الأحـد الثاني للرسـل !
2017.06.11
تُتلى علينا اليوم القراءات : أع 4: 5-22 ؛ 1كور5: 6-13 ؛ لو7: 31-50
1* القـراءة : أعمال 4: 5 – 22
بعد شفاء الكسيح في الهيكل يخطب بطرس ويوحنا في الشعب فيدعوانهما الى الأهتداء و الأيمان بيسوع فالتوبة. إستاءَ الكهنة والحرس والصدوقيون من تصَّرف الرسولين فأمسكوهما وسجنوهما. أثناءَ ذلك يؤمن الآلاف بيسوع. أثارت المعجزةُ بالأكثر قلق القادةِ وهَيَّجت شجاعةُ الرسل سخطهم فأرادوا وضع حَّدٍ للأمر قبل أن يستفحل ويخرج الشعبُ عن طوعِهم.
إجتمع القادة كلُهم : الرؤساء والشيوخ والمعلمون ورؤساء الكهنة وأبناؤُهم للنظر في القضية وآتخاذ الإجراء اللازم. سبق لهم وآعترضوا على يسوع لآتخاذ حريته تجاه الهيكل و التدخل في شؤونه فآعترضوا عليه :" بأيّ سلطةٍ تعملُ أعمالك؟ ومن أعطاك هذه السلطة "؟ (متى21: 23). واليوم يوجهون السؤال نفسه الى تلاميذ يسوع :" بأيِّ سلطةٍ أو بأيّ إسمٍ عملتما هذا ؟". يرُّدُ بطرس بقوةِ الروح القدس بأنه تم بآسم " يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه، وأقامه الله، وهو حجر الزاوية " لبناء مملكة الله على الأرض، ولا يوجد " اسمٌ " آخر، لاموسى ولا إيليا ولا داود ولا ...به يخلص الناس. يندهش أعضاء مجلس القضاء من" جرأة التلميذين وقد عرفوهما أمّيين من عامةِ الناس"، وينحرجون أكثر لرؤية الكسيح المعافى الى جانبهم و يحتارون في أيِّ قرار يتخذون بحَّقِهم. أخرجوهما من المجلس وتشاوروا فيما بينهم. المعجزة بَيِّنةٌ لا يمكن نكرانها. وأيٌّ إجراء عنيف ضد الرسل ينقلبُ وباءًا على رأسِهم. ولكن تركُ حبل التبشير حُرًّا للرسل يساعدُ على إنتشار خبر الآية وآزديادِ عدد المؤمنين بيسوع أنه المسيح. حربهم ضد المسيح لم تنتَهِ. ورقعةٌ الأيمان به تتسع وتُهَّددُ بمستقبل سُلطانهم. لم يجدوا حَّلاً غير التنديد بهم وإنذارِهم بمصير أتعس من مصير يسوع ، فمنعوهم من التبشير بآسم يسوع. لكن الرسل لن يخيفَهم بعدَ الآن لا تهديدٌ ولا تنديد. لقد إعتمدوا بالروح القدس فآمتلأوا منه. و لن يُبَدّلوا طاعة الله بغيره، ومستعدون لتحمل نتيجة ايمانهم وتبشيرهم. كرر القادةُ إنذارهم لهم بالعقاب ولم يتجاسروا أن يفعلوا أكثر من ذلك " خوفًا من الشعب". المعجزة تفقأُ العين. رجلٌ لم يمشِ أربعين سنة يمشي الآن ويقفزُ ويُمَّجدُ الله. لم يخافوا الله لأنهم لم يعرفوه قط (يو8: 19) . لم يعترفوا بالحقيقة بل أرادوا طمسَها مع حقيقة المسيح، فرفضوا التحَّررَ من ذاتهم وأفكارهم (يو8: 31-32). لقد أعمت الكبرياءُ قلوبَهم فظلوا يقاومون كلَّ ما يُعارضُهم ويحاربون كلَّ من خرج عن طوعهم. لقد صَمَّموا على المُضيِّ في مقاومةِ كل ما لا يتَّفقُ مع تعليمهم والقضاءِ على كل داعيةٍ لا يتفق مع مصالِحِهم.
2* الرسالة : 1 كورنثية 5 : 6 – 13
وقعَ في كورنثية حادثُ زنًى علني. ومع ذلك ظلَّ الكورنثيون " ينتفخون كبرياءًا " بحكمتهم و ثقافتهم. كان الأولى بهم بالأحرى أن يخجلوا " وينوحوا فيُزيلوا الفاسد من بينهم". فيكتب لهم بولس معاتبًا إيّاهم بشدة وبمرارة. ويدعوهم الى التفكير بالنتائج السلبية الوخيمة لهذا العمل السَّييء المخزي والمُلام من كل انسان كريم وخلوق. وحدَه السكوتُ على مثل ذلك مُعابٌ فكيفَ بتأييدِه والإفتخار به !. إنَّ المثل الرديءَ بذاته داءٌ وبيل فكيف بقبوله ؟. إنَّ ذلك ضربٌ من التشجيع. الزنى فعلٌ غريزي يُقَّربُ الأنسان من الحيوان لأنه يُقَّدسُ غريزة الجسد المادي ويميتُ بالمقابل أو يُضعفُ بروز الروح وسُمُّوه على الجسد. وشَبَّه الرسول الزنى بالخمير. و
كما " إنَّ قليلا من الخمير يُخَّمرُ العجينَ كلَّه " هكذا فساد مؤمن واحد يُعدي الجماعة المؤمنة كلها. فعلى الجماعة أن تحذرَ الفساد وتحميَ نفسَها من شَرِّه. عاشَت الأنسانية حتى مجيء المسيح متقوقعةً في أهواء الجسد وشهواته الغريزية. أما مع المسيح فقد بدأ عهدٌ جديد، عهد العيش في الروح وسلوك سبيله. لقد " حكم المسيح على الخطيئة في الجسد"، و" وهبت شريعة الروح الحياة في المسيح فحَرَّرتنا من الخطيئة والموت " (رم8: 1-4). فأصبحَ المسيحي بذلك " خميرًا جديدًا" ينشر القداسة في " النقاوةِ والحق". وأمثال هؤلاء لا يليق بهم حتى ولا أن " يختلطوا " مع المُفسدين من أهل العالم، فكم بالأحرى أن يتجنَّبوا إخوةً مؤمنين" زناة أو فُجَّارًا أو سُرّاقًا أو عُبّادَ أوثان "؟. لقد سبق وطلب الله " إزالة الفاسدين" من بين شعبه لئلا يُعْدُوه بفسادهم (تث17: 7)، وبالمقابل أن " يكونوا قديسين مثل الرب نفسه "(أح19: 2). وكما لم يفسدْ جسدُ يسوع بالموت هكذا لا يليق بالمسيحي أن يُفسدَ جسدَه بالخطيئة. ولا يليقُ أن يُصبحَ المؤمن الواحد سبب فساد جسم المسيحية كله. لذا على الجماعة المسيحية أن ترفضَ الشر في الآخرين وتتجنب الإخوة الأشرار الرافضين تغيير سلوكهم المُخزي.
3* الأنجيل : لوقا 7 : 31 – 50
أعلن لوقا أولا بأنَّ الناس لا يفقهون جيّدا الحكمة الألهية بل يُعارضونها وينتقدونها. لماذا يوجد الشر؟ كيف يتألم البارويتنعم الشرير؟ إذا قسى رجال الله مع الشريعترضون. وإذا هادنوا الناس الأشرار يعترضون. هكذا لم يفهموا الحكمة الألهية في سلوك المسيح. لكن من لهم فكرُ الله و روحه آمنوا بالمسيح وقبلوه لأنَّ أحداث الحياة برهنت أنَّ حكمة المسيح في الإخاء والمحبة و الغفران والتعاون كانت هي الأفضل. لأنَّ حكمة البغض والعنف والسيف تُدَّمر ولا تُعَّمر.
بعد هذا قصَّ خبر الزانية التي ارتمت على أقدام يسوع، في بيت سمعان الفريسي، تبكي حتى بللت أقدامه بدموعها ثم نشَّفتها بشعرها وعطَّرتها بالطيب. إستدَّلَ الفريسي من ذلك أن يسوع ليس نبيًا وإلا لعرف أنها خاطئة ولطردها ولم يدع تقترب منه هو ، إن كان قدوسَ الله. تبَيَّن في عيني نفسه حكيما ومؤمنا. لكن يسوع بيَّنَ له أنَّ حكمته تلك زائفة لأنه لم يعرف عن المرأة ما عرفه يسوع. لم يعرف أنها عرفت الله وأحَّبته وتندَّمت عن سوئها فتابت على قدمي يسوع. عرف أن دموعها كانت توبَتَها، وأنَّ عِطرها كان غفران الله لها. لقد تغَيَّرت في داخلها وقررت أن تنهي علاقتها بالشر فتسلك من ثمَّ سبيل البر، سبيل محبة الله وحفظ شريعته.
وبهذا بيَّنَ يسوعُ للفريسي أنه يتظاهر بالأيمان ومعرفة الله لكنه يغُّش نفسَه بمراءاتِه ونفاقِه. لقد دعا يسوع للطعام لكنه قصَّر بحَقّه في واجب الضيافة والمحبة والأحترام. ويدين الخاطئة بأنها لا تعرف الله ولا تحفظ شريعته بينما هو المقَّصر. أدان الفريسي حكمة يسوع، بينما حكمته هو هي الفاشلة. ويسوع برهن أنَّ حكمته حقيقية وناجحة لأنها مطابقة لمشيئة الله. والله وحده قياسُ الحكمة وميزان الحَّق، لأنه هو العارف بكل شيء والقادرعلى كل شيء. إنه هو صانع الأنسان ومنَّظم حياتِه. وهذا الله خرج، بسبب حبه العظيم، عن ذاته وخلق صورة له. ولأنه أحبه لا يريد أن يموتَ إذا أخطأ، بل أن يتوب ويحيا أمامه (حز18: 23 ).
يخطأ القادة البشر، ويخطأ الأنسان عامةً عندما يتكل على نفسه في قراراته وتصَّرفاته. يُنفي الله عن حياته وهو صورة الله. يتكل، في رؤيته للأشياء وأحكامه في الحياة الأجتماعية، على عقله وقلبه فقط، في حين ليس عقله ولا قلبه إلا قبسًا من شعاع فكر الله وحًبِّه. وكان الأجدر به أن يتصل بمصدر الحكمة والبر، شمس الحقيقة ونموذج الأخلاق، الله ذاته والذي أرسله يسوع المسيح ومنه يأخذ المشورة ولمشيئته يخضع بتواضع ومحبة. فالحكمة أن نفهم المسيح ونقبله.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com