الأحـد الثالـث للرسـل !
2017.06.18
تتلى علينا اليوم القراءات : اش1: 1-9 ؛ 1كور7: 1-7 ؛ لو10: 23-37
1* القـراءة : اشعيا 1 : 1 – 9
تشَّكٍ مُرٌّ بسبب ألمٍ قاسٍ ومُدْمٍ يتجَرَّعُ كأسَه قلبُ والدٍ حنون ، محب، مهتّم من إبنٍ عقوق ناكر الجميل فاقدِ العقل تائهٍ في أهوائه ومتمرغ في أخطائه. هذا الوالدُ هو الله وهذا الأبنُ هو الشعبُ المختار. يستشهدُ اللهُ الكونَ والخلائق على دعواه ،" إسمعي أيتها السماوات، وآصغي أيتها الأرض" لأنَّ الحدثَ ليس صغيرا ولا بسيطا حتى يُعبَرَ عليه مرور الكرام. والمتمَّرِدُ ليس غريبًا ولا دخيلا حتى يُهمل. السوءُ الذي يجري يمُسُّ الحياة كلَّها. يخُّصُ الخلقَ ونظامَه. البشر ما يزالون يُسيئون إستعمال حريتهم، وما يزالون يبحثون عن خيرهم في الأهواء والشهوات: " ويلٌ للأمَّةِ الخاطئة، للشعبِ المُثَّقَل بالأثم، لنسلِ الأشرار والبنين المفسدين!. تركوا الرب ، و آستهانوا بالله القدوس.. وإليه أداروا ظهرَهم ". يتأسف الله لهذا الوضع التعيس. الشعبُ كله مريضٌ سقيم من الرأس، الى القلب، والى أخمص القدمين. أرضهم خرابٌ، مدنهم محروقة، حقولهم مستباحة. القدس نفسُها شِبه خيمةٍ أو كوخ والحصارُ يعصُرها. إنتظر الله منه " الحَّقَ فإذا سفكُ الدماء، والعدلَ فإذا صُراخُ الظلم" (اش5: 7). الحُّبُ يُحرقُ قلبَ الله على الأنسانية، إنها جريحة ومع ذلك ترفضُ العلاج. لا يريد الله أن تتعَذَّبَ الأنسانية بل يتمَّنى لها الراحة والهناء. فقد خلقها في جنَّةٍ لا في صحراء. ويطلب شِفاءَها لا عقابَها. هكذا يُنهي الرب شكواه بدعوة الأنسان الى التوبة والأهتداءِ الى الحق :" فآغتسلوا وتطَّهروا وأزيلوا شَّرَ أعمالكم وكُفُّوا الإساءةَ ، تعَّلموا الأحسان وآطلبوا العدل .." (اش1: 16-17).

2* الرسالة : 1كورنثية 7 : 1 – 7
دستور الزواج. وموقعُ البتولية من الإعراب يعلوعلى الزواج. "خيرٌ للرجل ألا يمَّسَ امرأة ". ولكن كيف تنمو البشرية وتكثر(تك1: 28)؟. وهل يطيقُ كلُّ واحد أن يتبَّتل ؟. فـ " خوفًا من الزنى ليكن لكل رجل إمرأته، ولكل إمرأةٍ زوجُها". ولكن ليس الزواجُ لقاءًا جنسيًا فقط. الزواجُ حياةٌ مشتركة بين الرجل والمرأة، تسودُها حقوقٌ و واجبات. الحَّقُ في الأخذ والواجبُ في العطاء. هكذا هي الحياة الزوجية أخذٌ وعطاءٌ متبادلين. كلُّ واحد يتنازل للآخر عن نفسه. ولا أحد يمنع ذاته أو يمتنع عن الشريك الآخر. ومع ذلك لا يستعبدُ الجنسُ الشريكين ولا يستحوذُ على الحصَّةِ الأولى من حياتهما. يجب أن يتركا بينهما فاصلا ليشتاقا الى بعضهما وينتعشَ حبُّهما ويتجَدَّدَ. وهذا الحَّيز الفاصل بينهما يملأُه حضور الله عندما يُخَصّصُ الزوجان فتراتٍ للحياة الروحية فتتنفَّسُ الروح وتنتعشُ النفوس. يعودُ الرسول الى تفضيل البتولية على الزواج ولكنه يعترفُ بأنَّ البتولية أو الزواجَ دعوتان متساويتان. وحتى إذا إختلفتا في الوجه إلا إنهما لا تتعارضان. فهو نفس الله الذي دعا الأنسان أولا الى الزواج من أجل نمُّو البشرية. ثم كشفَ عن دعوته الى البتولية بجانب الزواج ليتحَقَّقَ توازنٌ بين نمو الحياة جسديًا وروحيًا.
ولكي يتحَقَّقَ أيضا توازٍ من نوع ثانٍ ألا هو ألا يبقى الأنسان يحيا فقط لجسدِه الترابي بل يُحَقّقَ أيضا الخط الموازي له، صورته الألهية. خلق الله الأنسان نديمًا له يتنَعَّمُ بخيراته، بحُبِّهِ ولطفِه وعشرته الطيبة. و في الحياة الأبدية لا مكان للزواج والجنس، بل يكون البشر" مثل الملائكة لا يتزاوجون" (متى 22: 30). فيمُّنُ الله من الآن على بعض البشر، من كلا الجنسين، موهبة البتولية ليُصَّوروا ويشهدوا للحياة الأبدية من الآن في حلتها الجليلة. ويُؤَّكدُ الرسول أنَّ من
يتزوج ينقسم قلبه بين الله وبين أسرته، بينما الذي يتبَّتلُ " يهتَّمُ بأمور الرب" ويستمرُّ على ذلك للأبد (1كور7: 32-33). ويُقَّدمُ بولس نفسَه مثالا يُحتذى به. لقد إختار البتولية وسار على خطى إيليا و إرميا الأنبياء (ار16: 2)، فخَصَّصَ ذاته بجملتها لخدمة الرب. ولم يندم على ذلك. وإذ أحَسَّ بالسعادةِ والهناء في البتولية أراد لجميع الناس أن يكونوا مثله من دون هم (1كور7: 32).
3* الأنجيل : لوقا 10 : 23 - 37
يا لحَّظ الرسل لأنهم يرون ويسمعون ما تمنَّاه ملوك وأنبياء ولم ينالوه. هنيئًا لهم عاشروا الله نفسَه وجهًا لوجه ورافقوهُ مشاركين إيّاه الحلو والمر. لقد كشفَ يسوع اللهَ وأظهره للبشر،" من رآني رأى الآب". مع ذلك لم يؤمن الشعب المختار بأنَّ يسوع هوالمسيح. بل عارضوه وخلقوا له ألف مشكلة ليُحرجوه. وذكر لوقا أحدَ أولئك " المنافقين والقادة العميان" (متى23: 13-23). قام أحد علماء الشريعة وسأل يسوع، ليحرجه لا ليتعَّلم، " ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية "، ثم " من هو قريبي ". أما السؤال عن القريب فلأنَّ الشريعة ربطت محبة الله بمحبة القريب. أمَّا اليهود فأبوا أن يعترفوا بإنسانًية أحد خارجا عن شعبهم، ورفضوا الأعتراف بقرابة أحد أبعدَ ممن يعترفُ بهم معلموا الشريعة. وجاءَ جوابُ يسوع عاصفة زلزلت عقيدة عالم الشريعة. فروى خبر السامري الصالح.
ونحن نعرف الخبر عن غيب. يهودي تعَّرضَ له اللصوص على طريق أورشليم ـ أريحا. سلبوه كلَّ شيء بعد أن ضربوه وأثخنوا جراحه حتى قاربَ الموت. مرَّ من هناك كاهن يهودي ثم لاويٌّ ورأوه لكنهما لم يحُّنا عليه بل أهملاه وتابعا سيرهما. ثم مرَّ سامريٌ، والسامريون واليهود شبه أعداءٍ لا يتخالطون (يو4: 9)، وإذا أراد اليهود إهانة أحدٍ منهم نعتوه بسامري (يو8: 48). فهذا السامري المُحتقَر من اليهود تحَّنن على المنكوب المنازع وآنكَّبَ عليه يضَّمدُ جراحه محاولا أن ينقذه من براثن الموت. أسعفَه فقدَّم له من العلاج ما آستطاع وأضاف فحمله الى فندقٍ ليكمل علاجه. وصرف له ما آحتاج للعلاج وبيَّن إستعداده لصرف المزيد إذا آقتضى الأمر.
هذا السامري أبدى روحا إنسانية حَّقًا وقدم نموذجا ساميًا للمحبة والرحمة. هذا طبَّقَ شريعة الله مع أنه لا يلتزم بتعليمها. هذا عرف أنَّ القرابة ليست لا بالدم ولا بالقومية. القرابة هي بالمحبة. والمحبة لا يُعَّبرُ عنها بالأشعار أو بالقبلات بل بالشفقة والأعتناء بمن هم في حاجةٍ أو ضيق. ماذا نفع الشعبَ المختار تمَّسُكُه الحرفي بالشريعة وهو" يُهملُ أهَّمَ ما فيها : العدل والرحمة و الصدق "؟ (متى23: 23). وماذا نفع الشعبَ أن" يكرمَ الله بشفتيه..ويعبده بتعاليم وضعها البشر (متى15: 8-9) وهو يتنَّكرُ لإلهِه ويُقاومه ويُحاربُه بل " يسعون الى قتله" (يو5: 18؛ 7: 1 و19؛ 8: 37-40)؟. سلوكٌ فارغٌ من الروح وإيمانٌ سقيمٌ بعيدٌ عن المحبة!. اليهودُ لم يعرفوا إلَهَهم(يو8: 19) ولم يؤمنوا بالمسيح حتى بعد أن رأوه ورأوا أعماله (يو6: 36). أما السامري فعرفَ اللهَ وعرف القريب لأنه آمن بالمحبة حتى قبل أن يعرفَ المسيح. لأنَّ الله سبق وعلَّمَ محبة القريب منذ زمن موسى (أح19: 18).
طلب الأنسان، وما يزال يطلب المجد والخيرات الدنيوية خارجا عن الأيمان بالله، ونال منها أكثر من حصَّته فرأى أعمال الله وآهتمامه، ومع ذلك لم يعترف بالله ولا أحَّبَه ولا سمع كلامه. والذين آمنوا تمَّسكوا بحرف شريعة الله ومظهرها وأهملوا روحَها ونكروا قـوَّتَها ففقدوا روح إنسانيتهم فتوَّحشوا في أنانيتهم. وحتى في حياتهم الأجتماعية أو العائلية الخاصّة طلبوا الشهوة والنسلَ على حساب المحبة الحقيقية فلم يحصدوا عوض الهناء سوى المشاكل و وجع الرأس.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com