الأحــد الرابـع للرسـل !
2017.06.25
تتلى علينا اليوم القراءات : اش1: 10-20 ؛ 1كور9: 13-27 ؛ لو6: 12-46
1* القـراءة : اشعيا 1 : 10 – 20
كره الله ذبائح الشعب المختار ورفض صلواتهم لأنها معجونة بالخطيئة ومعروضة بالإثم والنفاق. لقد طغى شَرُّ أعمالهم وتعاظمت مساوئُهم. فرغوا كليًا من العدل والبر والأستقامة. لقد طفح كيلهم. ولو فقط تابوا عن إثمهم لغفر لهم الله وجَنَّبهم شرَّ النكبات والويلات التي ستحُّلُ بهم . عبادتهم باطلة، لأنها حرفية من الشفاه فقط، أما القلب فمنشغلٌ عن الله بالشهوات والمنفعة و الأمور الدنيوية. سَّيئات الشعب تفاقمت وصارت ثقلاً على الله فسَئمَ إحتمالها (آية 14).
وهكذا لقد تفاقم اليوم إثم الأنسانية. ترفضُ الأمم سماع كلام الله. والحُّكام والقادة لا يبالون لا بدعوة الله الى التآخي والتعاون بين الناس ولا بتحذيرهم من الظلم والسوء الذي يوقعونه كلَّ يوم بالناس. يُنافقون فيتظاهرون بالأهتمام بالخير العام. ويسَّمون ظلمَهم بالسياسة وتحريرالأمم. ويُغَّطون إثمهم بنتَف الخير والرحمة التي يُبدونها نحو ضحاياهم. لقد توحَّشَ البشر فتكالبوا على السيادة والقيادة، وتسابقوا على السلب والنهب وتنافسوا على القسوة والإهمال. يتظاهر بعضُهم بالأيمان والآخرون بجودة الأخلاق وكرَمَها، لكن الله لا ينخدعُ بهم. والويلُ للعالم إذا رفعَ الله يدَه وسحَبها عن حماية العالم. وإذا لم يسمع الناسُ اليومَ كلامَ الله ولم يتقَّيدوا بشريعة المحبة والإخاء فقد لا يكون مصيرهم أفضلَ من مصير الشعب المختار الذي عرف مرارة السبي و قساوة الأستبعاد فالأستعباد. والعولمة التي بدت سُحُبُها تُغَّطي فضاء العالم ليست أخَّفَ وطأَةً من السبي. وعلى المؤمنين بالمسيح تبديد تلك السحب بنشر إيمانهم المستقيم وزرع أخلاقِهم الشَّفافة حتى ولو ساروا عكس التَّيار وضِدَّه.

2* الرسالة : 1كور 9 : 13 – 27
يتحدَّثُ الرسول عن خَدَمَةِ البشارة ومعيشتهم. من يخدم الهيكل يقتات من الهيكل. كذلك من يُعلن البشارة ينالُ رزقه منها. إنه مبدأٌ الهي لئلا يقع ظلمٌ لا على البشارة ولا على من يخدمها. ولكن خيرات البشارة ليست فقط مادية. ولا كل مبَّشر يخيا من جودتها. لأنَّ خير البشارة هو خلاصُ الناس وليس كسب خيراتِهم. ومن يعمل في خلاص أبناء الله لا يهتم أولا بما تدُّرُ عليه مهمته من قوتٍ ومال. همه الأول والأخير خدمة النفوس. ومثل هذا الرسول يعرفُ كيف يتكيف مع الظروف ويقبل التضحيات ويُضَّحي بحقوق كثيرة لأجل فقط أن يُؤَّديَ الخدمة المطلوبة منه بهدف تحقيق مشيئة الله ومتابعة عمله الخلاصي.
خدمة البشارة تُكَّلِفُ جُهدًا وتتطلبُ تضحياتٍ لكنها توعدُ بالمقابل مجدًا ونعيمًا أبديين. أما الجهدُ فلأنها تعمل ضدَّ تيَّار العالم وتلقي بالتالي معارضة و مقاومة وعلى الرسول ان يصمدَ ويجاهدَ. أما التضحية فلأنَّ الرسولَ يتنازلُ عن مشيئته وآجتهاداته الخاصّة ليكَّمل مشيئة الله الذي يدعوه ويوجهُ عمله. وعليه عندئذ أن يثق بالله ويسيرَ في طرقِه ويمتثلَ لآرشاده. إنه مؤتمَنٌ على أمانةٍ يُبَّلغُها ويحميها ممن يترَّصدون لها. ويشَّبه بولس المؤمن بالمُسابق للفوز بالجائزة. وكلُّ مسابق " يمارسُ ضبط النفس في كلِّ شيء من أجل الأكليل". هكذا المسيحي يضغطُ على نفسِه من أجل الأمانة للمسيح والثبات فيه. والمسيحي يُبَّشر غيرَه ويدعوهم الى سلوك معَّين، لاسيما تحمل نتائج إيمانهم، يضمنُ نيلَ الجائزة الألهية. والرسول الصادق والذكي يطَّبقُ هو أولا ما يدعو غيره إليه حتى يكون أولَّ الفائزين بإكليل المجد ولا يخسرُه. وقد يحتاجُ هو نفسه الى تحمُّلِ نتائج مهمته فيؤدي رسالته بوعي وتصميم و تجَّرُد. فيقول بولس :" فأنا لا أجري كمن لا يعرف الهدف، ولا أُلاكِمُ كمن يضربُ الهواء، بل أقسو على جسدي، وأَستعبِدُه لئلا أكون، بعدَما بشَّرتُ غيري، من الخاسرين " (آية 27). تعَّلمَ المسيحي المعادلة :" إنَّ طريق المجد يمُّرُ بصليبِ البذل والألم "، فـ " يا أبتاه ! لا تكن مشيئتي بل مشيئتُك " !

3* الانجيل : لوقا 6 : 12 - 46
يذكر لوقا إختلاءَ يسوع في الصلاة قبل إختياره إثني عشرَ من بين أتباعِه سَمَّاهم " رسلا". ثم يروي خبرَ الجموع التي تتبعه بكثرة وشفائه المرضى منهم حيث " كان الجميعُ يحاولون أن يلمسوه، لأنَّ قوَّةً كانت تخرجُ منه وتشفيهم كلَّهم "(آية 19). ثم يسردُ التطويبات مقَّسمًا إيَّاها بين " تهانٍ ولعنات". فيُهَّنيءُ المساكين والجياع والحزانى والمنبوذين أوالمضطهَدين بسبب إيمانهم مُدَّعيا أنها سببُ فرحٍ وآفتخار. ثم يُعطي الويلَ للأغنياء والشباعى والضاحكين ومن يمدحهم الناس. يعبرُ بعدها حالا الى سردِ بعض البنود من الدستور المسيحي مثلَ : محبة الأعداء، الأحسان الى الظالمين، الصلاة من أجل السَّيئين، مسامحة المعتدين وغيرها مختصِرًا إِيَّاها بعبارة " عاملوا الناس كما تريدون أن يُعاملوكم" (آية 31). ينقل لوقا دعوة يسوع تلاميذه ألى التفَّوُق على بر الكتبة والفريسيين وعامة أهل العالم فلا ينتظرون من الآخرين لا المِثلَ ولا التقديرَ ولا المجازاة. كما لا يسمحون لأنفسهم دينونتهم ولا محاسبتهم ولا مسايرتهم. دعاهم عوض ذلك الى الأهتمام بتنقية الذات وصنع الثمر الصالح.
بهذا يدعو يسوع أتباعَه الى التفَّوق بسلوكهم والإستجابة الى متطلباتِ الأيمان بشكل واعٍ و مستمر. زاغَ الانسان عن سبيل الصواب في الفكر والفعل فقاسَ الحَّقَ والبر بمنطقِه ومنفعَتِه. و جاءَ الربُّ ليعيد الأمورالى نصابها المستقيم." في البدءِ لم يكن هكذا"(متى19: 8). فالحَّقُ يُقاسُ بمشيئة الله وما نظَّمه لطبيعة الأنسان، منذ البدء، لتُحَّققَ ذاتَها وتبلغَ هدفها. والأنسان لا يبلغُ كماله في الأخذ، بل في العطاء. أعطى اللهُ للأنسان شريعةً هي سياجٌ يقيه غزوَ الشر حقله. لكنَّه لم يَحْتَمِ به بل داسَه بنفسهِ كي لا يعيق حرية شهواته، فـ " أَهملوا أهَّمَ ما في الشريعة " (متى23:23). تحتاج البشرية الى أن تستعيد نقاءَها الألهي الأصيل. دعا يسوع الى ذلك. علمَّ محبة الله وطاعته. وعاش محبة الأنسان ومسامحته. وعمل للآخرين ما تمَّناه أن يعملوه له. و أسس جمعيةً هي الكنيسة لتواصل هذه الأخلاق فتغَّيرَ الأنسانية. ودرَّبَ فريقًا من تلاميذه لقيادة تلك العملية. إنها البشارة والألتزام والجهاد حدَّ الشهادة. رسالتهم ليست في مجاراة أهل العالم وفكرهم وأخلاقهم. ولا في دينونتهم. بل في تطعيم العالم وأهله بفكر المسيح و روحه. وليس للرسول البشير حقوقٌ بل واجبٌ يؤديه. حقوقه محفوظة عند الله الذي إستودعه هذه الخدمة. فالمسيحي يرتفع عن العالم لا ليكفخه بل ليسموَ به نحو الله. لا لينتفع منه بل لينفعَه ويحصلَ له المجد والسعادة ،" مفضلين الآخرين على أنفسكم، ناظرين لا الى منفعتكم بل الى منفعةِ غيركم . فكونوا على فكرالمسيح يسوع" (في2: 3-5)، وتعَّلموا " التواضع والوداعة "من قلبه الأقدس (متى11: 29). هذا هو الثمرُ المطلوبُ والمنتظرُ من المسيحي رسولِ السماء على الأرض.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com