الأحــد الخامس للرسـل !
2017.07.02
عـيد مار توما رسول وشفيع الكنيسة الكلدانية
تُتلى علينا اليوم القراءات : اش42: 1-13 ؛ 1كور9: 16-27 ؛ يو20: 19-29
1* القـراءة : اشعيا 42 : 1 – 13
نشيد عبد الرب. العبد أي الأنسان. أبلغَ النبي رسالة الله : لقد إختار إنسانًا رضيَ به، وأحَّلَ روحَه فيه، يُعَّلمُ البشرية سلوكَ الله، العدلَ والمساواة. لن يتصَّرفَ بعنف ولا يُكرِهُ أحدًا على شيء. لا يرذل المُعَّوقين. لا ينبذ الضُعفاء. لا يُعاقِبُ الخطأَةْ، ولا يلتوي مع الشر، ولا يغلبه أحد. البشرية عطشى الى مثل هذه الشريعة. تصبو منذ دهور الى العدل. ومرسلُ الله سيُؤَّسسُ سُلطانه على العدل وينشُره في الأرض. سيُحَّققُ أُمنية الله بخلق شعبٍ يُصبحُ عهدًا وضمانًا لغيره و" نورًا لهدايةِ الأمم" (آية 6). وسيكون هذا المُرسَلُ النموذجَ الحَّي لجميع رسل الله الأصيلين. ومن يُضادده ويرفض هؤلاء لن يكون من الله. فرسول الله يفتحُ عيون الناس على حقيقة الحياة وصحَّة الأخلاق، يُنَّجي المظلومين ضحايا شَّرِ الأنسان، ويُنقذ المتأَلمين من قساوة قلبه التائه في ظلام الجهل والأنانية. لن يسمح الخالقُ للخليقةِ أن تتبَوَّأَ عرشَ المجد من دونه، ولا أن تُدّنس الحياة. إِنها لن تقدر أن تصبح " إلَـهًا " من نفسها. تقدر ذلك فقط عندما تسمع كلام الله فيدعوها هو ويرفعها الى الجلوس معه.
هذا العبد هو المسيح. أرسله الله فتجَسَّدَ ، وفي ناسوته إمتلأ من الروح الألهية. جاءَ ليؤَّسسَ مملكة الله على الأرض. وضع أساساتها، وسَّن دستورها، وأقام لها قادةً ومعلمين وحُماة. إنهم رُسلُ الله. لأنَّ الذي أقامهم، ويقيمهم، هو" المُرسل من الله والحامل روحه "، النابض بفكر الله وقلبه. فمن يحملُ اليومَ المسيحَ الى العالم ويشهدُ له يجب أن يتحَّلى بهذه الصفات ، علامات إرسال الله له. ومن يسمع كلام الله ويتبع المسيح ليرفع المجد والتسبيح لله على نعمته هذه أَنَّه لم يترك الأنسان يتخَّبطُ في الجهل أو يضعفُ أمام أعدائه بل له ملجأٌ أمين وعونٌ ثمين.

2* الرسالة : 1كورنثية 9 : 16 – 27
يتحَّدثُ بولس عن " البشارة والمُبَّشر". البشارةُ هي الشهادة للمسيح ومتابعةُ عمله بإشعاعِ نور الله للناس. ولُبُّ عملِ المسيح وموجزُ رسالتِه أن يُخَّلصَ الأنسان ويُنيرَ أمامه دربِ الحَّقِ و الحياة. الله هو الذي يُحَّدِدُ فيُقيمُ ويرسلُ " المُبَّشِرينَ" بكلامه. إختارهم يسوع وسَّماهم" رسُلاً ". ولا يزالُ يختارهم ويُرسلهم الى العالم ليخدموا البشرية مثله؛ " كما أرسلني الآب اُرسِلكُم أنا " (يو20: 21). فالبشارة ليست وظيفة نفعية، وإن كان من حَّقِ المبَّشِرأن يعيشَ من البشارة (آية 13)، حتى يُطالبَ المُبَّشرُ بأُجرة (أية17)، بل هي وصَّيةٌ وخدمةٌ عَهدَ اللهُ بها الى المُبَّشر. لذا أجرة المُرسَلِ أن يتنازل عن حَّقِه،" مجَّانًا أخذتم فمَجَّانًا أعطوا" (متى10: 8). فمن إعتمد بآسم المسيح ومارسَ خدمةً كهنوتية يُبَّشرُ بالمسيح ويشهد له إِلزامًا ،" فالبشارةٌ فرضٌ عليَّ، والويلُ لي إن لم أُبَّشِر" (آية 16). أما ثمار أداء البشارة فهي" إكليل المجد الذي سيجازيني به الرب" (2طيم4: 8).
البشارةُ إحدى مواهب الروح. لأنَّه وإِن كانَ الرَّبُ المُرسِلُ واحدًا هو يسوع المسيح، وإِن كانت البشارةُ نفسُها واحدةً هي متابعة عمل الله والشهادة له، إِلا إِنَّ الخدمةَ والمواهبَ والأعمال على أنواعٍ مختلفة " ينالُ منها كلُّ واحد نصيبَه ، فيه يتجَّلى الروحُ للخير العام" (1كور12: 4-7)؛ فأَعطى " بعضَهم أن يكونوا رسُلا، وبعضَهم أنبياءَ، وبعضَهم مُبَّشرين وبعضَهم رعاةً ومعَّلمين "(أف4: 11). وإِن كانت البشارة بالمسيح إلزامًا على كلِّ مسيحي مُعَّمَد بآسمِه إِلاّ إِنَّ ذلكَ لا يُلغي لا شخصيته ولا حُرّيتَه. إِنَّ فسيفساءَ تنَّوُعِ الموهبة والخدمة يؤولُ الى آكتمال حاجةِ الجماعة المؤمنة. كلُّ رسولٍ له شخصيتُه وطاقتُه يستغّلُها لأداءِ خدمتِه لتكتملَ حاجةُ الجماعة. وكلُّ واحدٍ حُرٌّ أن يقبلَ الخدمة التي يطلبها منه الله أو يرفضُها. يهوذا رفضَها بينما قبلها بقية زُملائِه.
ولمَّا كانت البشارةُ خدمةً للآخرين قد يتعاجزُ البعضُ عنها ،" يا أبتاه إن كان ممكنا أبعِد عني هذه الكأس" (لو22: 42)، وعندئذ على الرسول أن يتذكرَ أنها مشيئة الله. والله يعرف أحسن من الأنسان ما هي مصلحته الحقيقية، ويريدُ له كلَّ الخير، فمطلوبٌ منه أن يقبل التحَّدي والبذل ،" بل لتكن مشيئتك "(لو22: 44)، فيقسُو على نفسِه ويستعبدُ جسدَه حتى لا يخسرَإكليل المجد (آية 27).

3* الأنجيل : يوحنا 20 : 19 - 29
ظهور يسوع يومَ القيامة للرسل بدون توما ثم بعد أسبوع للرسل مع توما. حتى الرسول ممكنٌ أن يضعفَ فيشُّكَ. إِنَّه إِنسانٌ ضعيفٌ. دعوته لأداء عمل الله لم يُؤَّلِهْـهُ. زوَّدَه الله بالقدرة على إِتمام عمله. لم يُغَّيرْ طبيعَته. كلَّفَه بأداء عملٍ إلهي لكنه لم يعصِمْهُ من الخطأ ولا حَصَّنه ضِدَّ التجربة و الشَّر. إنَّما يُزَوِّدُه بقوةٍ تتـفَوَّقُ على أعدائه فلا يفشلُ في عملِه. يبقى إستيعابُه محدودًا أمَّا نجاحُه فمرهونٌ بمدى إِلتصاقِه بالله ومحَّبتِه له وآتكالِه عليه. لقد حَزَّعلى فلبِ توما أنَّ الربَ وَقَّتَ زيارَته في غيابِه. لا يتحَّملُ أن يكون أنقصَ من رفاقِه. فيتمَرَّدُ عفويًا وغريزيًا عن تصديق روايةِ الرسل. لا يمكن ليسوع أنْ يتعَّمَدَ غيابه فيتراءى للبقية. والرسلُ لا يكذبون. فما الأمرُ؟. يوسفُ أيضًا إحتار في حَمْلِ مريم وشَكَّ في ما هي مشيئة الله فقَرَّرأن يخرج عن اللعبة (متى1: 19-20). رأى توما أيضًا أن لا يَنْجَّرَ" الى الأقوال "!. فصمدَ في موقفِه إلى أن ينجليَ موقفُ الرب. هذه أسلم حكمةٍ عندما يختفي المنطق.
على توما أن يستسلمَ، رغمَ النار التي تكويه في داخلهِ، الى منطق الله وينتظرَ الجواب. ولم يتأَخَّرَ. على الرسول أن يتحَّلى بالصبر وأن يتجَرَّدَ من ذاتِه ليمتليءَ من الله حتى يستطيعَ أن يشُّعَه. عندئذ يراهُ ويفهمه. لا يحُّقُ للأنسان ان يثق جدًّا بحكمته فيقتنع كثيرًا من نفسِه. عليه و لاسيما كمُرسَلٍ ألا ينسى تعليم سيّده ويثقَ بحكمته. عليه أن يتقَّمصَ شخصية سّيده ويحيا وجوده ويستجليَ فكرَه لا أن يُعارضَه. جاءَه يسوع وعرضَ عليه الشروط التي أقامها توما لتصديق القيامة. فلم يكن بوسعه سوى أن يُعلن أفضل صيغةٍ للأيمان المسيحي، " يسوع أنتَ رَبٌّ وإلَه ". أنت لمْ يُقِمك أحدٌ. ولا سرقوا جسدَك. أنت حَّقًا الأله الذي يهتَّمُ بأبنائِه ويُلَّبي بُغية قلبِهم ويسُّدُ رمقهم ويروي عطشهم. ظهرتَ لرفاقي من نفسك. أمَّا أنا فآستجبتَ طلبي. لم ترضَ أن أُحرَمَ من دُفئِكَ. علَّمتني أن أتحَّمل الضيق والألم وأن أتجَرَّدَ عن شوقي وراحتي لأقبلَ أن أتجاوبَ مع مشيئتك، فلا أُجادِلكَ ولا أبتغي معرفة مخَّططكَ، بل أتبعُك بصبر وثقة وأُنَّفذُ أمرَكَ. عَلَّمتني أنَّ الأيمان ليس بالأقوال بل أنْ أكونَ أنا أنتَ فأحيا فيك وأتابعَ عملك مستعملاً كلَّ قوايَ فكري وقلبي بروحِيتِك، وتكون أنتَ فيَّ " ربّي وإلهي "!

القس بـول ربــان


  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com