الأحــد الأول للرسـل !
عــيد العـنصرة 2017.06.04
تتلى علينا اليوم القراءات : أع2: 1-21 ؛ 1كور12: 1-27 ؛ يو16: 1-15
1* القراءة : أعمال 2 : 1 – 21
تقُّصُ خبر حلول الروح القدس في اليوم الخمسين للقيامة. يبدأ الحدثُ بهبوب ريح عاصفة تذكرنا بالرعود والبروق التي سبقت لقاء الشعب المختار بالله مع موسى على جبل سيناء (خر19: 16-17 )، وبالريح الشديدة التي سبقت لقاء إيليا بالله على جبل حوريب(1مل19: 11-13). ثم ظهرت ألسِنةٌ من نار لم تُحرقهم مثل ذبيحة إيليا (1مل18: 38)، بل حفظتهم كما فعلت نار الأتون برفاق دانيال (دا3: 25)، ثم توَزَّعت على واحد واحد من التلاميذ وعددهم 120 مؤمنًا (أع1: 15). لقد حَلَّ الروح الذي وعد به يسوع على البشرية، بخاصّة المؤمنة، أولا بشكل عام،" على كلهم"، ثم توزَّع بشكل خاص على الأفراد. الروح الذي كان يرفرفُ على الكون عند خلقه الأول (تك1: 2) يحميه ثم جزَّأَه الى عناصر فخلق كل الكائنات، رفرف الآن أيضا على الأنسانية الجديدة الممثلة بالمؤمنين الأوائل بيسوع المسيح ليُجَدِّدَها ويُطَّورَها لا في شكلها المادي بل في روحها المحيية، في طريقة تفكيرها وتصَّرفها.
وأولى ثمار الخليقة الجديدة أنَّ المؤمن بالمسيح يتفاهم مع جميع الناس فينطق بلغاتهم ، بما تصبو إليه نفوسُهم، وبالمقابل جميع الشعوب قادرة على فهم لغة تلاميذ المسيح، لأنها لغة السماء. فيؤكد لوقا بأنَّ الذين تقاطروا الى العلية " جاؤوا من كل أمَّةٍ تحت السماء ". وكانوا " كلهم حائرين ومذهولين" مما يحدُثُ. لم يعاينوا قط ولا سمعوا أنَّ شيئا مماثلا قد سبق فحدث. بل حدَثَ عكسُ ذلك في بابل عندما لم يَعُد أبناءُ الشعبِ الواحد يتفاهمون فيما بينهم فآنقسموا على بعضهم وتشَّتتوا في الدنيا !(تك11: 5-9). لقد فارقهم روح الله ، روح الحب والإخاءِ و التفاهم والتعاون فلم يتحَّملوا العيش معًا فتفَّرقوا. أما هنا فقد جاؤوا من بعيد، ولما وَحَدَّهم روحُ الله، وهو محَّبة (1يو4: 8)، آرتاحوا الى بعضهم وأصبحوا يتفاهمون بالتبادل. حيث يحضر الله يرتاح الناسُ أبناؤُه. و يتفاهمون فيما بينهم. والمسيح زوَّدَ رسله بالحضور الألهي الدائم. و رسالتهم الهية تشمل كل الأمم وتجمع في المسيح كلَّ الناس.
2* الرسالة: 1كورنثية 12 : 1 – 27
هذا الروح الذي حَلَّ على البشرية كلها، وبنوع مُمَّيَز على من يؤمن بالمسيح، مهمته أن يُطَّعمَ حياة البشر بروح الله فيُلهمُ الناس، كلَّ واحد بطريقة معَيَّنة ومختلفة، أن يسلك سبيلا مُحَدَّدًا في بناء الحياة الأجتماعية. وهذه الطرق المختلفة تُدعى " مواهب روحية " هي عمل الروح في الأنسان " للخير العام". الجسد واحد يحَقّقُ حياته بالعمل من خلال أعضاء كثيرة متباينة يؤدي كل واحد دوره في الجهد العام لبلوغ الهدف المنشود. هكذا المسيح والمؤمنون به يشَّكلون جسدًا واحدًا، يسوع الرأس والمؤمنون الأعضاء، يسوع يُحَّركُ الجميع ولكن كل واحد يؤدي دورا خاصًّا مختلفًا عن غيره، يُلهمُه له الروح ويعضُدُه فيه، حتى تكتمل كل مستلزمات ملكوت الله. عمل كل عضو يكتملُ بعمل الأعضاء الآخرين دون تضارب أو تعارض، بل بآنسِجامٍ وآكتمالٍ. لأنَّ الذي يُلهمُ كلَّ الأعضاء و يُحَرِّكُها هو نفسُ الروح الألهي الواحد.
كما تتكاملُ الأعضاءُ ببعضها كذلك تتأثرُ ببعضها. فإذا تخاذل مثلا عضوٌ وفشل في عمله تألم

وتأذَّى كلُ الجسم. لأنَّ جزءًا من الجسم عطل فسَبَّبَ نقصًا للجسم كله. إذا سقط بُرغِيٌّ تتعَطَّلُ السيارة بكاملها. وإذا عملت كلُ أجزائها بالدقة المطلوبة فهي تسير بنجاح وتنقلُ مستعمليها حيث يشاؤون. ليس ضروريًا أن تتساوى الأجزاءُ ببعضها وتؤدي دورًا مشتركًا. مساواتها بأداء الدور المطلوب منها، صغُرَ أم كبُر. هكذا في جسم المسيح، كنيسته، تكثرُ الخدمات و تختلف عن بعضها لكنها تتساوى بأداء الخدمة المطلوبة منها لبناء الملكوت.

3* الأنجيل: يوحنا 14: 15-16، 25-26 ؛ 15 : 26 ؛ 16 : 1 - 15
والسبيلُ الى نيل مواهب الروح هو محبة يسوع والألتزامُ بما أوصى به. حلول الروح وتحديد مهمته لا ترتبطان بإرادة الناس. إنها عطية مجانية من الرب. يمكن للأنسان أن يُعرقلَ عمل الروح ولا يتقيد به. لكنه لايقدر أن يُخرجه من حياته. لأنه كما يبقى يسوع مع كنيسته طوال الدهر هكذا أيضا يبقى الروح مع المؤمنين " إلى الأبد". ودوره أن يُعَّلم الناس كلَّ شيء تحتاج اليه خدمتهم، لاسيما أن يفهموا عمقَ فكر يسوع؛ وأن يُذكرهم بتعليمه حتى لا يتغَّلب عليهم فكر العالم؛ وأن يُثَبِّتهم في إيمانهم بيسوع شاهدًا أنه الحق، فلا يضعفوا أمام مضطهديهم وينكروه ؛ ويسندهم في جهادهم وضيقهم فيصمدوا في شهادتهم له.
عرف يسوع أنَّ أهل العالم لن يتوقفوا عن إضطهاد أتباعِه. لا بل يتضاعفُ حقدهم ضِدَّهم و يشَّوهون الأيمان الى درجة أنَّ قاتليهم" يظنون {ويدّعون كما يفعل الأرهابيون} بأنهم يُؤَّدون فريضةً لله " (16: 2). لكن إدعاءَهم لن يُغَّير حقيقة المسيح. يبقى يسوع هو الحق، لأنه هو الله. والحَّقُ لا يفرضُ نفسه بالسلاح والدم. الحَّقُ واثقٌ من نفسِه ومطمئن بأنه سيعلو دوما ولن يعلوَ عليه شيءٌ. فهو لا يُحاربُ الشر والفساد والضلال بالسيف. إنه مثل نور الشمس يفرضُ نفسَه بخيره ونعيمه. ومهما عارضت غيوم الضلال سبيله لن تقدر أن تمنعه من بث الحياة في البشرية. يستمرُّ في الأشعاع والتدفئة. لذا لا يعمل يسوع شيئًا لإزالة الشر عن طريق تلاميذه. بل يزَّودُهم بقوة تفوقُ قوة العدو لينتصروا بدورهم على الشر كما فعلَ هو، حتى ولو بشهادة الدم مثله. أنتم شهودٌ لي، وكما إضطهدوني سيضطهدونكم. ولكن " تشَجَّعوا، أنا غلبتُ العالم"، لأنَّ " سَيِّدَ هذا العالم قد أُدين وحُكِمَ عليه ".
لم يكن الرسل، ولا مؤمنو اليوم، قادرين على أن يستوعبوا، في دفعةٍ واحدة، كل تعليم يسوع وإرشاداته. فوعدهم بأن يرسلَ لهم روحه الألهي لـ" يُرشدَهم الى الحَّقِ كله " (16: 13) في أوانه، حسب حاجة كل إنسانٍ أو مكان أو زمان. لأن الروح ليسَ سوى الأقنوم الثالث من الله. و وحي الله وإلهاماته لن تحُلَّ كلها مرَّةً واحدة، بل تتم على مراحل متباعدة، متتالية ومتكاملة ، حسب نمو فكر الأنسان وظروفه وحاجاته. فكما "من رأى يسوع رأى الآب" لأنه "هو والآب واحد" (يو10: 30؛ 14: 9)، هكذا ليس عمل الروح سوى إستمرارية لعمل الأبن لأنه لا " يتكلم من عنده " بل يُتابع " كلام الأبن". وبما أنَّ كلامَ الأبن ليس سوى كلامِ الآب فيكون كلامُ الروح بالتالي وعملُهُ كلامَ اللهِ الواحدِ وعملَه. وبما أنه ليس للكون والخلائق سوى إلَـهٍ واحد هو الخالق، ومُخَلِّصٍ واحد هو المسيح، لذا ليس للبشر كلهم سوى مرشدٍ واحد هو الروحُ القدس الذي يوحي بمشيئةِ الله ويضمنُ عون الفادي ويُحيي بالحق ليقودَ الكون الى خلاصِهِ.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com