الأحــد الثـاني لأيـليا ! <>:<>:><:<>:<> 2017.09.24

تتلى علينا اليوم القراءات : اش30: 15-26 ؛ 2تس2: 15 – 3: 18 ؛ متى13: 1-23

القـراءة : اشعيا 30 : 15 – 26

الرَّبُ يكسر والرب يجبر. الرب يتشَّكى ويُنذر و" ينتقمِ" لكرامتِه المهانة فيُذّلُ الشعبَ ويُشقيه. لكن العقاب نفسه وقتي ودواء. هكذا سيُعاقبُ بولس زاني كورنثية قائلاً: " سَلّموا الرجل الى الشيطان ( ليتعَذَّب ) حتى يهلكَ جسده ، فتخلصَ روحُه في يوم الرب" (1كور5: 5). يتمادى الشعبُ في غَّيِه وتمَرُّدِه على كلام الله. يعرضُ عليهم النبي التوبة والطاعة التي هي مسند الخلاص إذا بالشعبِ يقرر أن خلاصه بالهروب والأنهزام. يرُّدُ الرَّبُ بأنهم حتى لو هربوا على الخيل والمركبات فإنَّ عدُّوَهم أسرعُ منهم في مطاردته لهم. يعرضُ عليهم الرَّبُ الأمان والثقة فهي سلاحهم القوي والفتّاك إلا إنهم يتبَجَّحون بقوة سواعدهم وبتصميمهم على الصمود والتفَوُّق. يرَدُّ عليهم الرب:" ألفُ رجل منكم يهربون أمام عدُّوٍ واحد". لأنَّ قوَّة الرب قد إنسحبت عنهم بسبب رفضهم الإصعاءَ إليه. وإذا واجههم خمسة أعداء فلن" يبقَ منهم غير ساريةٍ على رأس جبل أو رايةٍ على الرابية "!. وسيحصلُ ذلك للشعبِ فيُسبون مهانين مذلولين وأشقياء لكنهم سيتوبون في الأخير. وليس هو وحده بل الإنسانية كلها تتألم وتشقى لأنها خاطئة. ضيقُهم وشدائدُهم تُعيدُ إليهم رُشدَهم وتُفيقُهم على غباءِ سلوكهم، فيتندمون. عندئذٍ يتحَنَّنُ الله عليهم. سيصرخون اليه تائبين على فعلتهم، و سيغفرُ لهم وسيبقى بينهم يُرشدهم و يحميهم. عندما يعترف الشعب بخطيئته ويقصدُ التراجع عنها وعدم العودة اليها عندئذٍ تحًّلُ بركات الله في بيته وماله وأملاكه. وما ذلك سوى رمزٍ إلى أنَّ الأزمنة المسيحانية قد إقتربت و أنَّ حضور المسيح بين الناس وشيكٌ ، وهو خيرٌ وبركةٌ. على يد المسيح ستحُّسُ البشرية بكل أخطائها وتعتذر عنها وترمي بعيدًا عنها أصنام كبريائها و أنانيتها. على يد المسيح سيُداوي اللهُ مرضَ الأنسانية، بعذاب إبنه الوحيد وموته، ويُضَّمِدُ بذلك جرحها ويجبرُ كسورَها وحتى رضوضها.

الرسالة : 2 تسالونيكي 2 : 15 – 3 : 18

نصائح يسديها بولس إلى أهل تسالونيكي. لقد آمنوا بالمسيح و وعدوا أن يقتدوا بسيرتِه فيعيشوا في المحَّبة والإخاء حتى مع الأعداء والتعاون والتآلُف ولاسيما التسامح. هذه الأخلاق يفترضُها الأيمان ليكون أصيلاً، وإذا صمُدَ الأيمان ولم يتشَّوه يقودُ حتمًا الى هذه الأخلاق. لذا فالنصيحة الأولى هي أنْ" أُثبُتوا وحافظوا على التعاليم ". ينصحهم ألا يدعوا الشَّكَ يتغلغلُ الى فكرهم. إنَّ المعلمين الدجَّالين كثيرون. فإِيَّاهم أنْ يخلبَهم أحدٌ" بالفلسفة، بذلك الغرورالباطل القائم على سُنَّةِ الناس وأركان العالم، لا على المسيح" (كو2: 8). وعن المسيح فبولس رسولُه. وقد حَدَّثهم عنه ، شفهيًا، بالكفاية. وها هو الآن يُذّكرُهم ويُضيفُ المعلومات، كتابةً، فلا يعوزهم شيءٌ. و إذا صمدوا في الأيمان فالرَّبُ كفيلٌ بأنْ يُثَّبتَهم في الخير والبر. ثم يُشركهم في حياته وهمومه الرسولية فيطلبُ صلاتَهم من أجل إنتشار كلام الرب ومن أجل حماية الكنيسة من الشرّ والأشرار. فمن واجبهم أن يحملوا معه هَمَّ البشارةِ وسلامةَ المؤمنين أينما كانوا. لقد أصبحوا جزءًا من المسيح يشهدون له ويرفعون معه راية الحَّق والبروالخلاص . ويُتابعون عمله. وقد تعلموا أنَّ الله محبة وأنهم أيضا محبة معه ومثله. كما تعَّلموا من يسوع أنَّ ذلك يتطلبُ الجهادَ والثبات. فعليهم أن يختبروا ذلك في تفاصيل سلوكهم اليومي. ويُشَّددُ على العمل رافضًا البطالة تحت أيَّةِ ذريعةٍ تكون. حتى إشتهرَ بقوله :" من لا يُريدُ أنْ يعمل، لا يَحُّقُ له أنْ يأكُل ". فالعملُ أمرٌ مُحترَمٌ ومُقَدَّس. ويُقَدّمُ لهم نفسَه نموذجًا. إذ لمْ يكتفِ بالتبشير بل إشتغلَ في أوقاتِ فراغِه ليُوَّفرَ قوتَه فلا يُثَّقلَ على أحد منهم. يَرفضُ بولس البطالة المقصودة. لأنَّ البطال ينشغلُ "بما لا ينفع"، وقد يَعبرْ إلى التخطيط للإساءةِ. وعندئذٍ يتحَّققُ المثلُ القائل" رأسُ البَّطال دُكّانُ الشيطان "!. ومن يُصّرُ على المخالفة ولا يعمل يعزله بولس عن الجماعة لا عقابًا بل دواءًا لعلاجه، فيقول :" لاحظوه وتجَّنبوه ليخحل. ولا تعاملوه كعدو بل إنصحوه كأخ". فالعزلة عن محبةٍ لا عن حقدٍ أو بُغضٍ وبهدف مساعدته على تغيير سيرتِه.

الأنجيل : متى 13 : 1 – 23

مثل الزرع والأنواع المختلفة من الأرض التي تستقبله وتتفاعلُ معه. وقد فسَّره يسوع لتلاميذه و سامعيه. وكان النوعُ الثالث الأرضَ المُشَّوَكة. وفسَّرَها يسوع بـ "هموم هذه الدنيا، ومحَّبةِ الغنى، ولأنها تخنُقُ ثمرَ"كلام الله". لقد أكَّد الرب يسوع أنَّه من المستحيل أن يُوَّفقَ الأنسان بين كلام الله ومحبة المال (متى6: 24). لأن حُبَّ المال، كما قال الكتاب، " أصلُ كُلِّ شر" (1طيم 6: 10). فالأنسان الذي يزرع حقل حياته ببذور" حب المال" لا يمكن أن يتركَ فراغًا لحب غيره. فحب المال يغّذي الأنانية المقيتة ويقتُلُ كلَّ إحساسٍ رحيم تجاه الآخرين. فلا تجد كلمة الله في كذا بيئة أيَّ قبولٍ أوغذاء. أما همومُ الدنيا فلا حدود لها ولا تتشَبَّع ولا تنتهي. إنها صدى لآهتمام الأنسان بنفسه : بحاجاته وصعوباته ومشاكله ومخاوفه؛ بحاضره ومستقبله وغموض مستقبله؛ بآماله وطموحاتِه وفشله؛ بالجاهِ والسلطان والأمتلاك ؛ بعلاقاته ومواقف غيرِه منه وتحَّدياتهم ومنافستهم له وحتى عِدائِهم ومحاربتهم؛ بجانب هموم القوتِ واللبس والسكن والدرس والعمل والأمن والصّحةِ؛ كلها هموم تُشغلَ بال من يتعَّلقُ بها كهَدفٍ لا كوسيلة. والرَّبُ نبَّه إلى عدم الأهتمام بها حَدَّ التعَّلق، لأنها تتبعُ الحياة. والحياة مِلكُ الله وهبَةٌ منه. ولما وهبَها الله أرفقَها بتوفير مستلزماتها (تك1: 29). و أكَّدَ المسيحُ ذلك :" هذا كله يُوَّفرلكم ويُفاض". أمرٌ واحدٌ يستحّقُ الأهتمامَ به بل يجب ألا وهو" الحَّقُ والبِرُّ"، وقد أشاراليه يسوعُ مباشرةً و كلَّفَ الأنسان بالأعتناءِ به قائلا :" أُطلبوا ملكوتَ الله وبِرَّه " (متى6: 33). ملكوت الله ليس سوى مملكةِ الله حيثُ يكون الله ملكًا يأمُرُ ويُطاع، ويسمع المواطنون البشر كلامه ويحفظونه. الله هو الحق والصلاح، ويدعو الأنسان للأصغاءِ اليه لأنه وحدَه يعرفُ منفعة الأنسان وخيرَه، ويريدُ أن يُحَّققَه له أكثر مما يتصَّور ويحلمُ به. هذا ما قاله الله لآبراهيم :" أُسلُك أمامي وكن كاملا". وبالمقابل وعده بالنسل والأرضِ والجاه وتحالفٍ أبدي. الله أبٌ مُحِّب ومُهتَمٌّ بأولاده. فعلى الأنسان أن يثق بالله ولا يستسلم لهموم الدنيا ولا يدعها تُسيطرُ عليه وتُغَّلفُ فكرَه وعقله وتخنُقُه بأشواك الأهواءِ والأحلام الخادعة. كلامُ الله هو بذرةُ الحياة الحقة. والأنسان مدعُوٌّ لأن يستقبله كنور مزيلا من أمامه كلَّ حاجزٍ أو خيمةٍ أو ضبابٍ يعود للدنيا. لقد إنخدع أبو البشرية. لكن المسيح كشفَ خِدعة عدّوه. وعَلَّمه كيف يتحَّداه بالثقة بالله والطاعة لكلامه ويُزيلُ الأشواك من حواليه ويُبيدَها بحُبِّه لله وحفظ وصاياه. إختنقَ شعبُ الله بهموم الدنيا، وآختنقَ كسلانُ تسالونيكي بأشواك البطر، وطلب الرَّبُ من أتباعِه أن يُصغوا الى كلامه ويُنّموا بذرة الأيمان بالثقة به، وأن يُحرقوا أشواك هموم الدنيا بحُبّهم لله فيغتنوا بنعمه وخيراتِه.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com