الأحـد السادس للصيف ! 2017.08.27

تتلى علينا اليوم القراءات : أح19: 1-14 ؛ 1تس2: 1-12 ؛ لو17: 5-19

القـراءة : أحبار 19 : 1 – 14

لما كَوَّنَ الله شعبَه وسَيَّجه بالشريعة، ليحميَه من عدوى ضلال الوثنيين، دعاه الى أن يترَّفعَ عن العالم وأهله ويسموَ الى مقامه في الأخلاق والسيرة. دعاه الى"القداسة". والمُبَّررُ أنَّ اللهَ الأصلَ قدوسٌ، والأنسانَ الغصنَ صورتُه. والغصنُ يثبتُ في الأصل ويتغَّذى منه ويُخرجُ ثمارَه. فالله القدوس يُظهرُ قداستَه ويُثمرُها في أغصانِه. وعلى الأغصان أن يُبرزوها لا أن يُغَّطوا عليها و يُخفوها؛ " كونوا قدّيسين ، لأني أنا الرَّبُ إلهُكم قدوس"، " ولا تُدَّنسوا إسمي". فـ" لا تُدَّنسوا .. ولا تُنَّجسوا أنفسكم" (أح11: 43-44). قداسةُ الأنسان ثمرُ قداسةِ الله ومِرآتُها، وقداسة الله نبعُ قداسة الأنسان ومصدرُها وقُوَّتها. فلا يحُّقُ للأنسان ولا يليقُ بكرامة قداستِه أن يتدَّنى ويتدَّنسَ بفساد العالم. وإن كان الأنسان ينتمي بجسدهِ الزائل الى العالم إلا إنه، بروحه وجوهره الخالد ، لا ينتمي الى العالم (يو17: 16) بل الى الله حصرًا. فقد إشترى الله الأنسان بدمه الثمين (1كور 6: 19-20). والقداسةُ هي العيش في الحَّق والتصَّرفُ بموجبه. والله هو وحده الحَّق (يو17: 17). والمسيحُ هو صورة الله وجوهرُه (عب1: 3). ومن " رأى المسيح رأى الآب" (يو14: 9). وهو قدوسُ الله (لو4: 34؛ يو6: 69). فمن أرادَ أن يعرفَ كيف يسلكُ الله في القداسة عليه أن ينظر الى المسيح ويقتديَ به و" يتخَّلقَ بأخلاق المسيح " (في2: 5). والمسيح قدَّسَ ذاته، سالكًا في الحق ، من أجلِ المؤمنين به " حتى يتقَّدسوا في الحق". هكذا طلب الله منذ تكوين شعبِه أن يكون قديسًا فيحيا في الحَّق والبر، حتى يُصبح للعالم وللشعوب الوثنية : " نورًا للهدايةِ به وخلاصًا الى أقاصي الأرض" (اش49: 6). والحق والبر نورٌ ينجلي في تصَّرفات الأنسان. يُختصَرُ في محَّبة الله والقريب. محبة الله لأنه النبع، ومحبة القريب لأنَّ الحق ماءٌ يروي حقله. في المحبة كل آحترام وعون وعطاء ورحمة، وفيها الأمتناع عن كل إساءةٍ وظلمٍ وتمييز وإهمال. ولازال شعبُ الله يتمَيَّز عن غيره بأنه يتحَّلى بهذه الصفات وهي من"أخلاق الله". إنها قداستُه. وقد جدَّد يسوع الدعوة الى تلك القداسة فالكمال إقتداءًا به (متى5: 48)، ورفعها الرسول شعارًا للكنيسة " وهل مشيئة الله إلا أن تكونوا قديسين" ؟ (1تس4: 3؛ 1بط1: 15).

الرسالة : 1تسالونيكي 2 : 1 – 12

لقي بولس في فيلبي حسَدًا ومنافسة وآضطر الى مغادرتها (في1: 15؛ أع16: 39) فجاء الى تسالونيكي. وهنا أيضًا لقي مقاومة شديدة من مجمع اليهود وأثاروا الفتنة ضدَّه حتى آضطُّرَ أن يُغادرها متخفيًا بظلمةِ الليل قاصِدًا بيرية. وطاردوه حتى هناك فآتجَّهَ جنوبًا نحو أثينا. ولكن رغم ذلك تكَوَّنت في كل واحدة من تلك المدن نواة كنيسة مؤمنة ونشطة. يُذكرهم بولس بذلك. ربما حدث ذلك بمشيئةٍ الهية ليبَّشر بولس أيضا في أثينا وينتقل منها الى كورنثية ، المدينة المهمة، حيث يبدأ التبشير. ويتراءى له الرب ويشجعه على البقاء فيها فيستقّرُ فترة طويلة (أع 18: 9-11). يبدو أن بذرة الأيمان في تلك المدن، لاسيما في تسالونيكي، أتت بثمارها. وقد عظم بولس في مدحه إيمانَ أهل تسالونيكي قائلا :" نذكر أمام الله.. ما أنتم عليه.. من نشاطٍ في الأيمان وجهادٍ في المحَّبة وثباتٍ في الرجاء" (1: 3، 6- 8). يذكرهم أيضا بمباديء التبشير التي تبعها بولس وهي إعلان الحَّق وعدم خداع الناس، ألأجتهاد في إرضاء الله لا الناس لأنَّ المُبَّشر مُؤتمَن على رسالة يجب أن يُبَّلغَها، العمل على بناء النفوس وإنقاذها من الضلال وليس الطمع بمنفعةٍ مادية، وعدم التثقيل على كاهل أحد ولا إنتظار المديح أو الشكر من أحد. البشارة تبني علاقة خاصّة بين المُبَّشِر والمُهتدين هي المحبة والأُبُّوة تقابلها البُنُّوة. الرسول يؤَّدي دور الله الذي لا يأخذ بل يُعطي، ولا يطلب المجدَ والراحة لنفسِه بل للآخرين الذين يجهلهم وقد لا يتفقُ حتى مع تطلعاتهم، إنما هو مُرسَلٌ يتعبُ ويجاهدُ من أجل خيرِهم. لا يريدُ ممن يُبَّشرُهم غيرَ أن" يعيشوا عيشةً تحُّقُ لله الذي يدعوهم الى ملكوته ومجدِه" )آية 12).

الأنجيل : لوقا 17 : 5 – 19

بعد ما شَدَّد يسوع على أصالة الأيمان وقوته وعلى التواضع في الخدمة وعدم المطالبة بأجرٍ أو موقفٍ خارجًا عن إطار العدالةِ والحق يحدث أن يلتقي ببُرصٍ معزولين أخذوا يسترحمونه، من بعيد، ليشفيَهم. كانوا عشرة: تسعةُ يهودٍ والعاشرُ سامري. لا يجتمع اليهود مع السامريين في الظروف الطبيعية. أما في المرض فقد تساووا وتجمَّعوا : كلهم لفظهم المجتمع فعزلهم ، و كلهم لا علاج لهم غير الله. كانوا عشرتهم في الهوى سواء. نفَّذوا أمر يسوع بالذهاب الى الكهنة لتثبيت حالتهم. شفوا أثناء الطريق. رجع اليهودُ، وهم مؤمنون، الى بيوتهم. أما السامريُّ غير المؤمن فرأى أنَّ من العدالةِ أن يرجع الى يسوع ويشكرَه على فضله. لام يسوع الناكري الجميل ومدح إيمان السامري وأخلاقه. بهذا وضع يسوع الأيمان على المحَّك. ماذا يعني " أن نؤمن" ؟. هل الأيمانُ شعارٌ نرفعه لتفخيم سُمعتنا؟. هل هو آياتٌ نُرَّددُها للمراءاة والنفاق؟. أم هو معلوماتٌ نفتخر بها لكنها ليست للتنفيذ؟. أم هو عقائدُ نُعلنها شفهيًا، نُصَّدقُها فقط لتُمَّيزَنا عن غيرِنا ؟. هذه كلها ليست سوى مظاهر وقد تكون فارغة من جوهر. أما جوهرالأيمان فهو قناعةٌ نعيشُ على ضوئها ونتحَّملُ الجهادَ لأجل حفظها ولا نترَّددُ حتى أمام الموت من أجل تحقيقها والتمسَّك بها. هذه القناعة لا تقوم على أمور حسَّية يمكن إثباتها علميًا ومنطقيًا. بل تخُّصُ عالمَ الروح والفكر. فالأيمان حياةٌ حَّية. هو الثقة بما لا يخضعُ لنظام حكمتنا البشرية. فقال عنه الكتاب :" الأيمان هو الوثوقُ بما نرجوه وتصديقُ ما لا نراه، وبه شهد الله للقدماء"(عب11: 1). فهو إذن حياةٌ مبنية على أسسٍ روحية تستند الى وحي الله للبشر خلال تأريخ الخلاص. فالسامريُ الأبرص إنطلق من رجائه وأمنيته بالشفاء. و وثقَ بأنَّ يسوع وحده قادرٌ على تحقيق أمنيته لسببين : لأنه الله القادر على كل شيء ، ولأنه أبٌ محّبٌ للأنسان ورحومٌ يشعر بآلام الناس ويريدُ لهم الراحة. لأنه خلقهم أصلاً للسعادة لا للتعاسة والشقاء. بقيَ أن يُحَّققَ رجاءَه و يعرضَ أمنيته ويُظهرَ ثقته فيطلبَ من يسوع حاجتَه. ولم يترَّددْ بل عاش إيمانه وفَعَّله. ولما شُفيَ إعترفَ بفضل الله ومحَّبتهِ وعنايتِه. وعرفَ أن يُكَّمل إيمانه برفع الشكر والتمجيد لله. هذا كان إيمانًا أصيلاً ثبَّته يسوع نموذجًا يُقتدَى به. والقداسة والبشارة عناصر أساسية للأيمان. وكلها معًا هي قِوام الحياة. لأنَّها تتعَّلقُ بحياة الله و بمشيئتِه وبحياةِ الأنسان صورةِ الله وبسلوكه، وبالتالي بمصيره الأبدي. فمن دون الأيمان بالله ومن دون إرضاءِ مشيئته لا يمكن للأنسان أن يقضيَ أبديتَه معه في المجد والسعادة.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com