عـيد الصليب ! 2017.09.14

تتلى علينا القراءات : اش52: 13—53: 12 ؛ 1كور1: 18-31 ؛ لو24: 13-53

القـراءة : اشعيا 52 : 13 – 53 : 12

عبد الرب. يبدأ النبي بوصفِ مجدِ عبدِ الرب" ينتصرُ، يتعالى، يرتفع و يتسامى"حتى " تعجبُ منه أمم كثيرة ويسُّدُ الملوكُ أفواههم في حضرتِه". لكن هذا العبد بدأ مشواره وأنهى حياته بآلام قاسية "شًوَّهت هيئته البشرية". بل آلامٍ قلَّما سجَّلَ التاريخ نظيرًا لها. وقد وصفَ النبيُّ ما عاين وقال :" مُحتقَرٌ منبوذٌ من الناس.. كنعجةٍ سيقَ الى الذبح وكخروفٍ صامتٍ أمام الذين يجُزّونه لم يفتح فاه .. بالظلمِ أُخذَ .. ضُربَ لأجل معصية شعبِه.. مع أنه لم يمارس العنفَ ولا كان في فمه غِشٌّ". نصٌّ يُدمع قلب القاريْ قبل عينيه. وقف أمامه حائرًا وزيرُ ملكة حبشة لا يُدركُ من وما هو المقصود (أع8: 31). ونحن نقرأه اليومَ في عيدٍ عظيمٍ ومحبوبٍ نفتخربه ونوقدُ عنه شعلة الأنتصارونرفعها بآعتزاز. إنه عيد " ارتفاع الصليب". والصليب هو تلك الآلة التي عليها رُفع " عبد الر ب المتألم" الذي قرأنا عنه بعضَ عباراتِ وصفِ النبي اشعيا عنه. وهل يُفتخَرُ بالألم والأهانة والظلم ويُسكت عليها؟. أما يُرَّدُ عليها الصاعَ صاعين ؟ أو أقلَّه يُطالبُ بالحقوق ورَدّ الأعتبار، لاسيما والنص يُقِّرُ بعبارةٍ صريحة أنه بريءٌ ومظلومٌ ؟. أما هكذا تسُّنُ الدساتيرُ والقوانينُ البشرية ؟. بلى. فما سببُ الأفتخار إذن؟. سبب الأفتخار أولا لأنَّ المسيح ، العبدَ المتألم، أطاع المُخطَّطَ الألهي ،" أما كان يجب على المسيح أن يُعانيَ هذه الآلام ، فيدخلَ في مجدِه" (لو24: 26؛ متى26: 54). بل سبق وأخبر عنها تلاميذه (لو18: 31-34). كان صليب الألم طريقًا الى المجد. لأنَّ الألم كان ضروريًا للتكفير عن خطيئة الأنسان. "وما من مغفرةٍ بغير إراقةِ دم "(عب9: 22). وهذا المجد الذي ناله ليس له شخصيًا وفرديًا فقط بل للبشرية جمعاء. بطاعتِه مشيئة الله وقبول آلام صلبِه كَفَّر عن تمرد الأنسان العام في آدم وعن الخطايا الشخصية لكل إنسان وأعادَ إليه كرامتَه الأولى. وهذا يُفتخرُ به. وثانيًا لأن الصليبَ علامةُ حبِ الله العظيم ورحمته الفائقة. حُبُّه العظيم للبشر لم يسمحْ له أن يُقاصصَه بل دفعه الى أن يُصلحَ أمرَه فيُطَّهِرُه. عندئذٍ إنقلبَ حُبُّه ألمًا لأنه قَرَّرَ أن يحملَ حِملَ شقاءِ البشرية كلها بدينِها ومآسيها وأوهانها. لم يتحَّمل وضعها المأساوي فحَرَّرها بأن جَرَّ إلى عاتِقِه ذلك الوزر الثقيل وأطلقَ البشرية إلى حريتها وراحتها؛ "حسبه العالم مُصابًا مضروبًا من الله ومنكوبًا". لكن الناسَ أخطأوا التخمين والتقدير. لأنَّ ضيفَ الصليب " حملَ عاهاتنا، و تحَّملَ أوجاعنا ".. وهو" مجروحٌ لأجل محو معاصينا ومسحوقٌ لغفران خطايانا. سلامًا أعَّدَه لنا، فبجراحِه شُفينا "!!. فلم تكن آلامُه عذابًا مهينًا، ولا جراحُه عدالة حمقاء. بل كانت إرادةً واعية وتصميمًا مقصودًا و ثابتًا إرضاءًا لمشيئة الله الذي" رفض ذبائح حيوانية في الجسد ، فقال المسيح هأنذا آتٍ لأطيع كلمتك وأعمل بمشيئتك" (عب10: 6-7)، وأكون الذبيحة المرضية لعدالتك. لم يكن بوسع بشرٍ أن يفعل ذلك. أما الله ففعلها !. لأنَّه قديرٌعلى كلِّ شيء، وقدرته تظهرُ في محبَّته الفائقة. فما اعتبره أهل العالم " جهالةً ومعثرة " كان قمَّة التعبير عن شِدَّةِ المحبة وغزارةِ الرحمة (1كور1 : 18). فالصليب نورُ الحكمة الحَّقة ودواءُ جرح الأنسان. العنفُ وقوَّة السلاح مهما تعالت و تكالبت لن تقضيَ على الشر. ما يقضي عليه هو" من لطمك على خَدِّكَ الأيمن حَوِّل له الآخر. ولا تقاوموا الشَّرَ بشَّر بل أُغلبوه بالخير" (متى5: 39؛ رم12: 21)؛ والخير يأتي من المحبة والأمكانية والصبر. والمحَّبةُ فعلٌ لا فقط كلام. فبقبولِ يسوع آلامَه عوَضًا عنا برهن عن أعظم فعلٍ للمحبة. تبقى آلام الجسد عابرةً ولا " تقاسُ بالمجد المزمع أن يتجَّلي فينا في الأبدية "(رم8: 18؛ 2كور 4: 17). وكان "عبد الله المتألم" أولَ المحظِيينَ بها لأنه " اطاعَ حتى الموت على الصليب ، فرفعه الله و وهبَ له الأسمَ الذي يفوقُ جميعَ الأسماء حتى تجثوَ لآسمِ يسوع كلُّ رُكبةٍ في السماءِ وفي الأرض .."(في2: 8-11). والمسيحية تعرفُ ذلك وتشهد عليه، " فالذي صلبتموه وقتلتموه قد أقامه الله .. فجعل يسوع الذي صلبتموه رَبًّا ومسيحًا "(أع2: 23-24، 33-36). لقد " رُفعَ الى السماء وجلس عن يمين الله "(مر16: 19). والمجد الذي جوزيَ به يفوقُ جِدًّا على الآلام التي عاناها وآنتهت. أما مجده فسيدوم للأبد لتُعاينَه جميع الشعوبِ والأمم (يو17: 24). ولكي يشترك فيه الذين " نكروا ذواتهم وحملوا صلبانهم تابعين خطوات يسوع"، الذين عاشوا حياةَ الروح قاتلين شهوات أجسادِهم وأعمالها (رم8: 13)، وقابلين مثل يسوع العارَ والظلم والألم و رافضين أن يُسيئوا الى غيرهم. أصبح المسيح ُقدوةَ تلاميذه "ليسيروا على خطاهُ. لم يرتكب خطيئةً ولا عرفَ فمه المكرَ. ما رَدَّ على الشتيمةِ بمثلها، تأَلَّم وما هَدَّدَ أحدًا ، بل أسلمَ أمرَه للدَيَّان العادل" (1بط2: 21-23). و أصبح الصليب رمزًا وطريقًا الى المجد يفتخرُ به كل المنتظرين ظهوره ، ويبدأون يتذوقون طعمه من الآن ، لأنهم " يعكسون صورة مجد الرب .. وسيتحَوَّلون الى تلك الصورة ذاتِها ، وهي تزدادُ مجدًا على مجدٍ بفضل الرب .." (2كور3: 18). وما الأحتفالُ بعيد الصليب سوى إنعاش الرجاء بهذا المجد، وتقوية إيمان من يتألمون بسبب إيمانهم وشهادتهم ليسوع.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com