الأحـد السابع للصيف ! 2017.09.03

تتلى علينا اليوم القراءات : اش30: 1-15 ؛ 1تس2: 14 – 3: 13 ؛ لو18: 1-14

القـراءة : اشعيا 30 : 1 – 15

ينقلُ النبي إيحاءَ الله ونظرته الى الشعوب ، ومنهم شعبه إسرائيل. لقد إِختار اللهُ شعبه ليَصقلَه وُيُعيدَهُ الى صداقته وقُرباه السعيد ويَجعَله بذلك " نورا لهداية الأمم وخلاصًا للشعوب " ، فيتعَّلمونَ منه العودةَ الى نعيم فردوس الله الذي شاركوه فيه قبل أن يتمَّردوا عليه ويخسروا راحته وهناءَه. لكن أسرائيل لم يلتزمْ بالعهد الذي برمه مع الله ولم يُنَّفذ وعودَه بحفظ وصايا الله ، فلم يسلك دربَ القداسة بل مالَ الى الأقتداءِ بضلال الوثنيين وفسادِهم. عادَ الى التمَّرد على الله. تناسوا المعجزات التي أجراه لهم لآنقاذهم من عبودية المصريين، وحمايتهم من شَّـرالأمم التي عادَتهم وحاربتهم، وتوفير القوت والماء وكلَّ مستلزمات الحياة، وجعلهم أمَّةً تتغَّلبُ على من سبقوهم وآشتهروا بالرقّي والجاه والقوة. يعتبرون أنفسهم بالغين حكماءَ أغنياءَ وأشّداءَ لا حاجة لهم بعد الى الله. فقال الله عنهم أنهم " شعبٌ متمَّردٌ وبنون عاقون ". أقاموا لأنفسهم أنبياء ينافقون ولا يسلكون في الحق. يرفضون شريعة الله، وبات قادتهم وأثرياءُهم يرفضون حتى الله نفسَه وتبَّنوا سلوك درب الكذب والظلم والألتواء، معتمدين عليها لا على كلام الله كقياس للأدارة والتسييس. و عوضًا عن الأصغاء الى كلام الله وتوجيهاته طلبوا مشورة قادة مصر وآلتجأوا الى حكمتهم. يرفضون الطاعة لله والتوبة عن أخطائهم. يعتمدون على أنفسهم فيتخَّبطون في أحكامهم. نسوا أنَّ قُوَّتهم في الأمانة لله والثقة به والأنقيادِ له. لذلك ستحُّلُ عليهم المصائب ومنها السبي و سيدفعون ثمنًا باهظًا عن جهلهم وعنادهم وشرورهم. لكن الله لن يسمح بإبادتهم كما بادت أُممٌ كثيرة من قبلهم. ليس الله نِدًّا للأنسان ليعاملهم كما يستحقون. بل سيرحمهم فيصبرُعلى غبائهم وضلالهم. سيتحَّننُ عليهم من أجل كرامةِ نفسه وقداستها. سيتمَّسك هو بعهده لأنه أمين ٌو وفّيٌ لوعودِه.

الرسالة : 1 تسالونيكي 2: 14 – 3: 13

سبق وأن عرفنا من الأحد الماضي كيف وصل بولس الى تسالونيكي هاربًا من فيلبي حيث لقي حسَدًا ومنافسة فمناوءَة من أبناءِ أُمَّته. كما أُضطرالى الهربَ حتى من هنا بسبب مقاومة اليهود العنيفة له ولمن آمنوا على يده أيضا. إستقَرَّ في كورنثية وظلَّ باله عند الذين آمنوا بالمسيح لأنَّ وضعهم كان مُقلِقًا. لم يتحمَّل غيابهم وتاقَ الى أخبارهم. فأرسلَ مرافقه طيمثاوس لتفقَّدِ حالِهم و أحوالِهم . ولما عاد اليه بأخبارهم المطمئنة والمفرحة إرتاح بولس وشكر الله وكتب اليهم أولى رسائله، وهي أولى أسفارالعهد الجديد، يُهَّنئُهم فيها على صمودهم وثباتهم في الأيمان ويُمدحهم على أنهم ينافسون كنائس اليهودية في الكرامةِ والجهاد. يزيلُ همَّهم بأنَّ إضطهادهم من أترابهم لم يكن بسبب سوءٍ فيهم بل في أعدائهم الذين " قتلوا الرب يسوع ، وآضطهدوا الرسل ، ولا يُرضون الله، ويُعادون جميعَ الناس " (آية15). أما هم فيفرح ويفتخر بهم قائلا :" أنتم مجدنا و فرحنا ". ومن جهته يعترفُ بولس ويعلنُ أن الشِدَّة والضيق ليسا غريبين عن الحياة المسيحية. بل يقول: " هذا نصيبُنا ". ذلك لأنَّ المسيحية هي الحق ، والحقُ مرفوضٌ ومُحارَبٌ من قبل أهل العالم. وهذه القناعة لا يني بولس عن التأكيد عليها في بقية رسائله :" كلُّ من أرادَ أن يحيا في المسيح يسوع حياة التقوى أصابَه الأضطهاد" (2طيم3: 13). فآهتم بولس، ومثله تفعل الكنيسة، بتقوية إيمان المسيحيين، لئلا تزعزعهم الشدائد أو يُغربلهم الشيطان (لو22: 31)، بل يصبروا على المحنة، ومن صبر ظفر(متى24: 13؛ 1بط2: 2). ومثلما يُشَّددُ صبرُ الرسول وآلامُه ايمانَ الآخرين، بالمقابل يَتعَّزى الرسول ويتقوَّى بثباتِ المؤمنين في الحق وصمودِهم في آضطهادِ أهل العالم لهم. الضيق والألم، حتى من أجل الحق، يستحي به أهل العالم ويرفضونه ويقاومونه بعنف (1كور1: 18). أما المسيحي فيفتحرُ بالصليب (غل6: 14) لأنه رغم ما يسببه من الم وضيق إلا إِنه يشهدُ على عظمة الحب والقدرة على التعالي على الشر والظلم والألم لأنه قُوَّةُ موتِ المسيح على الصليب (1كور1: 17).

الأنجيل1 : لوقا 18 : 1 – 14

مثلان يقدمهما يسوع للجموع ، يُشَّددُ في الأول على" وجوب المداومة على الصلاة " وعدم الضجر أو اليأس إذا تأخر جواب الله، بل الثقة به أنه لا يُخَّيبُ أمل سائليه وإيمانهم، وقبل اليأس ليفحص السائل ضميره : هل هو يؤمن ويثق بالله فعلاً ؟. وفي الثاني يُوجِّه اللوم للذين "يثقون بأنهم صالحون ويحتقرون الآخرين "، داعيا بالمقابل الى إحترام الآخرين وعدم دينونتهم ، والى التواضع بالأعترافِ بضعفِ الذات والأعتذار عن الأخطاء الشخصية. يسوعُ نفسه وهو الله تواضع (في2: 6-8)، وتاب على يد يوحنا المعمدان بآسم إخوته الخاطئين (لو3 : 3؛ متى3 12-15). قد يعتقد كثيرون ويتظاهرون بأنهم مؤمنون ولكن لا يثبتُ الحَّق بآدّعائه بل بإِحيائه. والأيمان يثبتُ بعيشِه لا بالقول به. فالأيمان يخُّصُ باطنَ الأنسان ، الفكرَ والقلب، لا ظاهرَهُ والتشَّدق به. إنه يتطلبُ الثقة بالله والتمسك برجاء وعوده. فهل يصبرُ المؤمن على المحنةِ ويحملُ صليبَ الألم والضيق و الإِهانة ، ناكرًا ذاته أي دون تذَّمرٍ أو تشَّكٍ؟. هل يضع المؤمن نفسه أمام الله مثل طفلٍ إبنٍ ويُعَّبرُ له أولأً عن حُبِّهِ والأفتخار به أم يقف إزاءَه كمنافس يُحاسبُه مُطالبًا بحقوقٍ غيرَ مُقِرٍّ بأيِّ واجبٍ تجاهه؟. هل يستعرضُ المُصَّلي أولًا وضعَه الخاص ويستحضرُ سوءَه و مخالفاتِه ؟. هل يعترفُ بتقصيره في واجباتِه وعهودِه لله؟. هل يتواضع ويُقِّرُ بأخطائه ويحاولُ الرجوع عنها وتغيير سلوكه ؟. الفريسي لم يرَ غير ظاهره ورفض الدخول الى هاويةِ سلوكه النفاقي وإيمانه الحرفي السطحي،رذله الرب. أما العَّشارالذي دانه الفريسي بأنه خاطيْ إعترفَ بخطأِهِ وآعتذر عنها مُتَّكِلا على رحمة الله لا عدالته. ليست الحكمة في أن يُقَّيمَ المرءُ ذاته، بل أن يُقَّيمَه الله. هكذا فعلت الأرملة والعشار فمدحهما الرب. لم يُعطِنا الرب الحياة لندين الآخرين أو نُحاسبَهم أونطالبَهم أن يكونوا قديسين. بل أعطانا الحياة لنفتخرَ بعظمته هو وسيادته ونحبه وننعم معه في نورالحق ونبع الحب ونتمتع بالسعادةِ والهناء. لمْ يُقِمْنا اللهُ حُكّاما على غيرنا بل تلاميذّ له نشهد للحق وخُدّامًا نساعد مثله الآخرين على السير على درب الحياة الأبدية. فنسأل الله أن يساعدنا للبقاءِ أمناءَ لأداء هذا الواجب البنوي والأخوي.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com