الأحـد الخامس للصيف ! 2017.08.20

تتلى علينا اليوم القراءات : أح23: 33-43 ؛ 2كور12: 14-21 ؛ لو16: 19- 17: 10

القـراءة : أحبار 23 : 33 – 43

يدخل الخبر ضمن " أعياد الرب ". فبالأضافة الى الراحة الأسبوعية وتكريس السبت للأهتمام بالتواصل بالحفاظ على العلاقة الروحية مع الخالق يطلب الله من شعبه أن يسايرَ الطبيعة فيستغّلَ مواسِمَها المهمة ليُنعشَ حياتَه الروحية رغم همومه الكثيرة وآنشغالاته المُكَثَّفة بحاجات الحياة الدنيوية المادية. ففي الربيع عندما تتجَدَّدُ الطبيعة وتبدأ دورة جديدة للحياة دعا الله شعبَه أن يُجَدِّدَ خِلقتَه فينتبِهَ بنوع خاص الى أنَّ الله يبقى هو مصدر حياته وأنه قريبٌ منه، بل حاضرٌ معه يشاركه مسيرة الحياة، وأنَّ حضوره ليساعده موَّفرًا حاجاته، ويحميه من غدر الناس و ظلمهم وعِدائِهم. إنه عيد الفصح، عيد عبورالله وآستقراره بين البشر. أما في الصيف، زمن حصاد الحبوب وهي أول ثمار الأرض بعد تجدد الحياة، فطلب الله من شعبه ألا ينسى أنَّ الله خالقَه هو نفسُه يوّفر له طعامه فلا يتوَّهم ولا ينسى فضله عليهم. بل إعترافًا منه بعناية الله يُقَّدم له " حزمةً من باكورة الحصاد" ثم "حُبزًا مصنوعًا من القمح" (أح23: 10-20) ويحتفلُ ويُعَّيدُ عيد الحصاد. أما في الخريف، وعندما تكون الأرض قد أعطت كل خيراتِها من ثمار وخضار، فطلب الله من شعبِه أن يحتفلَ أيضا ويفرح ويُعَّيد فيحمد الله على كل عنايتِه ومحبته وفضله محاولا أن يتفاعلَ مع أنعام الله و يتماشى مع الطبيعة ويستثمرَ حضورَ الله معه. هذا الاحتفالُ دُعي بـ"عيد المظّال". كان الشعبُ يصنعون مظالاً من أغصان الشجر ويُعَّلقون بسقفها الثمار المختلفة التي أنعم عليهم الله والتي تقيتُ حياتهم مع مخزون حصاد الصيف فيضمنون مؤونة الشتاء المميت القادم. وفي الشتاء، حيث الطبيعة في سباتِ راحة تامة، لا عمل ولا ثمر، فلا عيدٌ ولا إحتفال، بل أيام بطالة قاتلة يتحدونها بما خزنوه من خيراتٍ أثناءَ الصيفِ والخريف، مع الأحتفاظ بالسبت، راحةِ الأسبوع، ليرتاحوا كاملا من أتعاب الصيف ومشَّقاتِ الخريف، مستمتعين بثمار خيراتها. فعيد المظال، حيث يعيش الشعبُ أسبوعًا تحت " مظلات "، مآوي مصنوعة بأغصان الشجر{ تأويهم وتستظلهم }، كان يُذكرهم بعيد الفصح ويقابلُ " الخِيم "، مساكن مصنوعة من خيوط شعر الحيوانات { تاويهم وتستظلهم واقية إيّاهم من الحر والبرد}، إستعملها شعب الله في البرية بعد تحَّرره من عبودية المصريين وقبل أن يستوطن فلسطين ويسكن البيوت. الأنسان المؤمن يعرف أن لا مسكن له ثابت على الأرض. لأنَّ سُكناه الحقيقي هو وجوده مع الله. كل المساكن البشرية وقتية وعابرة. المسكن الثابت الوحيد هو " منزلُ الآب السماوي" (يو14: 1-3). و العيد الأصلي والفرح الثابت والراحةُ الكاملة هي حضور الله في حياة الأنسان: في فكره وقلبه.

الرسالة : 2كورنثية 12 : 14 – 21

توَّترَ الوضعُ قليلا بين بولس وكنيسة كورنثية. قلَّلَ بعضُ الكورنثيين من قيمته الرسولية وقالوا أنه أدنى مستوى من بقية الرسل. وربما إتَّهمه غيرُهم بأنه " يسلك سبيل الجسد" (10: 2) أي يطلبُ مالهم لا منفعتهم. يدافعُ بولس عن نفسِه. إنه رسولٌ تام مثل البقية. الرب هو الذي بشَّره بنفسه (أع9: 6)، ومنه تلَّقى مباشرةً محتوى البشارة (غل1: 11-12)، ودعاه الى رتبة الرسل (أع13: 1-3)، وأيَّده رئيس الكنيسة وعمداؤُها في دعوته وإيمانه وتعليمه (غل2: 2-9). كما يَرُّدُ تهمة الطمع بمالهم بأنهم الكنيسة الوحيدة التي لم يُثَّقل عليها ولم يفرض عليهم المشاركة في تحَّمل مصاريفه وهو يخدمهم مثل كل الكنائس. في حين هو الله نفسُه الذي فرضَ توفير معيشة الخادم الروحي على الجماعة التي يخدمها قائلا :" هكذا أمر الرب للذين يُعلنون البشارة أن ينالوا رزقهم من البشارة "(1كور9: 14؛ متى 10: 10). وأخيرًا يُعلن بولس أنَّه لا ينوي الأطالة في الدفاع عن نفسه ليُبَّررَ موقفَه أو يُطالبَ بحقوقِه. بل هدفه أن يُعَّلمهم كيف يجب أن يعيش المسيحي في صراحة التعبير وآستقامةِ النية ليحيا في الحق ويُرضيَ الله. يكشفُ الحقائق ولا يريد أن يغُّشَهم. ويُعطي الفرصةَ لمن أخطأوا أن يُصلحوا سيرتهم ويُحَّسنوا أخلاقهم فلا يخذلهم الله. يكتب ذلك لأنه يُحّبُهم كثيرًا ويتوَّقعَ أنهم يُبادلونه الحُّبَ مثله. ويكتبُ وينصح لمنفعتهم لا لمصلحته.

الأنجيل : لوقا 16 : 19 – 17 : 10

يورِدُ الأنجيل خبر لعازر البائس والمُصاب بمرض مؤلم ولا يتلَّقى لا علاجًا ولا عناية من غير الكلاب في حين يقبع على بعد أمتار من بابِ غني يتمتعُ بالخيراتِ و الأمكانيات الهائلة ، بوسعه أن يُنقذه من ذله وعذابه لكنه لا يهتم به بل حتى لا ينتبه اليه كأنه غير موجود. لعازر لا يتذمر ولا يتشكى بل يصبرُ على شقائه ويحمد الله في بلائه. بينما الغني لا يأبه ولا حتى يُفَّكر أن يترحم عليه كما تطلبه الشريعة، أقَّله بما يفيض عن مائدته ويُلقى على المزبلة. ونعرفُ أنَّ مصيرهما إنقلبَ بعد الموت فصار البائس يتنعم لأنه صبر وشكر، بينما وقع الغني في شقاءٍ لا علاج له ولا دواء. لم يسمع الى كلام الله ولم يُمارس المحبة والرحمة كما تقتضيه الشريعة، وهو يَدَّعي بتنفيذها. علاج ما بعد الموت هو الحياة المرضية لله على الأرض قبل الموت. لأنَّ المصيرَ الأبدي يُقَرِّرُه الأنسان نفسُه بسلوكه، أعماله (متى 16: 27) في حياة الزمن. ثم ينتقلُ الى الحديث عن فداجةِ تشكيك الآخرين وإعثارِهم بمثلهم الرديء أو تعليمهم الخاطيء. وإلى مسامحة من يعتذر ويطلبُ العفوَ حتى ولو مراتٍ كثيرة في نفس النهار. ويُؤَّكدُ أنَّ الأيمان ليس بكثرته و وفرته بل بقوَّته وحرارته. يكفي إيمانٌ أصيلٌ متينٌ يشُّعُ ثقةً و قناعة، ولو كان صغيرًا بحجم " حبة خردل"، ليصنع المعجزات ولا ينفعُ إيمانٌ سطحيٌ يفوحُ رائحة المراءاة والنفاق حتى لو كان كبيرًا بحجم جمل أو جبل. وينتهي بالحديث عن التواضع في الخدمة وأداء الواجب. فالواجبُ مُقَّدسٌ لا يحتاج إلى أجرةٍ إضافية. إنَّ الواجب يُؤَّدى عادةً مقابل ربحٍ ونفعٍ محسوبٍ مسَّبَقًا. فلا يحتاجُ من يؤديه الى أن يُشكرَعليه أو يُحسَبَ له جميلٌ. وما يطلبُه الله من الأنسان ، من سلوكٍ مُعَّينٍ و أخلاقٍ حميدة، ليست تكليفا إضافيًا { Extra }، حتى تسَّجلَ له كجميلٍ يكافأُ عليه. بل هي من صُلبِ طبيعةِ الأنسان وسُمُّوهِ الروحي، وقد دفعَ اللهُ عنه الثمن (1كور6: 19)، ومن أجل ضمان سعادته. فلا فضل للأنسان في التقَّيد بها وتنفيذ مشيئةِ الله. مع أنَّ الله لن ينسى ذلك ويحسبُ لها حسابًا خّاصًا إذ يفي له بوعوده ويزَّوده بأفضالِه. ما فضل القديسين حتى يستجيبَ الله طلباتهم ويُجري المعجزات على يدهم ؟. لقد طلب الله من كل إنسان مؤمن أن يكون قدّيسًا!. ذلك لأنَّ الناس صورةُ الله مجبولون على المحبة والبذل والسماح والعطاء. فإن كانوا قديسين فلا فضلَ لهم. ولكن مع ذلك يُمَّجدُ الله قديسيه حتى في عيون البشر ليعرفوا أنَّ الله يُعطي لهم ويُقَّدرهم أكثرَ مما عليه أن يفعله لهم. كلُّ ما يفعله الأنسان تجاه الله، أو تجاه إخوته البشر تنفيذا لوصية الله، ليس سوى واجب يوفي فقط الديون المتراكمة. وعليه، عوضًا عن أن يفتخرَ أو يُطالبَ بتسجيلِ فضلٍ له ، أن يقول بقناعةٍ وآعتزاز:" أنا خادمٌ بسيط ما فعلتُ إلا ما كان يجبُ علَّيَ أن أفعله". فلا أستحقُ لا شكرًا ولا إعترافًا بجميل ". لأنَّ الأقرارَ بالجميل أوالشكر يؤَّدى مقابل تحقيق فعلٍ خَيّرٍ لم يُطلب من الأنسان بل بادرَ وقام به فقط محَّبةً بالله و إستجابةً لطلبه في الآقتداءِ به.
القس بول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com