الأحــد الثالث للصيف ! 2017.08.06

تتلى علينا اليوم القراءات : اش5: 1-16 ؛ 2كور7: 1-11 ؛ يو9: 1-38

القـراءة : اشعيا 5 : 1 – 16

تشَّكٍ مُرٌّ ومؤلِمٌ لله من شعبِهِ الغادِر. شَبَّهَ الله شعبَه بكرمٍ زرَعَه فأسقاه فحَرَثه فسَمَّدَه فقَلَّمَه فحَوَّطه بسياجٍ يحميه وعَيَّنَ له كَرّامًا يفلحُه ويؤَّدي له كلَّ خدمةٍ تنفعُه. ولمَّا جاءَ الوقتُ ليُثمرَ أعطى، عوَضَ العنبِ، حُصرُمًا، أي ثمَرًا فَجًّا لا يُؤكلُ ولا ينفع. إختار الله نسلَ إبراهيم، من دون بقية الأمم، شعبًا خاصًّا به دَلَلـه وحماهُ ومَيَّزه بالخيرات وزَوَّدَه بسياج الشريعةٍ ليحفظه في الأيمان والبر، وأرسلَ اليه ، من حين لآخر، أنبياءَ يُذكرونه بعهودِه ويوحون اليه ما يلتزمون به ، حتى يُصبحوا بين الأمم الوثنية شعبًا يسيرُ في نور الحَّق الألهي ويشهدُ لأفضال الله و أمجاده العظيمة (اش42: 6). لكن الشعبَ لم يتقَّيد بوصايا الله ولا إستوعب بُعدّ الشريعة الألهي الروحي. بل إقتدى بالشعوب الوثنية وتخَّلقَ بأخلاقِها. صارَ نورُه ظلامًا وبِرُّهُ فسادًا. فلمْ يُؤَّدِ الرسالة التي كَلَّفَهُ بها الله. فتألمَّ الله لقساوةِ فلب الشعب. وتَشَّكى علنًا وبمرارة :" أيُّ شيءٍ يُعملُ للكرم ولم أفعله لكرمي "؟. ماذا نقصَ شعبي؟. ماذا كان بوسعي أن أعمل له وقَصَّرتُ بحَّقِهِ؟. إلى ماذا إحتاجَ ولم أُوَّفِرْه له ؟. ماذا سأل ولم أستجِبْ له؟. لماذا أدار شعبي ظهرَه لي وأسرعَ يتبع الأوثان ؟. " إنتظرتُ منه الحَّق فإذا سفكُ الدماء، والعدلَ فإذا صُراخُ الظُلم "!. بماذا أساءَ يسوع الى الشعب المختار حتى تنَّكرَ له وصلبَه؟. وهل كان بوسعِه أن يُعطيَهم أكثر مما فعل حتى بذل عنهم حياتَه، وبقيَ معه في سر القربان ليُغَّذيه من دمه ولحمِه ؟. لماذا ينكر الأنسان جميلَ خالقِهِ وينبذُ إحسان مُخَّلصِهِ؟. لماذا يستهين بكلام الله أو ينكرُ قدرته وجلاله؟.

كورنثية2 7 : 1 – 11

مثل الشعب المختار أخطأ مسيحيو كورنثية. وَبَّخهم بولس وأدان موقفهم المُخزي تجاه الفساد. أثَّر فيهم كلامُه فحزنوا إذ شعروا أنَّ كرامتَهم تُهان. تندَّم بولس لأنه سبَّبَ لهم الحزن في حين أرادَ لهم الخلاص، لكنه فرحَ لأنهم تراجعوا عن موقفهم وقرروا تنفيذ ما طلبه منهم بعزل الزاني العلني ليتأَدَّبَ ويتوب. وتابوا بدورهم عن تشجيعهم الزاني في البداية فبارك الرسولُ هذا الحزن وعزى به الى الله. أما الحزن الذي تُسَّببُه الدنيا فيقود الى اليأس والتذَّمر، وهذا يقودُ الى الموت. فتوبيخ بولس لهم على سوئِهم قادهم الى تغيير سلوكِهم. وهذا نعمة لأنَّ الحزن أعادَ المؤمنين الى سواء السبيل، سبيل الحياة الأبدية. وأمرٌ مثل هذا لا ندامة عليه ولا أسف بل حمدٌ وفرح. وآستخلص بولس الدرس مما حدث فدعا الكورنثيين الى تغيير ِسلوكهم بتطهيرأجسادهم وأرواحِهم مما يُشَّوه ويُعَّكرُ صفوَ إيمانهم ، أي من دنس الآثام ، والى تقديس ذواتهم جسدًا و روحًا بالسير في دربِ تقوى الله ومخافتِه.

الأنجيل : يوحنا 9 : 1 – 38

شفاءُ الأعمى من مولِدِه. جاء يسوع الى العالم للدينونة. و الدينونة/ المحكمة تَكشفُ الحَّق و تُطَّبقُ العدلَ. يوجد أناسٌ يعيشون في الظلم : إما لأنهم مظلومون ومحرومون من حقوقِهم ، أو لأنهم يُسيئون الى غيرهم ويمنعونهم من معرفة الحق أو ممارسة العدالةِ. فالأعمى قد ظلمته الحياة إذ حرمته من حَّقِه في البصر، والفريسيون ظالمون لأنهم يُنافقون فيُعَّلمون غيرَهم ويُطالبونهم بالتمَّسك بذلك أما هم أنفُسُهم فلا يتقَّيدون بما يُعلمون وقد " أهملوا أهَّمَ ما في الشريعة : العدلَ والرحمةَ والصِدقَ" (متى23: 3-23). فإذا أعاد الرب الى الأعمى بصرَه المفقود ليس مُخالفًا لمشيئة الله. لأنَّ العمى ليس قصاصًا من الله، إذ لم يخطأ لا هو ولا والداهُ. الله هو الذي كَرَّم الأنسان بالبصر. ويسوع أتى ليُنصرَ الحَّقَ ويُحَّققَ العدالة. فمن العدل أن يكون ذلك الأعمى طبيعيا ويتمَّتعَ بآستعمال كل قواه الطبيعية. وليس من حَّقِ أحد أن يحرمُه عنها لا الأنسان ولا الطبيعة. وإذا آستعادَ الأعمى بصرَه يومَ السبت فما هو ذنبُه أو ذنبُ من أبرأَه؟. أ ليس السبتُ لراحةِ الأنسان؟. و أَ ليسَ الشفاءُ لراحتِه أيضا؟ فأين الذنبُ أو المخالفة حتى يعترضَ الفريسيون كعادتهم على عمل يسوع ويتهمونه ليُهلكوه؟ ( متى12: 10-14). الخلل في الفريسيين لا في الحدث. كان المؤمنون يجهلون أمورًا كثيرة عن الله الحق. ويسوع فتح لهم عيونهم بكشف الحقيقة و وأعطاهم الأغتسال بالمعمودية ووضعهم على الدرب الصحيح للخلاص. حَرَّرهم من الخطيئة بإعلان الحقيقة. وكان ذلك بصَرًا روحيا ناله البشرُ "العميان". ومن كان يدَّعي بأنه يحتكرُ علمَ الحق ورفضَ أن يقبل من يسوع الحقَّ الذي أعلنه فهذا يكون الأعمى الحقيقي. ولما كان الفريسيون العميان الفعليين للحق فخطيئتهم باقية ولن يُشفوا عنها. الأعمى آمن بلاهوت يسوع وسجد له. تخَّلص من عماهُ. أما الفريسيون فرفضوا الأيمان به مُفَضلين التقوقع في آرائهم ومعتقداتهم. إستمروا في عماهم. هذا هو العمى الأصيل الذي يصيبُ بصر العقل و يُعَّطلُه قبل بصر الجسد. الذي يرفض النور الساطع من الله، بيسوع المسيح، يكون أعمى لا يقبل الشفاء. أما الذي يؤمن بيسوع المسيح فيغتسل ويتنَّقى من عاهته بالمعمودية فتتساقط عنه قشور الفساد وينقشع عنه ظلام الضلال فيرى نور الحق مثل بولس (أع9: 18). والفريسيون لا فقط لم يعترفوا بيسوع ولكنهم " إتفقوا على أن يطردوا من المجمع كلَّ من يعترف بأنه المسيح". وتحَقَّقَ بذلك قول يسوع عنهم :" يغلقون ملكوت السماوات في وجه الناس. فلا هم يدخلون ولا يتركون الداخلين يدخلون" (متى23: 13). يا ويلهم من مرائين منافقين. ومثلهم يبفى أعمى ويرفض نور الحق من يرفض مُرسَلَ الله ويأبى أن يغتسل بماء المعمودية ليحتفظ بقشور الضلال. إنطلق الفريسيون في حكمهم على يسوع من ذاتِهم، من أفكارهم وتقاليدهم. أما الأعمى فآنطلق ، في إعترافِه بيسوع، من ملاحظته شخص يسوع. كيف له أن يشفيَ أعمى من مولده إنْ لم يكن هو اللهَ أو نبيَّه المُخَّوَلَ منه؟. الفريسيون يعترضون عليه ويرفضونه لكنَّ لا أحد منهم شفى يومًا ما مريضًا ولا إستطاعوا أن يُحاججوا يسوع بل هو الذي يُسكتهم دومًا، فكيف يكونون هم على حَّق ويسوع على باطل؟. إنه منطقٌ بسيط لكنه صحيحٌ وثابت. والأيمان لا يتطلب تفسيرًا لكل شيء ولا معجزة في كل شيء. بل فقط أن ينفتح الأنسان ببساطة ، روحًا وقلبًا، على الله ويسلك دربَ الروح لا الحرف. على الأنسان أن يلاحظ أعمال الله ولا يتهَرَّبَ من الواقع لأنه هو الأنسان قاصرٌ عن أن يكون " الله ". تعَوَّدَ الفريسيون على القيادة وإعطاء الأوامر فرفضوا قيادة الله. أما الأعمى فقد تعَّوَد على أن يُصغي ويلتزم بإرشادات غيره. فأصغى لله وتقَّيد بتوجيهاتِه فنال أكثر مما تمَّنى. إنفتحت حياته لله فأصبح في نور الله يتمَّتعُ بآمتيازاتِه. وأما المُترَّددون من الأهل والجيران، الذين لم يكونوا لا حّارين بالأيمان ولا باردين في الشَّك بيسوع وحتى بحقيقة حالة الأعمى، بل فاترين في الحياة، فهؤلاء وأمثالهم لا قيمة لهم عند الله. يقول الله " سأتقَّيأُك من فمي لأنك فاتر" (رؤ3: 16). إنَّ الله يريد أن يعيش المرء في كرامةٍ وصراحة ، فيقول للحق نعم وللضلال لا.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com