الأحــد الأول لأيلـيا ! 2017.09.10

تُتلى علينا اليوم القراءات : اش31: 1-9 ؛ 2تس1/ 1-12 ؛ لو18: 35 – 19: 10

الـقراءة : اشعيا 31 : 1 – 9

نحن في نهاية القرن الثامن قبل الميلاد. دولة آشور قد غزت مملكة أسرائيل وآحتلتها. صارت تُهَّددُ أمن مملكة يهوذا وآستقلالها. ودرءًا لخطرها يشيرُ كبار القوم على الملك أن يتحالفَ مع مصر ويتكل على إغاثتها عند الحاجة. فيتشكى الله بمرارة من شعبه الغير المؤمن والناكر للجميل والفاقد الرشد. عوضًا عن أن يتذكروا إستعباد المصريين لهم وكيف حماهم الله منهم و أبادَ قُوَّتهم فيعودوا الى الأيمان بالله ويتكلوا على جبروته القديرة، لقد إتكلوا على الأنسان وعلى من؟ على القصبة المرضوضة!. يقول الرب :" ليس المصريون سوى بشرٍ لا آلهة، وما خيلُهم إلا جسدٌ لا روح ". يتأسف الله على تمرُّد الشعبِ عليه ورفضِه أن يفهمَ سياسته وأسلوبَه. لا ينوي الله التنازل عن شعبِه ومدينتِه. بل إنه مُصِّرٌ على أن يحميَها ويدرأَ عنها شرَّ الأعداء. و لكن على الشعبِ أن يتوبَ الى الله ، فيتركَ عبادةَ "الفضَّةِ والذهب" ، ويسلك دريق المحبةِ و الرحمة حافظا وصايا الله و موفيًا وعودَه. ينتظرُ الرَّبُ فقط عودة القادة الى اللجوءِ والأصغاءِ اليه. وسيُعاينون قدرة الله و وفاءَه لوعودِه ، مع هزيمةَ العدو ساحبًا وراءَه أذيالَ الخيبة.

الرسالة : 2تسالونيكي 1 : 1 – 12

مديحٌ جديدٌ يكيله بولس لمؤمني تسالونيكي على إيمانهم الراسخ، ولاسيما على صبرهم" في كلِّ ما تحتملونه من الأضطهاد والشدائد". وصمودهم" دليلٌ على حكم الله العادل". وهذا الحكم هو أنه يُجازي بالراحةِ والهناء من يتألمون في سبيلِه. ويدعو لهم أن يُلَّبيَ اللهُ ويُكَّملَ كلَّ مطاليبِهم ويوَّفقَ جميعَ نشاطاتِهم. ولا يترَّدد بولسُ في أن يُؤَّكدَ بأنَّ مُكافأتهم بالراحةِ عدلٌ وحَّق. كما هو أيضًا عدلٌ وحَّق بأن" يجازيَ الرَّبُ بالضيقِ الذين يُضايقونكم". فالذين لا يعرفون الله ، والذين يرفضون بشارةَ المسيح ، والذين يضطهدون المؤمنين بيسوع المسيح، كل هؤلاء" سيكون عقابُهم الهلاكَ الأبدي ، بعيدًا عن وجه الرب وقدرتِه المجيدة ". لا يستحي بولس بإعلان ما تعلَّمه من الرب يسوع. ولا يُهَدِّدُ أحدًا ولا يُرهبُ غيرَه. إنه يُلَّبي فقط رسالته ويُؤَّدي شهادته بأمانةٍ وقوَّة، مُقتديًا بمُعَّلمِه وربِّه الذي لم يستحِ بغسل أرجل تلاميذه ولا هابَ أعداءَه عندما شهدَ للحقيقة. يوصي بولس المؤمنين بأن يُؤدُّوا واجبَهم بأمانةٍ وصدقٍ مقتدين بسيرته كما يقتدي هو بالمسيح (1كور11: 1). هو صَدَّقَ المسيح وحفظ كلامه. وهذا يُؤَّهلُه أنْ ينتظرَمن الرب، بدّالةٍ بنوية وثقةٍ لا يشوبُها ريبٌ، إكليلَ البر..لأنه يقول : " جاهدتُ الجهادَ الحسن وأتممتُ شوطي وحافظتُ على الأيمان ، والآن ينتظرني.." (2طيم 4: 7-8). هذا هو الإيمان وهذا الرجاءُ الذي لا يني يزرعهما في أذهان المؤمنين وقلوبِهم ويمدحهم لأنهم قبلوه ويحيونه.

الأنجيل : لوقا 18 : 35 – 19 : 10

يَروي لوقا خبر مُعجزتين أجراهما يسوع في اريحا، إحداهما في الجسد وأُخرى في الروح. يسوع هو طبيبُ الأنسان كله. ولوقا طبيبٌ يُحِسُّ بأحاسيس يسوع الرأفوية التي أبداها تجاه الناس ولا يزال يُبديها للأبد من خلال كنيسته. أولى المعجزتين بالجسد كانت نصيبَ أعمىً مغلوبٍ على أمره يتسَّكعُ في تقاطع الطرق يستعطي ليضمن حياته الكئيبة التعيسة، وكم تمنى أن يكون مثل كل الناس. والثانية شفاءٌ روحي تمَتَّع بثمارِه خاطِيءٌ أثرى بسرقة أموال الناس بحيلٍ قانونية، لكنه لم يفقدْ الحنين الى الطيبةِ والعدل والكرامةِ وكم تمنى أن يلتقيَ بطبيب روحي يُعالجُه لكنه لم يلقَ واحدًا يُغيثه. كلاهما منبوذان من عامةِ الشعب لأنهما معتبران خاطئين. وكلاهما حاولا الأقترابَ من يسوع لكنَّ جمعَ المتطفلين الفضوليين المندَّسين الى موكب التلاميذ وقف حاجزًا يمنعهما من الوصول اليه. لقد إنطفأت الرحمة في قلوبهم. وكلاهما قد سمعا بأخبار يسوع السّارة عن أحاديثه الشِّيقة وكلامه الموزون اللطيف ولاسيما عن آياتِه و معجزاتِه وأشفيته التي تحَّدت أخبارُها حدود المدن والولايات. ولما عرف الأعمى أن يسوع يعبُرُ من هناك إلتمع الرجاءُ في روحِه فصاح طالبًا رحمته. إنتهره الجمعُ وحاول منعه من نيل مأربِه. لكنه لم يُصغِ الى تهديداتهم ولم يكن مُستَعِّدًا ليخسرَفرصَته، وقد تكون الوحيدة والأخيرة في حياتِه. فعَّلى صوته ليسمعه يسوع. فسمع وآستحباب لأيمانِه فشفاهُ. وكذلك زكَّا العشار لم يسمح له إلتفافُ الجموع حول يسوع لا ليلتقيَ به ولا حتى ليراه ويشبع من رؤيتِه إن لم يقدر أن يشفيَ غليله بعرضِ مرضه عليه وطلب العلاج. ولكنه أبى كالأعمى أن تفوتَ فرصتُه الفريدة والتي لن تتكرر لأنه لا أمل لأن يزور يسوع مرةً ثانية مدينته النائية. والحاجةُ أمُّ الأختراع، يقول المثل. فآخترع ذهنه طريقةً يُمَتَّع أقله نظره بيسوع، ومن يدري لربما إلتقت بعينيه عينا يسوع أيضا فآخترقت وَجَعَه وذَوَّبت عقدتَه. فألهمه الروح أن يتسَّلقَ جُمَّيزةً، ما زالت فروعها خضراءَ حتى اليوم يُشاهدُها السُّواح ويتبَرَّكون من أوراقِ أغصانِها، ليُعاين وجهَ يسوع، وليُنعِتْهُ الناس بالجنون ما شاؤوا. تسَّلقها وآلتقتْ بعينيه عينا يسوع وقبل أن يتنفَسَّ الصُعداءَ سمعَ صوت يسوع يقول له برّقة و حنان" إِنزِلْ زكَّا، اليوم أقيمُ في بيتكَ". طار زكا فرحًا وأسرع ليستقبل يسوع في بيتِه. تذَّمر جمعُ المرافقين كيفَ يدخلُ نبِيٌّ بيتَ خاطِيءٍ. لكن يسوع لم يُبالِ بآنتقادِهم. الله أبُ الكل ويريدُ خلاص الخطأَة لا هلاكهم. قرأ يسوع في عيني زكا شوقه الحارولهفته الشديدة للتوبة على يده. شَخَّصَ وجَعَه فوصفَ له الدواء. الله موجودٌ في فكره وقلبه رغم طمعه وآهتمامه بحاجات الحياة الدنيوية. يحتاج إلى تنظيم داخله. فدخل بيته وطمأنه بأنَّ الله أبٌ لا يُهملُ أولاده مهما آبتعد عنه الأبناء، وأنه فاتحٌ ذراعيه وقلبَه لكل من يعودُ ويلوذ به. أحَّسَ زكا بحب الله و حنانه العظيمين. أحَسَّ أنَّ هذا الحب أرفع وأسمى من المال والجاه. شعرَ أنَّ هذا الحُّبَ يغسله ليُطَّهرَه فآستسلمَ له. حَرَّر إيمانه المدفون تحت أنقاضِ التعَّلقِ بالمال. وفَعَّله بالحب لله ولمن كان قد ظلمهم وغبنهم فأساءَ إليهم. وقَرَّرَ أن يُغَّير سلوكه. وكما مجَّدَ الأعمى اللهَ وتبعَ يسوع هكذا فَعَّلَ زكا المحبة لله والرحمة تجاه أبناءِ الله فعَّوَضَ عن ظلمه لهم ومحا من قلبه محبةَ المال. جمعت بين الأعمى وزكا أمورٌ كثيرة أهمها : إيمانهم بالله { إيمانك خلَّصَك. و هذا أيضا ابن إبراهيم المؤمن } ونبذ أهل العالم لهما ومحاولة الفصل بينهما وبين الله، و آستغلالهما الفرصة الممنوحة لهما من الله ليُصلحا وضعهما الشاذ، وعدم الخضوع لآنتقاد الناس والسماح لهم أن يقفوا حجر عثرةٍ يُبعدهما عن الله. تفاعلوا سريعًا مع إلهام الروح القدس ونالوا ما شاؤوا. إنَّ الشعبَ المختار لم يثق بالله، ولم يتراجع عن عبادة الفضة والذهب، ولم يتبْ عن خطاياه ولا عدَّلَ طرقه المُعوَّجة فخسرعون الله وآبتُليَ بخسارة دولته والنفي من بلده. أما أهل تسالونيكي فلم ينصاعوا لأعداءِ الله وتحملوا الأضطهاد صامدين في إيمانهم فنالوا المجد الموعودين به. و زكا والأعمى لم يُنصتوا إلى عملاءِ العالم بل فَعَّـلوا إيمانهم وآنتصروا في مطلبهم. فالأيمان يقود الى التوبة. والأيمان مع التوبة يقودان الى الصمود في الرجاءِ في مجد الحياةِ الأبدية.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com