الأحــد السادس للرسـل !
2017.07.09
تُتلى علينا اليوم القراءات : اش2: 1-19 ؛ 1كور10: 14-32 ؛ لو12: 57-13: 9
1* القـراءة : اشعيا 2 : 1 – 19
سبقَ إشعيا فأخبرعن تمَّرُدِ الشعب المختارعلى الله ناكرًا جميله وأفضالَه. لقد آنَ وقتُ الحسابِ . سيكشفُ له الله مخازيَه وقباحاتِه وأخطاءَه وجهالاتِه. ويبدأُ الله بعملية التصفية والتنقية. عندئذٍ سيخجلُ الناسُ من تخَّلفِهم عن الكرامة التي وسمهم بها الخالق. فقدوا الحقَّ بفقدانهم الحب و العدل والرحمة. وقفوا تجاه الله أندادًا وخصوما. لن يسمح الله لهذا الوضع أن يستمّر. سيتدَّخل ويُعَّلم البشر أنَّ الجاه ليس بالخيل والمركبات، وأن القوة ليست بالسيوفِ والرماح، وأنَّ الغنى ليس بالفضّةِ والذهب. هذه كلها وسائل فقط. فإذا تحَّولت الى قيمة ذاتية وهدف ستحُّط من كرامة الأنسان. وقد أصبحت كذلك للأنسان حتى إستعبدته وكَّبلتْ قواه. أما كرامة الأنسان وقيمته فهي في أن يسمع كلام الله. وبما أنه لا يسمع فسيتدخلُ الله بنفسه و" يأخذ الحكمَ و القضاء بيده". سيقيم الله مع البشر يقاسمهم حياتهم ويُثَّبتُ لهم دستوره، فلن يكونوا بعد مُلزمين بآتباع تعاليم القادة البشريين. سيكشفُ للناس أخلاقَه الخاصّة ويُعلمُهم كيفَ يصونون كرامتهم وحقوقهم لا بالحرب والقتال بل بالسلم وفِلاحةِ الأرض لآخراجِ قوْتِها وضمان العيش الكريم. سيحَّلُ الله بين البشر(يو1: 14) ليحيا معهم فيروا فيه كيف يكون المجد، ويعاينوا قوة كلمة الحق، ويُشاهدوا مثالا للحياة. سيخزون من إنحطاطِ أخلاقِهم ويتأكدون أن لا عظيم وقدير وثري غيرُ الله. أما ما يعتبره الأنسان عظمته وشموخه وفخرَه فسينهارُ أمام علو الله وجبروته وعلمه. بل سيزول كليا. عندما " يزلزلُ الله قوى الأنسان" عندها سيختبيءُ بسبب مستحاه في" كهوفِ الصخرِ و شقوق السفوح من أمام هيبةِ الرب وعظمةِ بهائه"، ويكتشفُ أنَّه لا يملكُ سوى نسمة الحياة.

2* الرسالة : 1كور 10 : 14 – 32
يغزلُ الرسول على نفس المنول. عايش بولس إهتداء الوثنيين الى الأيمان بالمسيح على يده. هؤلاء المهتدون، المسيحيون، عرفوا الله وآتحدوا بفكره وحتى بحياته. لقد تناولوا جسد الرب يسوع ودمه فآكتسبوا حياته. بذلك عرفوا الحق والخير. لقد سمعوا كلام الله وآختبروا حُبَّه و رأوا أعماله. لكن البعضَ منهم ما زال يميلُ غريزيًا الى عادات الوثنيين. وإن كانوا يُمَّيزون بينها وبين تعليم الله ومطاليبه إلا إنهم حاولوا التوفيق بينها. كان للأحتفالات الدينية الوثنية طابعٌ مميز من تناول الأطعمة والمشروبات. كانوا يحّنون اليها. لكنها كانت إباحيةً والمشاركة فيها مُخاطرة للوقوع في حبائل ابليس. فحَّذر منها بولس " إنها ذبائح للشياطين لا لله. وأنا لا أريد أن تكونوا شركاء الشياطين...لا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب ومائدة الشياطين" (آية 20-21). ومن الممكن أن يفعله مسيحيٌّ بنية صافية وبريئة. لكنه ليس حُرًّا في سلوكه المادي. لأنه أصبح واحدًا مع بقية المؤمنين من خلال تناوله جسد المسيح الواحد، إذ يقول" نحن على كثرتنا جسد واحد .. لأننا نشترك بالخبز الواحد" (آية 17). وهذا يتطلب من المسيحي أن يحيا لا لأنانيته فقط بل ينتبه الى مصلحة الآخرين، كما فعل المسيح. وإذ يوجد خطرإعطاء الشكوك في عدم التمييز بين الألهي والأنساني، فليس كلُّ شيءٍ بَّناءًا ولا حلالا إلا إذا قاد الى مجد الله. فيقول الرسول :" إذا أكلتم أو شربتم، أو مهما فعلتم، فآعملوا كلَّ شيء لمجد الله ، ولخلاص جميع الناس. وإن كانت الأطعمة بذاتها طاهرة نقية (تك1: 31؛ 1طيم4: 4-5؛ أع10: 15)
لكن إستعمالها بشكل سيّئ، فارغ عن المحبة مع عدم تقدير الظرف، قد يؤذي الآخرين ويُفقدُ حتى الأيمان. لذا تابع بولي التعليم قائلا :" لا تجعلْ من طعامك سببا لهلاك من مات المسيح لأجله، ولا تُعَّرضْ ما هو خيرٌ لكلام السوء.. لا تهدم عمل الله من أجل الطعام " (رم14: 15-20). وبموجز الكلام يدعو بولس المسيحي الى معرفة الله والتقيد بشريعته وأن يكون نورًا يُضيءُ للآخرين درب الحق والحب. الله مات من أجل الأنسان فهل يتخَّلى عنه الأنسان من أجل خيرات زمنية تنتهي بالزوال، والله خيرٌ أبدي؟. والأنسان الآخر، أيًّا كان، هو أخوه وقد فداه المسيح فهل نُهمله نحن أو نسيءُ اليه؟. لا يليق ذلك بمن عرفَ المسيح وإتَّحد به وآتَّحدَ مِن خلاله بالآخرين؟.

3* الأنجيل : لوقا 12 : 57 – 13 : 9
عبر فقراتٍ ثلاث يدعو الربُّ سامعيه وقارئيه الى التوبة. الأولى التوبة في هذه الحياة وليس بعد الموت حيث لا تنفع. الثانية التوبة عن السوء بشكل متواصل وليس عند لحظة الوفاة، لأنَّ الموت قد يداهم البشر دون إنذار وعندها قد لا يجد الأنسان مجالا للتوبة. والموت والحساب يشمل كلَّ الناس فلا يتكل أحد على ميزة بشرية. والثالثة التوبة مرهونة ومقيدة بالسيرة الحسنة . والله لا يكمن للخاطيء حتى يعاقبه، ولا يُهملُه أيضا، بل يمهله فرصة التوبة بالأعمال الصالحة : التي أعَدَّها الله لنا من قبلُ لنسلك فيها" (أف2: 10).
ضرورة التوبة في هذه الحياة تقوم على أساس أنَّ الأنسان أساءَ إستعمال الحياة ودَّنسها. نفخَ اللهُ الوجود في الأنسان وأشركه في وجوده. فحياة الأنسان ملك الله وعلى الأنسان أن يُعيدَها إليه سالمة نقية. هكذا فعل يسوع على الصليب (لو23: 46). ومن يُدنس الحياة يُخاصِمه الله فيُحاسبه. وما دام الأنسان حَّيا على الأرض عليه تصفية حسابه مع الله فيتوب عن سيِّئاتِه. و إلا سيرفضه الله بعد الموت، كما رفض الغني المهمل والفاقد للمحبة والرحمة (لو16: 26) وكذلك العذارى الخمس الجاهلات اللواتي لم يسهرن على نقاوة سيرتهن (متى25: 11-13).
والتوبة تشمل كلَّ الناس لأنهم أخطأوا جميعَهم في الأب الأول (رم5: 12 و18)، فلا يوجدُ إنسانٌ بارٌ ولا واحد (مز53: 2-4؛ رم3: 10-18). والله لا يُقاصصُ الأشرارعلى هذه الأرض . بل ينتظرُ منهم التوبة ليحيوا معه للأبد (حز18: 23). والمسيح دعا الكل الى التوبة (متى4: 17) لأنَّ ملكوت الله لا يقبل الفاسدين (1كور15: 50). ويُعطي الخطأة الفرصة لتغيير سيرتهم السيِّئة، كما فعل مع الزانية (يو8: 11). وكما فعل صاحبُ الكرم بالتينة غير المثمرة فأعطى لها خدمة سنة إضافية لتكثيف الجهود في تقويمها (آية 8-9).
وأخيرًا المؤمن بالمسيح أصبح نورًا للعالم. "أنتم نور العالم وملح الأرض". الوثنيون لم يعرفوا الله. أما المسيحي فقد عرف الله وحمل راية المسيح ويتابع مهمة يسوع الخلاصية. عليه أن يُنير، بأقواله وأعماله، درب الحق والحب والغفران لأهل العالم. ولا يحَّقُ له أن يجُرَّهم بسوئه الى الهلاك، "فالويل لمن على يده تأتي الشكوك والعثرات" (متى18: 7). إنه بذلك لا فقط لا يعطي ثمارًا صالحة بل "يُعَّطل" العمل في حقل الرب. وعلى هذا لا يساومُ الرب. ومن يُعَّطلُ عملَ الله يُجَّدفُ على الروح القدس.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com