الأحــد الأول للصليب/ الرابع لأيليا ! <>::<>::><:>.*.<:><::<>::<> 2017.09.17

تتلى علينا اليوم القراءات : تث8: 11-20 ؛ في1: 27 – 2: 11 ؛ متى 4: 12 – 5: 16

الـقراءة : تثنية 8 : 11 – 20

قبل أن يُسَّلمَ موسى قيادة الشعبَ الى غيره، وبناءًا على علمِه بأنه لن يدخل معه أرضَ الميعاد، كَثَّفَ إرشاداتِه و وصاياه لهم مُعيدًا الى الذاكرة ومُثَّبتًا ما سبقَ وشَرَّعه لهم. ومن هنا أخذ السفرُ إسمَه " تثنية الأشتراع". وفي قراءَتنا اليوم يُذكرُ الشعبَ بأنَّ الأنسان من طبعِه إذا آغتنى أو سما شأنًا أو تبَحَّرَ في العلوم يُصابُ بالغرور فيعتبرُ نفسَه كلًّا في كلِ شيء. ينسى أنه هو وقواه الفكرية والجسدية من صُنع الله ونقطةٌ في محيط علم الله وعظمته وجلاله. يَحُّسُ سريعًا بآلامِه وحاجاتِه فيتذَّمرويتشكى. وإذا عصا عليه وجعٌ أو نيلُ منفعةٍ يُسرعُ الأستغاثة بالله وطلب عونه. وإذا تمتَّع بالراحةِ والهناء ينشغلُ بها ويعتبرُها مَكسَبًا وَفَّرَه بجهدِه فلا يعترفُ بفضلِ أحدٍ عليه. حتى ولا بفضل اللهِ نفسِه. فسبقَ موسى وحَذَّرَ شعبَه من الوقوع في مثل هذا الفَّخ. نَبَّهه: " لا تقُلْ في قلبك : بقدرتي وقُـوَّةِ ساعدي اكتسبتُ ما أنا عليه من سُلطانٍ"!. يُذكرهُ بعبوديته وشقائه في مصر، وبأنَّ الرَّبَ الأله هو الذي حَرَّره وأنقذه من ظلمِ إستعبادِه له، وحماه شَرَّ البيئة والبهيمة و لاسيما وَفَّرَ له الطعام وحتى الماء بمعجزاتٍ باهرة. وفي الختام يُعلنُ له بأنَّه إذا نسيَ اللهَ فلن يكون مصيرُه أفضلَ من الشعوبِ التي تكَّبرت فتجَبَرَّتْ حتى نخرتها دودةُ الشر والفساد فزالت من الوجود وبادتْ للأبد. وسيبيدُ الله فعلاً شعوبًا كثيرة حاولت أن تعترضَ وتعيقَ مسيرة الشعبِ المختار.لا يترَدَّدُ موسى في الوقوفِ بجانبِ الله، فيُنذرُ" إنْ فعلتَ ذلك ونسيتَ الله، فأنا شاهدٌ عليك اليوم بأنَّكَ لا محالة بائدٌ. تبيدُ مثل الشعوب التي يبيدها الربُ أمامك لأنك لم تسمع لصوتِ الرَّبِ إلَـهِك". وسينسى الشعبُ فعلا إلَهه ويتشكى الله عن ذلك بفم الأنبياء (هو13: 6). لذا فإنذارُ موسى يمتَّدُ عبرَ الأجيال ليُذَّكرَ الأنسان، من أيِّ عصرٍ كان أو مصر، ألا يقع في فَخِّ نسيان الله وفضله. و لكي يتجَنَّبَ ذلك سيدعوه الى التوبةِ بالأيمان بالله والتواضع والطاعةِ لشريعتِه. فالشريعةُ وكلام الأنبياء صوتُ الله الذي " يجبُ الإصغاءُ إليه " (لو16: 29).

الرسالة : فيلبي 1 : 27 – 2 : 11

ويأتي بولس حاملا رايةَ الأيمان جاريًا في ساحة السباق ومُجاهدًا في تحَّدي الآلام والشدائد من أجل المسيح رافضًا أن يسلك في الغرور، ومُثابرًا على تشجيع شعبِ الله الجديد أن يُجاهدَ في سبيل الأيمان بالبشارة بكلام المسيح. ولن يتوقفَ الجهاد فقط على إعلان حقيقة المسيح ، بل أيضًا على التقَّيد بكلام المسيح وسلوكِ طريق الحُّب والبذل والغفران. يشجّع بولس أهل فيلبي على عدم الخوف من الخصوم، وعلى تقَّبل الألم بهدوء وفرح" من أجل المسيح"ومثله. فالصبرُ على الضيق والأضطهاد، من أجل الصمود في الحق، هو من شيمةِ المسيحية وعنصُرٌ هامٌ في الحياة الجهادية. ويُقَّدم بولس حياته نموذجًا لهذا الجهاد والصمود في الألم. ولا يدّعي بولس بأنَّ هذا من فكره وآستنباطِه. بل هو فكرُ يسوع المسيح وسلوكُه. إنها إرادة المسيح أن يسلك تلاميذه أولاً طريق المحبة والوحدة، ثم أن يترَفَّعوا عن التحَّزبِ والتباهي، وأن يقتدوا بالمسيح في النظر أولا الى منفعة الآخرين والبذل من أجلهم. وهنا يختصرُ بولس بأسلوب شَفّاف حياة يسوع المسيح الذي لا يتباهى بلاهوتِه ولا يبتغي راحة نفسه بل يتنازل عن كلِّ مجده وحقوقه ليخضع للمشيئة الألهية فيتواضع ويطيع فيتألم، أقسى عذابٍ سمعَ به البشر، بسبب خطايا البشر ولأجل إنقاذِهم من هلاكٍ وشقاءٍ لا مَفَّرَ منه، ولا حول ولا قوة للنجاةِ منه. لم يغتَرّْ يسوع بمقامه وسلطانه وما له من مكسبٍ ، بل عرفَ أن يسمع المشيئة الألهية ويتقَّيدَ بها. والمؤمن بيسوع مدعُوٌّ أن يحيا في المحبة ويشهد للحَّق وألا يتنصَّلَ منها بسبب رفض أهل العالم وآضطهادهم له، بل يقبلُ الجهادَ فيتحَّملُ الألم صامتًا للبقاءِ صامدًا في الأيمان.

الأنجيل : متى 4 : 12 – 5 : 16

لقد تواضعَ يسوع فآعتمدَ معمودية التوبة عن خطيئة الأنسان، ثم إنعزلَ للصوم والصلاة و لقاءِ الله مُتسَّلِحًا بذلك بقُوَّة الروح الألهية. ثم خاضَ صِراعَه مع شهواتِ الجسد وغرورِ النفس وجاهِ العالم فصَرعَ عدُّوَه، وصار جاهزًا ليبدأَ بإتمام الرسالة التي من أجلها تجَّسد : أن يُعيدَ الأنسان الى فردوسِه المفقود، صديقًا لله ونديمًا. سبقه يوحنا المعمدان فرفعَ، لفترةٍ، راية التوبة والدعوة الى العودة الى الله. لكن يوحنا قد أُعتُقِلَ ولن يخرج منه إلا مقطوع الرأس. إلا إنه خضَّ مياهَ القادةِ والشعب وأثارَالأمل بثورةٍ روحية قادمة. ظهرعندئذٍ يسوع على الساحة، مُبَشِّرًا داعيًا الى التوبة وتغييرٍ خُلقي بتجديدٍ روحي. وآلتحقَ به الناسُ، منهم بعضُ تلاميذ يوحنا فطلب إليهم أن يتركوا كلَّ شيء ويتبعوه مرافقين له في حَّلهِ و تِرحالِه عائشين حياتَه. بدأ يجول بين المدن يُعَّلمُ في المجامع والساحات، يُبَشِّرُ الناسَ بحضورِ مملكةِ الله. لقد أثارَ كلام يوحنا حفيضة الناس وفضوليتَهم فاتحًا بابًا للرجاءِ بنهاية الوضع التعيس الذي يشقى فيه الأنسان من ظلم أخيه الأنسان. ولما تكَلَّمَ يسوع إنتعشت أرواحهم وآلتمَعَ بريق الخلاص في نفوسهم. أعجبهم نطقُه وطرحُه الجديد، ولاسيما أبهرتهم شفاءاتُه المرضى من مختلف الأشكال، وحتى سُلطانُه على طرد الشياطين. وسيستمرُّ يسوع ببناء ملكوت الله واضعًا لبنةً بعد لبنة، هادفًا تغييرَ العقول وتليينَ القلوب لسماع كلام الله. والتلاميذ الذين جمعهم حواليه سيُلقنهم الحَّقَ بنوع خاص و يُدَّربُهم بنوع مُكثف على كيفية السلوك حسب شريعة الله الأصيلة. ثم يُسَّلمهم الراية ليُمَدِّدوا رسالته فيتابعوا بناء مملكة الله في العالم كله. ولمَّا إختارَهم إشترطَ عليهم وطلب منهم أن " يتركوا كلَّ شيء"، حتى والديهم (آية 22). و حتى نساءَهم وأولادهم (متى19: 27-29). يجب أن يتكَّرسوا كليا لعمله و" يتركوا الموتى يدفنون موتاهم" (متى8: 22). هذا هو الرسول الذي يدعوه الرب. لا يكون منقسمًا بين خدمةِ الله والأهل (1كو7: 33-35). بل يدخل الى حلبة اللاهوت تاركًا لغيره الأهتمام بمستلزمات الحياة الزمنية. يتخصَّصُ الرسول بمستلزمات الحياة الروحية الألهية. يهتم الرسول بإتمام عمل الله ويهتَّم الله بالمقابل بأهل الرسول. لا يهتم المدعو بتوفير قوت الحياة وحاجاتها. هذه يهتم بها الله. بل "يطلبُ أولا ملكوت الله ومشيئته" (متى6: 33). يُمَّيزُالله تلاميذه ورسله فيكونُ لهم عنده مقامٌ خاص مقابلَ عملهم الخاص المتمَّيز. يصيرون آلهة (مز82: 4؛ يو10: 34)!، إذ يكونون مع الله واحدًا (يو17: 21). وعليهم أن يُدَّربوا، مثلَ مُعَّلمهم، معاونين يستلمون المهمة بعدهم. عملُ التوبةِ والخلاص بدأ على يد يسوع وسينهيه و لكن فقط عندما يتحَّققُ سِرُّ الفداءِ كاملا وينتهي بناءُ مملكةِ الله على الأرض. والى ذلك الحين يدعو الله فعلةً لحصادِه، وتبقى الكنيسة شاهدةً تَسقي وتُطعم عمَّال البناء.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com