الأحــد الثاني للصليب/ الخامس لأيليا ! <>::<>::<>::><:><::<>::<>::<> 2017.10.08

تتلى علينا اليوم القراءات : اش25: 1-8 ؛ في3: 1-14 ؛ متى17: 14-27

القـراءة : اشعيا 25 : 1 – 8

صلاة شكرٍ يرفعها النبي ليحمد الله على أفضاله ويمدحه على عظائمه وعجائبه. وفي أعماله هذه تظهر لا فقط جبروته بل أيضا عدالته ورحمته. مهما طغى الشر وكثر ظلم الأنسان إلا إنَّ الله أعلى منها وأقوى. لقد حطَّم قدرة الأقوياء وأوقف طغيان الأشرار فصارت الأمبراطوريات تتهاوى الواحدة تلو الأخرى ، بينما صار الفقير والبائس يتعَّزى عن شدائده ويرتاح عن آلامه لأنَّ همومه زالت وأصبح يشُّقُ طريقه براحةِ بال وبكرامةٍ وينال مطلبه وحاجاته. كلَّ ما قام على الظلم والفساد قد إنهار وآستقام عوضه ما كان مذلولا ومنبوذا. لأنَّ الله لا يرضى عن الخطأ ولا يتنازل عن الحق ولا يتراجع أمام وعوده. يريد الله ويُعّدُ مشروعا يجمع به كلَّ الأمم في موَّدةٍ وإخاء، حول مائدة خيراته. لا ينسى الله لا الصدّيق والبار ، ولا يرتاحُ الى الظالم و الشّرير. ولا يريد لولا إنسان أن يتألم ويتحَسَّر. بل يسعى الله ليزيل كلَّ هَّمٍ وغم، وكلَّ حزنٍ أو ألم. يُريد أن يكسر كلَّ قيودِ الشر ويُمَزّقَ كل شباك الحيلة والغدر والمكر. يريد الله أن " يمسحَ الدموع من كل الوجوه، وينزعَ عارَ شعبه عن كل الأرض"، ليُحَوِّله الى نور وملح يزرع في الأرض السلام والوئام. هكذا يكون الله. وإذا كان مخالفا لهذه الصورة فهو ليسَ إلَـهًا. وليس قادة البشرآلهةً فلا يقدرون أن يُحَّققوا مطامح الناس العادلة، ولأنهم يختفون وراء المظاهر والمصالح فلا يهمُّهم راحة غيرهم كثيرا إلا بقدر ما تصُّبُ في منفعتهم ومجدهم. ولما كان الله هو نبع كل مجد وخير وقوة و قياسها، وهو الأزلي الباقي للأبد ولا أحد يقوى أن يثبت أمامه، فهو لا يبحث عن مجد وخير بقدر ما يريد أن يشارك الأنسان في حياته وفي ما يملكه. يعرف الله ما يشتهيه الأنسان وما يبحث عنه وما يريحه. وهو مستعد لتحقيق ذلك. يكفي فقط أن يثق الأنسان بالله ويحفظ كلامه ويتفاعل مع توجيهاته. بهذه الطريقة فقط ينجح الأنسان فيتمَجَّد ويهنأ.

الرسالة : فيلبي 3 : 1 – 14

جاءَ مار بولس يحَّدثنا عن كيف يُبَررنا الله ، أي كيف يرضى عنا ويستجيبُ لنا مُحَقِّقًا طبيعتنا وآمالنا. يبدأ أولا بدعوتنا الى الفرح " بالرَّب". أي أن نفرَح لأننا نتصَّرف بالحق الذي حدَّده الرب يسوع. فقد دعا العالم ألى الإصغاءِ اليه والأيمان بتعليمه. لقد كرر مئات المرات " الحَّق الحَّقَ أقول لكم". وقد أكَّدَ أنَّه :" إذا ثبَّتم في كلامي، صِرتم حَّقًا تلاميذي، تعرفون الحَّقَ. و الحَّقُ يُحَرِّرُكم " (يو8: 21-22). فالحَّقُ ليس دوما ما نفَّكرُه نحن أو نتصَّورُه، بل ما خلقنا الله عليه ويُجَّسدُ في الإنسان صورةَ الله. ومن هذا القبيل يدعونا الرسول الى الإحتراس من عملاء السوء لاسيما الذين يصُّبون إهتمامهم على الأعتناء بالحواس وبما لها فقط، وأيضا حصريًا بأمور الزمن. ولبولس مزايا إنسانية، زمنية و مادية كثيرة، يفتخر بها. لكنه تنازل عنها كلها ليفتخر بما عمله المسيح فيه وما يعمله هو للمسيح وبروحه. ويقول :"أحسب كلَّ شيءٍ خسارة من أجل الربح الأعظم، وهو معرفة المسيح.. من أجله خسرتُ كلَّ شيء، وحسبتُ كلَّ شيء نايةً لأربح المسيح، وأكون فيه.." (آية 8). إنه يقتدي بحياة المسيح ويُجَّسدُ موته في حياته بالبذل وتضحية ذاته للصمود في الحق ومن أجل خلاص غيره. وبهذا يضمن أملَ المشاركة في حياة المسيح الأبدية. يعي بولس أنه في جهاد. ويفترض هذا الجهاد لكل مؤمن. يعي بولس أيضا ضعفه وعثراته. لكنه واثق بنعمة المسيح. لذا يعلن ويؤكدُ لقارئيه بأنَّه لا يمكن للأنسان، ما دام يعيشُ في الزمن، أن يثبتَ في النعمة مثل الله. إنما على الأنسان أن يدخل خط الجهاد مع المسيح لأجل الحق، و ألا ييأسَ من فعل محاربة أهل السوء بل أن يصمد في الحق ويستمرَ يجاهد من أجل مجد السماء ونعيمه.

الأنجيل : متى 17 : 14 – 27

وجهاد من هذا النوع يتطلب أيمانًا قويًا وإصرارًا لا تراجعَ عنه. هذا ما يقوله يسوع للرسل الذين فشلوا في إخراج الشيطان من صبيٍّ أُبْتُليَ به. كان ردُّ يسوع مُرًّا ومؤلمًا:" بسبب عدم إبمانكم". كان الرسل يؤمنون بيسوع انه المسيح ولكنهم لم يكونوا يؤمنون بأنه عليهم أن يكون كل واحد منهم " يسوعًا آخر"، بنفس القناعةِ ونفس الثقة. ما كان يفعله يسوع لم يكن بقوة إنسانيته. بل بقوةِ لاهوته. والله على كل شيء قدير. فما "لا يقدر عليه الأنسان يقدر عليه الله" (لو18: 27). وكان على الرسل أن يتكلوا على قدرة الله ويطلبوا عونه، أن" يُصَّلوا ويصوموا" . ويسوع بصومه كسر قوة ابليس ، وبصلاته وآتصاله المتواصل مع الله أجرى المعجزات و الشفاءات. فالصوم والصلاة يُعتبران القناتين الأساسيتين للبقاء في علاقة متواصلة مع الله. بالصوم يتخلى المؤمن عن التعلق بالحواس والأهواء ، وبالصلاة ينقطع عن الزمن ويترفَّعُ عليه ليبقى في حضرة الله فيحيا معه حياته الألهية. ومن عاش الآن حياة الله، كالمسيح، فسيضمن مجدها وهناءَها مدى الأبد. ومن أجل هذا تجَسَّدَ الله ليعيش مع الأنسان ويُقاسمه آلامه و آماله ويخُطَّ له بذلك درب الحياة فيسير بها الأنسان ويرتفع نحو الله. هكذا يكون الأيمان الحقيقي. فالذين" آمنوا أُعطي لهم أن يكون أبناء الله (يو1: 12) ، و" ورثته وشُركاءَ المسيح في الميراث. نشاركه الآن آلامه لنشاركه أيضا في مجده" (رم8: 17). وقد حاول يسوع أن يُدخل هذه المعلومة في حياة الرسل أي أنَّ الأيمانَ قاعدةُ البذل والتضحية فالجهاد، لكنه أيضا ضمان الراحةِ والمحد الأبديين. وفي نصنا اليوم يتنبَّأ يسوع للمرة الثانية، و سيكررها مرة ثالثة، عن نهاية حياته. موته يتّم على أساس الألم والصلب ولكنه ينتهي بالقيامة والمجد. وهو قابلها بإيمان لأنها مشيئة الله ، أوحى بها للأنبياء وأودعها كتابه المقدس. وإنباؤُه عن آلامه ومجده لم يكن ليفتخر بها بل ليُثَّبتَ في أذهان رسله، عبر الأجيال، أن الأيمان والألم والمجد هو ثالوث حياةِ كلِّ إنسان خاطيءٍ مائت يصبو الى الخلود في السعادة.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com