الخميس : عـيد الجسـد !
2017.06.15
تتلى علينا اليوم القراءات : ملا1: 6-11 ؛ 1كور11: 23-30 ؛ يو6: 51-64
1* الـقراءة : ملاخي 1 : 6 – 11
تشَّكٍ وتوبيخٌ شديد اللهجة ضدَّ كهنة الهيكل. لأنهم لا يحترمون الله، فلا كرَّموه كأب ولا هابوه كسَّيد. بل يُهينونه إذ يقّربون له قرابين " نجسة ". يقّدمون له ذبائح حقيرة فيقربون الحيوانات السقيمة والدنيئة التي لا يرضى بها البشر ولا تنصرفُ في السوق. يُذكرنا هذا بقربان قائين من الثمار الخائسة (تك4: 3-5) وقربان شاول الملك من الحيوانات المحكوم عليها بالقتل والإبادة (1صم15: 3-9). ورفضها الله ولم" ينظراليها برضًى". خطر في بالي حدثٌ جرى منذ أعوام. زار مؤمن مطران الرعية ومعه ابنٌ خامل وأبله ينطق بالكاد كلمات سريعة غير مفهومة وقال :" سيدنا. جلبتُ معي ابني هذا أقدمه للكنيسة ليُصبحَ كاهنا. سأله المطران: كيفَ هو؟ دراسته ؟ أخلاقه؟. أجابه الوالد: إنه فقير جِدًّا. فهو ثقيلُ الفهم وقد رسب في دروسِه، و مسكين الى درجة أنه لا " يكشكشُ الذباب عنه". إنه لا ينفع لسوى أن يترَّهب. فآبتسم المطران وقال له: أ ليس لك إبنٌ أسوأ منه تُرَّشِحَه؟.
مقابل هؤلاء ذكرت قصَّةُ حياة الكاهن القديس خوري مدينة آرس الفرنسية، أنه كان ضعيف الذاكرة لكن قلبه ينفطر حُبًّا لله. إستطاع أن يحصل على درجة "مقبول" في آمتحان الكهنوت. ولما رسم كاهنا تعَّين في قريةٍ نائية صغيرة ومواطنوها مُلحدون. يوم قدَّس فيها لأول مرة يوم الأحد حضر كم عجوز وكم فضولي لا يتحَدَّى عددهم العشرة أشخاص. المهم هو فقيرٌ ماديًا وكنيسته فقيرة. إحتاج لكنيستة أواني القداس والخدمة. طرق أبواب محَّلات تجارة الحاجات الكنسية. و طلب أن يشتريَ للمذبح وخدمته أغلى الأواني حتى إحتار التجار من هذا السلوك: أفقر إنسان في هندامه، يخدم أفقر رعية، ويشتري أغلى ما موجود يستعمله في خدمةِ الأسرار. وآعترض عليه بعضهم فأجاب : ليست أغلى من الله. بل حتى هذه ليست بمستوى مقام الله السامي. ثم لا تنسوا من وهبها للإنسان غير الله؟. إنها مُلكه ومن حَقِّه أن تعود اليه، ومن واجبنا أن نقَّدم له أفضل ما لدينا، بل أفضل ما موجود. أما أحَّبنا الله فغمرنا بأنعامه وأفضالِه؟. وهل نُعَّبرُ له نحن عن حُبّنا بما لا نرضى به لأنفسنا؟.

2* الرسالة : 1كور10: 15-17 ؛ و 11 : 23 – 30
بعد مقدمة (10: 15-17) أكدَّ فيها بولس بأَّنَّ المسيحيين يُشَّكلون، بالمسيح ومعه، جسدًا واحدًا لأنهم كلهم يشتركون في تناول جسد المسيح الواحد، ينتقلُ الى لبِّ الموضوع ألا هو تأسيس سر القربان، سر جسد المسيح ودمه، وماذا يعني هذا السر. إنه ليس فقط رمزًا يُذكرنا بحدث. بل هو حقيقة سجَّلها التأريخ ألا هي موت المسيح، وهو تعبير عن قمة عظمة حب الله. هذا الحب يستمِّرُ فيتواصل مع الأجيال ليُؤَّون، من جهة موت المسيح فيعاينه الناس المؤمنون جيلا بعد جيل فيشعرون بدفئه، ومن أخرى ليبقَ حبُّ الله المعطاء حضورًا روحيا بشكل قوتٍ يُنَّمي حياة الله في المؤمنين.
وما ينفردُ به بولس هو تأكيده على أنَّ ما يَعْلمُه ويُبَّلغُه مصدرُه المسيح نفسه، فيقول: " أنا من الرَّبِ تسَّلمتُ ما سلَّمته اليكم" (آية23). لم يتلَّقَ بولس عقيدته من الرسل بل من الرب مباشرة مثل بقية الرسل ليكون مساويًا لهم ولا ينقص عنهم بشيء، ليكون نموذجا لكيفية دعوة الرب لرسل المستقبل (غل1: 12)، بل عرضها عليهم ليضمنَ تأييد بطرس (غل2:2) الذي من فمه تتلقى الأمم الحقيقة (متى16: 19؛ أع15: 7) فلا يكون سعيُه باطلا. وبعد هذا يُثَّبتُ الرسول قواعد تناول جسد الرب، بإيمان ثابت بحضور المسيح في القربان وبآستعدادٍ خُلقي يليقُ بحب المسيح وحضوره. لو كان غير بولس الذي كتب هذا لكان ممكنا وجائزًا الشَّكُ فيه. لكن من حارب المسيح وكنيسته لابد وأنه يقول الحق وإلا لما إنقلبَ من عدُّوٍ للمسيح الى مُبَّشرٍ به حدَّ الموتِ من أجله. وإذا شهدَ للحق فحتى نؤمن نحن ونحيا بالمسيح ومعه وله (رم11: 26).

3* الأنجيل : يوحنا 6 : 51 - 64
يسوع هو خبزُ حياة البشر. من يأكله في القربان يتحَّولُ اليه فيحيا معه حياةً الهية مدى الأبد. كثَّر يسوعُ الخبز مرَّتين ليُطَعِّمَ الجموع الجائعة. ولكن الجائعين الى كلمة الحق والبر هم كلُّ البشر وليس بعضهم. فما عمله كان رمزًا فقط وتهيئة لما عمله في القربان. لم يُعطنا خبزًا من الأرض. بل خبزًا سماويُا. لقد فعلها مرَّة فقات شعبه أربعين سنة بـ" المن والسلوى". لكن ذلك الطعام لم يُحَّولهم الى فكر الله. بل ظلوا يقاومون مشيئته. أما الآن فيعطي طعامًا يقدر أن يحَّولَ المؤمن الى إلَـهٍ في السلوك. لقد تحَّول الله نفسُه الى غذاءٍ يُنَّمي حياته فينا. ثمَّ " طعَّم" زيتونتنا البرية بفرع إِلَـهي. أخذ خبزَنا الأرضي وحَوَّله الى ذاتِه ثم أعطاه لنا قوتًا يُغَّذي حياتنا فنُصبحَ الهةً بسلوكنا. نتناولُ جسد المسيح ونتصَّرفُ مثله في حياتنا الأجتماعية. إن كانت حياتنا الجسدية من تراب إلا إنَّ وجودَنا الروحي، الفكري والعاطفي، فمن حياة الله مباشرة (تك2: 7) . وهذا الوجود لا ينمو ولا يكتمل بقوة الخيرات الروحية وحدَها بل"بكل كلمة تخرج من فم الله " (متى4:4؛ تث8: 3). وكلمة الله أحَّبنا فـ " صار جسدًا وحَّلَ بيننا ". وجعل مقامه عندنا بشكل خبز ليبقى في المؤمنين الذين يُحَّبونه ويسندهم في مسيرتهم الأرضية (يو14: 23)، ليضمنوا أبديةً سعيدة ومجيدة في فردوس الله.
لم يستوعب اليهود هذه الحقيقة. ولا حتى بعضُ تلاميذه فتخَّلوا عنه وآنقطعوا عن مصاحبته. إنهم قاسوا كلام يسوع بميزان حكمتهم ومنطقهم البشري. إعتبروا الحديث بحرفيته وحسبوا أنه سيقدم جسده فيُذبح ويأكلون من لحمه. لم يفقهوا كلامه وأنه يعني سرَّ القربان الذي سيؤَّسسُه عشية صلبه والذي سيشير الى موته الكفَّاري والفدائي. وهذا الموت سيبقى أمام عيوننا علامة الرمز الخلاصي ويُحَّول حياتنا نحن المؤمنين به الى موت عن الشر والفساد، الى موت عن فكر العالم وروحه مثله هو وبقوته. ويُصبح تعليم يسوع المسيح دستورًا يُحَّققُ بين البشر السلام والوئام، فتكون الحياة على الأرض بين الناس كما هي داخل الله نفسه.
قدَّم البشر لله ذبائح غير لائقة بقداسته وجلاله. أما هو فقَّدم للبشر أغلى ما لديه. هذا هو الحب الصادق والحقيقي. والمسيح أراد أن يُطّعمنا بهذا الحب وأن نتدَّربَ عليه في سر القربان من السجود له وتناوله والإمتلاء من حياته ليكون كلُّ واحد منا مسيحًا آخر في العالم ينشر الحقَّ ويدعو الى البر، ويعطي المثال عنهما في سيرته.

القس بـول ربــان
 

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com