح بتجربة الأنسان فوقَ طاقتِه.. بل يهبُه وسيلة النجاةِ منها والقُدرة على آحتمالها "(1كور10: 12-13). ومن جهةٍ ثانية ليس المؤمن معزولا وحدَه أمام تحَّديات العالم بل اللهُ مقيمٌ فيه (يو14: 23) وهو يُسَّلحُه و بقُوَّته يتحَّدى المؤمن صعوبات الحياة وتجارب الشّرير. وأخيرًا يتطَرَّقُ الى ما بينهم من العلاقات الخاصّة الممتازة في الأخذ والعطاء. ويمدحُهم على جودةِ موقفهم منه وتعاونهم معه ولاسيما بتوفير معيشته فيقول :" إنَّ عطاياكم تقدمةٌ لله طَيّبةُ الرائحةِ، وذبيحةٌ يقبلها ويرضى عنها" (آية 18). ويؤَّكد لهم بأن فرحه وآفتخارَه ليس بعطاياهم له، بل لأنه يتأكد من أنَّ حياتهم ليست مبنيةً على الرمل بل على صخرةِ ايمانٍ راسخ، وهذا يُطمئنُه على مصيرهم الأبدي، فيقول :" أرى أنَّ الربحَ يزدادُ بحسابكم "(آية 17). وطمأنينته هذه دفعته الى تشجيعهم من البداية ليفرحوا ويصمدوا في موقفهم الأيماني المستقيم ضامنًا لهم إيفاءَ الله لكل حاجاتهم.

الأنجيل : متى 15 : 21 – 39

المراة الكنعانية ، وأشفية عديدة ومتنوعة ، ومعجزة تكثير الخبز الثانية. الكنعانية وثنية. و الوثنيُّ محروم التعامل معه لأنَّ اليهود يعتبرون الوثنيين " أنجاسًا". إمتنعوا "عن الدخول الى قصر بيلاطس لئلا يتنجَّسوا" (يو18: 28؛ مر7: 2-5). ومنطقة صور وصيدا حيث تعيشُ الكنعانية سكانها وثنيون. وقد تخطَّى يسوع الخط الأحمر، خط الخراف الضالة من آل إسرائيل (آية24)، وذهب يبحث عن الخراف الأخرى" من الحظيرة الثانية "(يو10: 16)، التي يحاولٌ ابليس أن يخطفها من يده. هي أيضا ملكه مثل آل إسرائيل ويريد لها الحياة الأبدية (يو10: 28 -30). الوثنيون هم الذين لم يعرفوا الله (1تس4: 5)، ولايُمَّيزون " يمينهم عن شمالهم" (يونان 4: 11)، لانه لم يُحَّدِثْهم أحدٌ عنه فلا يستحّقون لا القدحَ ولا المدح. وقد جاءَ يسوع نورًا للعالم أجمع لا لليهود وحدَهم (يو9: 5)، وجاءَ ليُخَّلصَ لا ليدين (يو3: 17). لا يبدو أنَّ يسوع دخلَ المدن الوثنية بعدما إلتقته الكنعانية عند حدود بلادها. جرى بينهما حديثٌ ، كما حدث ليسوع في لقائه السامرية التي أصبحت، على أثره، رسولة شعبها فقادته الى لقائه والأيمان به (يو4: 7-42). وقد تكون الكنعانية أيضا أصبحت رسولةً لأقرانها وقومها. وفي كلا الخبرين يسوع مُتَّجِهٌ خارج المنطقة اليهودية، وفي كليهما تأتي امرأة وتلتقي بيسوع وتعود وهي مؤمنة بمسيحانية يسوع ورسالته الخلاصية. بينما يغوص اليهود في حلمهم العنصري و يرفضون الأعتراف بآلوهية يسوع وبتعليمه الجديد يتلقّى الوثنيون زرع الحقيقة والبر وسينمو في حقل حياتهم. "يأتون من المشرق والمغرب ويتكئون في ملكوت الله، وأما من كان الملكوت لهم فرأوا ولم يؤمنوا (متى21: 32؛ يو15: 24)، لذا سيُطرحون خارجًا في الظلمة .." (متى8 : 11-12). وكم يتنقَّلُ اليومَ يسوع على طرقات مدن العالم، وكم يلتقي من جائعين الى فُتاتِ خبزه المُنعش أوعطاشى الى مائه المُحيي. ويريد يسوع أن يُنوِّرَ لهم سبيل الحق. لكن يسوع يبقى وحده وقد تركه تلاميذه منشغلين بأمور الدنيا والحاجات الزمنية ـ كما في السامرة ذهب التلاميذ لشراء الخبز!ـ ، أو منزعجين لآلحاح أهل العالم بمطاليبهم ومبادئهم المناوئة لتعليم الكنيسة ـ كما هنا مع الكنعانية !ـ. ليس لرسالة المسيح أبعادٌ زمنية أو حدود عنصرية، ثقافية أو قومية لا تقبل التجاوز. العالم كله بحضاراته بحر يسوع تغوص فيه شباكه لتصطادَ كلَّ أنواع اليشر. العالم كله بآختياراتِه كنيستُه التي تنتظرُ وتستقبلُ كلَّ أجناس البشر. يحتاج يسوع الى متعَّطشين الى الحق يرتوون من مبادئه ثم ينقلونها بحماس الى أوساطهم و شعوبهم. رسله ليسوا فقط ذكورًا. المرأة أيضا تقدرأن تنقل البشرى. لا شيء صَّدَ الكنعانية عن نشر خبر شفاء إبنتها بكلمةٍ من يسوع. من يعتبرهم أهل العالم ويَنعُتهم بـ" نجسين دنسين " قد يكونون أفضل من الذين يُصَّنفونهم كَ"قديسين". أما يدعو بولس الأخوة المؤمنين بـ" قديسين"، والرسل من ضمنهم، لكن نعرف أن الرب يسوع وبَّخَ مرارًا الرسل و نعتهم بـ" قليلي الأيمان". بينما نالت المرأة الكنعانية الوثنية مديحَ الرب،" ما أعظمَ إيمانك يا آمرأة " (آية28).
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com