الأحــد الرابع للصيف ! 2017.08.13

تتلى علينا اليوم القراءات : اش 9: 8-21 ؛ 2كور10: 1-18 ؛ مر7: 1-16

القـراءة : اشعيا 9 : 8 – 21

إسرائيلُ متكَّبر وناكرُ الحَّقِ والجميل. فيُحَسِّسُهُ النبي ويُحَّذرُه بأنَّه إذا لم يتُبْ فالحربَ تلتهمُه من الخارج والأنشقاقات تمَّزقُه من الداخل. وتبقى يدُ الرب مرفوعةً عنه لا تحمي كلَّ من لا يتراجعُ عن سوئِه. لا يعترف بنو إسرائيل بأنَّ أعداءَهم لا ينتصرن عليهم لولا أنَّ الله قد تخَّلى عنهم بسبب تخَّليهم عنه وتعاليهم عليه. يعزون دمار بلدهم الى الحظ ويُعلنون بأنهم قادرون على إعادة بنائه بشكل أفضل ويستعيضون عَّما دُمِّر بموادَ أحسن وأغلى. حاصرهم الأعداء من كل جانب مُهَّددين بإفنائهم رغم ذلك لم يتُبِ الشعبُ عن طرقه الملتوية ولا إستنجدَ بالله، بل ظلَّ متكلا على نفسِه، على ذراعِه وأوهامِه. القادة لا يستشيرون فكرالله ولا يؤمنون بطرقه. و يُضللون الشعب إذ يُرشدونه عكس شريعة الله. وهؤلاء يبيدهم الأعداء. فالمواطنون كُلُّهم يُنافقون ويفعلون الشر. و" شرورهم تشتعلُ كالنار.. ويكون الشعبُ مثل وقودِ النار لا يُشفقُ واحدٌ على أخيه "(آية17-18). الأسباط تتحاربُ بينها، وتتحالفُ ضد يهوذا. إلى أن ينتهي الشعبُ أسيرًا ومنفيًا عن بيتِه وأرضه وحضارته وحتى عن حريته وكرامتِه. ولن يستعيدها إلا إذا عاد الى رشدِه وايمانه وإلَـهِهِ.

الرسالة : 2كورنثية 10 : 1 – 18

خلاف بين بولس وبعض أهل كورنثية المتكَّبرين والذين يستصغرونه، على بعض المسائل الأيمانية، لاسيما الأخلاقية. يفتخرون بحكمتهم وقدرتهم على المناورة والمطاولة في جدالاتهم ونقاشاتِهم. إنه المنطق البشري المادي ، أو الجسدي. قد يكون بولس بالنسبةِ اليهم ضعيفًا حتى يقدرون أن يغلبوه بالفصاحةِ والتفلسف فينقلب الى آرائهم، ويُغَّيرُ مواقفَه. أما بولس فهو وإن أقُّرَ بوضاعته لكنه يتجَّرَأُ عليهم ويتحَّداهم بحكمته ومصدر قدرته، فيقول :" نعم إننا نحيا في الجسد، ولكننا لا نجاهدُ جهادَ الجسد. فما سلاحُ جهادِنا جسدي، بل إلَهي قادرٌ على هدم الحصون ". والحصون" إشارةٌ الى تكَّبر الأنسان المستند على نفسه والمنغلق على الله" (هامش على الآية 4). ويتابع بولس كلامه :" نهدمُ الجدلَ الباطلَ وكلَّ عقبةٍ ترتفع لتحجبَ معرفةَ الله. و نأسرُ كلَّ فكرٍ ونُخضِعُه لطاعةِ المسيح". يتكل بولس في تعليمه وأحكامِه على الله، فكرًا و فعلاً. والمسيح هو قياس الحَّق، ولشريعته يجب أن يخضع البشرلا لمنطقهم الجسدي. وعلاوةً على ذلك لا يتصَّرفُ بولس ولا يُعَّلم من نفسِه. بل هو مندوبٌ من الله. وقد وهبه الله فكرًا وقوَّةً ، وإنْ محدودة لكنها أوصلته اليهم، و بلغهم مع ملءِ الحق ألا وهو بشارة المسيح. يقبلُ بولس بحكمة اليونانيين وحتى يفتخرُ بمنجزاتِهم. لكنه يدعوهم أيضا الى تقَّبل الحكمةِ الألهية فيكون إيمانهم قادرًا على إستيعاب منطق المسيح، وجديرًا بأن يساعدَ على توسيع رقعةِ البشارة الى أبعد منهم. ويساعد الكورنثيين أيضا على الأفتخار بإنجازهم الخاص ضمن رسالة المسيح. لا ينفعُهم أن يمدحوا ذواتِهم بل ينفعهم إذا مدحهم الرب وآرتضى خدمتهم. هكذا قال الله في النبي :" لا يفتخرِ الحكيمُ بحكمته، ولا الجّبارُ بجبروتِه ، ولا الغَنيُّ بغِناه. بل من يفتخرُ فليفتخر بمعرفتي ، ويفهم أنّي أنا الرَّبُ مصدرُ الرحمةِ والحُكم والعدلِ في الأرض. بمثل هؤلاء أرضى، يقول الرب" (إر9: 22-23). والعظيمُ من يرضى عنه الله ويمدحُه.

الأنجيل : مرقس 7 : 1 – 16

إثمُ التمَّسكِ الأعمى بالتقاليد. لام الفريسيون ومُعَّلمو الشريعة يسوع وتلاميذَه على أنهم لا يتقَّيَدون بتقاليد القدماء التي تفرضُ غسلَ الأيدي قبل الأكل. والسبب أنهم يعتبرون مواد الطعام دنسة إذا لم تغسَل بالماء لأنها، في السوق، لامست أيادي الوثنيين فتنَجَّستْ. واليهودي مدعُوٌ الى القداسة لا النجاسة (أح19: 2؛ 1تس4: 7؛ 1بط1: 15). وبهذا الأعتراض نوى الرؤساء الدينيون أن يتعالوا على يسوع وتلاميذه ويتظاهروا بأنهم يلتزمون بالنظام والأصول في حين لا يتقيد بها من يدّعي أنه المسيح؟. كانت فرصتهم المؤاتية للنيل من يسوع وتسجيل لزمةٍ عليه. فكانت تهمةً مقصودة غيرَ مخفية. لكنهم لم يدروا من أين سقط عليهم البُرج فسحقهم. نعم جاءَ رَّدُ يسوع رعدًا وبرقًا حطَّمهم. " أيها المنافقون"!. تظاهروا بالأيمان والألتزام بمشيئةِ الله. فذَّكرهم كيف يفضحهم أشعيا القائل " هذا الشعبُ يُكرمني بشفتيه فقط. أما قلبه فبعيدٌ عّني. باطلا يعبدونني بتعاليم وضعها البشر" (اش29: 13). ولم يكتفِ بشهادة الكتاب بل وأضافَ فاضحًا سلوكهم الفاسد، فقال:" تُهملون وصية الله وتتمسَّكون بتقاليدكم. و ما أبرَعَكم في نقضِ شريعة الله لتحافظوا على تقاليدكم .. تُبطلون كلام الله بتقاليد من عندِكم تتوارثونها " (آية 8-13). نزل عليهم الرَّدُ صاعقةً أخرَسَتهم. وتوَّجه يسوع الى الجموع ليُنَّورَ أذهانهم ويُطَّهرَها من دنس تعاليم الفريسيين والكتبة. فقال : " لا شيء يدخل الأنسان من الخارج يُنَّجسُه، بل ما يخرج منه يُنَّجسُه". إنَّ القداسةَ والنجاسةَ لا تنتقلان ولا تُعديان باللمس ولا تنقلان فايروسًا مُفسِدًا ومُعديًا. القداسة والنجاسة مواقف حياتية روحية تُعديان بمَثَلِ السلوكِ الفاسد الشّرير، بالشك الذي يُؤَّثرعلى النفس، الفكروالقلب، لا على الجسد. فالشَّرُ يُعدي ويُؤذي بالمَثَلِ الرديء، مثله يفعلُ البرُّ بالشهادةِ لنور الحق الذي ينشره حواليه. لذا أقام الله شعبَه كُلَّه "نورًا لهدايةِ الأمم، فتفتحَ العيونَ العمياء "(اش42: 6-7). كما سَمَّى يسوع أيضا أتباعه ،" أنتم نور العالم .. ليُضئْ نورُكم قدام الناس" (متى5: 14). بينما أدانَ الرب من يُسَّببُ عثرة للآخرين (متى18: 7). والعثرة هي السلوك الخاطي، أما النورُ فهو السيرة الصالحة المُرضية لله، ويسوعُ نموذجُها. فهذا يسوع الذي يُعارضُه الفريسيون وعلماءُ الشريعة ويُطاردونه ويَتَّهمونه فيُهَدِّدونه هو الذي، بعكسِهم، أرضى الله (متى17: 5). التُهمةُ التي أرادَ الفريسيون إلصاقَها بيسوع إرتَدَّت عليهم فآنفضحوا إذ غَيَّروا شريعة الله بسُّنَتِهم وتبَّين أنَّ سُنَّتهم فاشلة إذ خاطئة لأنها لا تقوم على أساس العلم والمحَّبة والعدالة، بل على أساس الحقدِ والكراهية نتيجة كبرياءٍ وآحتقارِ الآخرين، ونتيجة عدم الأيمان بالله أنه وحدَه النورُ والعدلُ والقداسة. وللخليقة أن تتعَّلمَ من خالقِها، لا أن تخالفَه وتُصَّدِرَ له الحَّقَ والبر.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com