الأحــد الثـاني للصيـف !
2017.07.30
تتلى علينا اليوم القراءات : اش3: 16 – 4: 6 ؛ 2كور3: 4-18 ؛ لو15: 4-32
1* القـراءة : اشعيا 3 : 16 – 4 : 6
لقد تمادى شعبُ الله في الفساد. وتجاوزت النساءُ حَدَّهن في التَبَّرج والتمَكيُج. شغلهن الشاغل هو الأناقة والمظهر والتباهي بأجسادهن. لقد إختفى الروح، إن لم يكن قد قُضِيَ عليه كُلّيًا. فقد أصبحت حياتهن كلها زينة الذهب واللآليء، وجمالهن بالمساحيقِ والحِلي، وطيبُهن بالعطور والأطياب. لم يبقَ للأخلاق والفضيلة عنوانٌ ولا أثر. أصبحَ الاهتمام بالأجساد دأبَهن وجُلَّ عنايتِهن. لقد سَئِمَ اللهُ هذه الحالة وآستنكرَها. ولن تدوم كثيرًا. سيسحقُ العدُوُّ تشامخ الشعبِ و يُحَّطمُ كبرياءَه ويفضحُ غباءَه. سيَلُّفُه السبيُ ليغسلَ عارَه ويُعيدَه الى الصواب. سيموت الرجالُ بالسيف، ولن تجد الفتياتُ من يتزوَّجنه. ستتشَّبثُ العديد منهن بنفس الرجل الواحد ليرفع عنهن عار العزوبية. لن ينجوَ في الديار من عبودية السبي غير الذين سمعوا كلام الله. سيُطّهرُ الله مدينتَه من الفساد والغباء. سيمحو منها الدماء ويغسلُ قذارة الناس. سيعودُ مجد اللهِ يشّعُ من جديد، للذين يعرفونه ويُصغون اليه، " نارًا مضيئة في الليل وظِلا مُريحًا في النهار" (خر13: 20-22). لا ينتقمُ الله لمجده المُهان. إنَّما لن يواصلَ حماية الشعب بل يدَعُه يتمادى مع أهوائه إلى أن توقعُه. لكنه لن يسمحَ لها أن تفنيَه. بل سيُعيد اليه الروح ويُعَّلمُه أنَّ خلاصَه في محبة الله وتفعيل وصاياه. فالمسيح سيُعَّلمُ الطاعة لله عن محبة، ومريم العذراء ستُعَّلم أنَّ جمال المرأة من الداخل عندما تعرفُ أن تتجاوب مع مخطط الله ومشروعه الفدائي.
2* الرسالة : 2 كورنثية 3 : 4 – 18
بدأ مع المسيح عهدٌ جديد، عهدُ الروح. أطلبوا أولاً ملكوت اللهِ وبِرَّه ، سيادة الحَّق والمحبة، أما باقي الخيرات المادية { الحرفية } فتُزادُ لكم بوفرة. كان للعهد القديم ، المعقود على يد موسى، نظامٌ هو الشريعة. وهكذا للجديد أيضا نظامٌ يُسَّهل تحقيق العهد، المعقود بدم المسيح، بشكل يُريح المؤمن ويُسعِده. وكما كان للقديم " خدَمُه"، من يُشرفون على تحقيقه، هكذا يكون للجديد أيضا خدَمٌ يُجاهدون لتحقيقه ونشر الحياة الألهية على الأرض. ويمتاز الجديد بأنه يخدمُ الحياة ويقود الى السلام. يهتم مباشرة بما لله ، والله روحٌ وحياة ومجد وهناء. بينما إهتمَّ القديمُ بما للجسد. والجسدُ يفنى لذا فالأهتمام به فقط يؤّدي الى الموت (رم8: 5-8). بقيت خدمة القديم مجيدة لأنها هدفت مجد الله وأرتبطت بمشروعِه الخلاصي. لكنها لم تكن كاملة. لقد كَمَّلها المسيح (متى5: 17). لذا فخدمة الجديد أسمى وأفضل لأنها تسمو بالمؤمن الى فكر الله و روحه. كان موسى، أبو العهد القديم، يشُّع وجهه بعد كل مخاطبة الرب له فيخافُ الشعب الأقترابَ منه بل حتى النظرَ اليه حتى أُضطرَّ أن يتبرقع (خر 34: 29-35). أما يسوع فلما تجَّلي في جلاله الألهي و موسى الى جانبه خاف أيضا الرسلُ من صوت الآب، لكنهم إرتاحوا جدًّا الى بهاءِ مجد يسوع الألهي حتى صرخ بطرس" ما أجملَ أن نكون هنا "(متى17: 4). و هذا المجد خَيَّم على الرسل بل صار يشُّعُ من خلالهم. فلم يتردد بولس أن يقول :" ونحن جميعًا نعكسُ صورة مجد الرب بوجوهٍ مكشوفة فنتحَّول الى تلك الصورةِ ذاتِها" (آية 18). الله روح. وكذا عهد المسيح وكلامه روح وحياة (يو6: 63). وما للروح لا يُخيفُ بل يُريح ويُسعد.

3* الأنجيل : لوقا 15 : 4 - 32
أمثلة الخروف الضائع والدرهم المفقود والأبن الضال. كلها تشيرُ الى أنَّ الخطيئة تُضَّيع الأنسان وتُفقدُه الحياة الروحية الألهية. ومن يفقد الحياة الألهية هو مائتٌ أي هالكٌ لا محالة. بينما التوبة تُعيد الحياة الى الخاطيء وتُحَّققُ الراحة والسعادة للأنسان. الخطيئة تقوده الى الحزن والشقاء، أما التوبةُ فتنعمُ عليه بالبهجةِ والفرح والهناء. الله هو القدوس والبار. أما الخطيئة فدنسٌ ونجاسة. والأنسان صورةُ الله مدعو الى تحقيق نموذج القداسة والبر في سلوكه. ويبتعد عن النجاسة التي هي : ضياعٌ وضلالٌ وفقدان (1تس4: 3-8). الخطيئة تُجَّردُ الأنسان عن حقوق بُنُـوَّتِه لله. يُضَّيعُ " ذخيرةَ البنين" ويفقدُ الوسائل التي تُسَّهلُ مسيرته نحو الحياة الأبدية في المجد والنعيم. تُنزعُ عنه حُلَّةُ كرامة الأبن ويخسرُ نصيبَه من الخيرات الساندة للحياة. يفقدُ ما كان له من إمتياز ودّالة. وبالمقابل يقع في خطر الموت المهلك. من الأبن المُدَلَّل الذي يتوفر له كلُّ شيء بلغ الأبن الضال الى حد فقدان كلِّ شيء حتى كرامته فتقاسم المصير مع الحيوانات.
أما التوبة فأعادت اليه الفرحةَ وراحة البال. أعادت اليه الثقة بالنفس. أعادت اليه الكرامة و العِزَّة. أعادت اليه كلَّ شيء. أعادت اليه " الحياة ":" كان مائتا فعاش". هذا ما فعلته الحياة الألهية في الأنسان التائب : كاد ان يصل قاع بحر الهلاك، إنتشلته يد الرحمة الألهية فأنقذته.
هذا بخصوص التوبة وهي إستعادة الحالة الروحية البريئة والقدوسة التي عليها خلق الله الأنسان ودعاه أن يعيشَها معه وبحضرته. وإذا لم يخطأ الأنسان ولم يتدنس لا يتألم ولا يتندَّم ولا يحتاج الى التوبة. ولنا في مريم العذراء نموذجا على ذلك. ونحتفل هذا العام بالذكرى المئوية لظهوراتها في فاتيما. من فاتيما تبدو مريم نموذجا تقتدي بها النساء.
لامَ اللهُ، على يد اشعيا، النساء اللواتي تبعن روح العالم والأهتمام بالجسد أكثر من المعقول. بينما عظَّم اللهُ مريمَ لأنها لم تتبع شهوات الجسد بل إرتفعت بروحها نحو الله وآرتقت في حبها له حتى كرَّست له كل حياتها وخضعت لمشيئته قائلة " أنا خادمة الرب فليكن لي كقولك". لم تهتم بزينة الجسد بقدر ما إهتمت أن توافقَ سيرتُها مشيئة الله. رفضت حتى أن يكون لحياتها مخططها الخاص وقبلتْ أن تعيش مخطط الله وتتحَّمل تبعاته. عرفت ماذا يعني أن تكون أمَّ المسيح وماذا ينتظرها من تضحية وآلام. قبلتها لأنها آمنت أنَّ الله لا يريدُ لها السوء ولا أن يستغلها بل يدعوها الى العمل معه ، بشروطه ومتطلباته. ومن يعمل معه يقاسمه حياته ، مجده وخيراته ونعيمه. فلم تطلب ما للجسد ولا إهتمَّت بالمظاهر. بل إقتنعت بمشيئةِ الله و وثقت أنه لن يخذلها بل يُمَّجدُها. وافقت على عرضِه فتمَجَّدتْ، لأنَّ الله نظر الى براءَتِها وتواضُعِها فجازاها كرامةً ومجدًا وهناءًا بحيث " يعطيها الطوبى جميع الأجيال ، لأنَّ القدير صنع بها عظائمَ " مكافأةً على إيمانها وحبها وتجاوبها مع إرادته تعالى ؟.
ومن فاتيما التي باركتها بظهورها فيها قبل مائة عام، سنة 1917، في الثالث عشر من كل شهر منذ أيّار وحتى تشرين الأول، تًجَّدد مريم تحذيرَها من الشر والفساد المُخَّيمين في العالم، ونـداءَها الى التوبة. تدعو نساءَ العالم ، والمسيحيات بنوع خاص، ألا تكن زينتُهن " تبَّرُجًا كضفر الشعر والتحَّلي بالذهب والتأَنُقِ في الملابس، بل زينةَ قلب الأنسانِ وباطِنِه، على نَفْسٍ وادعةٍ بريئةٍ من الفساد مُطمَئّنَةٍ : ذلك هو الثمينُ عند الله " (1بط3: 3-4). صَدَّت مريمُ بيدها سيف الملاك المُهَّدد بإفناء البشرية فصرخ الملاك بوجه الأنسانيةِ " التوبة، التوبة، التوبة "!. وللمرأة بعد مريم وعلى غرارِها دورٌ قوّيٌ في تربية أولاد الله على أن يتزّينوا بالحق والمحبة ويمارسوا الوداعة ويُشَّجعوا السلام والوئام. بآختصار أن يعملوا بمشيئةِ الآبِ السماوي.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com