الأحـد السابع للقـيامة !
2017.05.28
تتلى علينا اليوم القراءات : أع1: 15-26 ؛ في1: 27 – 2: 11 ؛ مر16: 9-20
1* القـراءة : أعمال 1 : 15 – 26
إختيار الرسول البديل ليهوذا الأسخريوطي. لقد عاد الرب الى السماء. وسَلَّمَ قيادة كنيسته الى بطرس، يُعاونه الرسل والمؤمنون. شعر بطرس بالفراغ الذي خَلفه موت يهوذا. وأوحى اليه الروح أن يبدأَ ويمارسَ سلطته ومهمته فيفعل ما فعله الرب ويملأ الفراغ بدعوة رسول جديد كما توحي اليه المشيئة الألهية، " ليأخذ وظيفته آخر"(مز109: 8). والرسول الجديد، مثل رسل كل الأجيال التالية، لن يُعَّلمَ شيئًا من عنده بل " يكون شاهدًا معنا (الرسل) على قيامة يسوع"، و سبق فرافقَ الرسل في معرفة يسوع والتلمذة له (آية 21-22).
وكان ينبغي أن ينتمي التلميذ الجديد الى مصَّف المختارين فيعتمد مع البقية " في الروح القدس". وطريقة الأختيار الجديدة حَدَّدها الأيمان كالآتي: الرب يدعو التلاميذ، وهم بمثابة الكهنة، والكنيسة تُرَّشح من بينهم من ينالون منصب القيادة وينتمون الى مصّاف الرسل، وسيوحي الرب من قد إختارهم هو، وينالون تثبيت الرب لهم " بمعمودية الروح القدس"، أي بوضع يد الرسل السابقين باسم الرب وبالطلب منه أن يُزَّودَهم بسلاحه الألهي، الروح القدس، ليؤَّدوا مهمتهم بنجاح. كما كان يسوع " إلَـهًا وإنسانًا" هكذا تكون خدمة الكنيسة "إلَـهية و إنسانية ". الله يعمل من خلال البشر والبشر يعملون بقوة الله ودعمه، لأنهم يُتابعون عملَه. " وذهب التلاميذ يُبَّشرون في كل مكان والربُ يُعينهم ويُؤَّيدُ كلامَهم بما يُساندُه من الآيات " (مر16: 20). وما تزال الكنيسة من ذلك الحين والى يومنا تتابعُ نفس التقليد، وتؤَّدي نفس الشهادة ، وتختار رسلها بالتعاون مع مشيئة الله ومساندته.
2* الرسالة : فيلبي 1 : 27 – 2 : 11
هؤلاء رسلُ كلِّ العصور يقتفون نموذج الرسل الذي أخذوه بدورهم عن المسيح نفسه. عليهم أن يكونوا متحّدين بينهم في الأيمان الواحد " ثابتين يروح واحد ومجاهدين بقلب واحد" و مُكَّملين ايمانهم بشهادة قبول الألم من أجل المسيح، " فمن النعمةِ أن تُدركوا مشيئة الله فتصبروا على العذابِ مُتحَّملين الظلمَ" (1بط2: 19)، كما فعل الرسل، " و خرجوا من المجلس فرحين ، لأنَّ اللهَ وجدَهم أهلا لقبول الإهانة من أجل اسم يسوع " (أع5: 41). وحدتهم تنهاهم عن " التحَّزبِ والتباهي" وتحُّثهم على إعتبار الآخرين أفضل من نفسهم " طالبين منفعة غيرهم أكثر من ذاتهم، مُصَّورين المسيح في كل فكر وفعل وقول. فالرسالة تتطلب الخروج عن الذات و التخَّلي عن الأنانية وتتطوَّعَ بلا آنقسام لخدمة قضية المسيح ورسالته.
وقدَّم مار بولس لأهل فيلبي صورة المسيح التي يجب أن تتجسَّدَ في كل رسول ، وكل عصر ومصر. فالمسيح يسوع ، الأله المجيد والجبار والخالق والدَّيان، يتخَّلى عن مجده الألهي وغناه و يتحَّلى بضعف الأنسان وذله، يتواضع ويخضع ،لا فقط لله بل وحتى لشريعة البشر، يُهان و يُعَّذبُ ويُذَّلُ كأجرم إنسان { وهو القدوس البار} بلعنة موت الصليب (غل3: 13) وذلك حُبًّا بالبشر وطاعة لله. لقد داس على الفكر الأنساني الذي يتعالى وينتفخ من دون سبب، ويطلب المظاهر والأهواء بدون تعَّقل أو مُبَّرر وخلافًا للطبيعة الأنسانية ذاتها. لقد قدَّس التواضع وبرَّر بالالطاعة لله صاحب الوجود والخيرات والواضع سُنَّةً للحياة. وتصَّرفُ المسيح هذا لم يقَّلل من
قيمته بل رفع شأنه حتى" تسجد لآسمه كلُ ركبةٍ في السماء وفي الأرض وتحت الأرض" (آية 10). لقد قلَّبَ موازين الفكر البشري وبرهن بالأفعال أنَّ الحَّقَ والبر لا تثبتان في القُوَّةِ والعنف
بل بالحب والتواضع ومثل الحياة. هذا هو المسيح الرب، وفي هذا تكونُ شهادة تلميذُ المسيح و رسوله. هذا هو نموذج سلوك كنيسة المسيح. شهادتها وكرازتها في تجسيد حياته في حياتها اليومية وتعليمها المتواصل.
3* الأنجـيل : مرقس 16 : 9 – 20
موت صليب العار لم يكن فشلا للمسيح بل عظمة وقوة ونصرًا لم يعرفها التاريخ في غيره، لأنها كانت علامة الحب العظيم والتضحية الكبرى. ودليل إنتصاره بقيامته المُمَّجدة. وبرهان حقيقة ذلك ظهوراته، بعد موته ودفنه، حَيًّا مجيدًا قديرا على كل شيء. ولم يكن ظهوره خيالا ولا " خرافاتٍ مُلَّفقة " من رغبة البشر، بل " رأينا بعيوننا عظمته" (2بط1: 16). ولولا هذه الرؤيا المباشرة المُفحِمة لما صّدَّقوا المجدلية (آية 11)، ولا بقية النسوة (لو24: 22-24)، ولا تلميذي عماوس (آية 12). حتى لامهم يسوع على قلة ايمانهم بشهود قيامته الأوائل الأفراد مع أنه سبق وأنبأهم بقيامته. قيامة المسيح غَيَّرت المفاهيم والقيَم وغيرت التأريخ. كما كان تجّسُدُه مُغَّيرًا للفكر وسلوكُه مُنعِشًا للروح الألهية في الأنسان، وتجَّدَدَ بذلك الإنسان والكون معًا.
هذا الأنسانُ المُجَدَّدُ بروح الله يُرسله المسيح الى العالم بتعليم جديد وبطريقةِ تعاملٍ مختلفةٍ مع الناس، بمحبة وآحترام، ويُزَّوده بسلطانه الألهي لينتصرَ على قوى الطبيعة ويدوسَ قوة العدو الشرير، ويعملَ كلَّ خير لجميع فئات الناس. فقيامة المسيح أقامت الرسل والتلاميذ من غفوتهم وأخرجتهم من أوهامهم ، وعن طريقهم يريد الله أن يقيم كلَّ البشر، كلَّ الشعوب من سقوطهم في الشر والباطل ، ليضعهم من جديد على سِكَّةِ الحياة الحَّقة.
الأيمان بالمسيح كنزٌ لا يُضاهيه آخر، ولكن لا ليوضَع على الرفوف في الكتب، ولا فقط حتى يُتغَّنى به في الطرقات وعلى الشاشات، ولا ليُفتخرَ به للتعالي على غيره، بل لكي يُعلن بشهادة الحياة، قولاً وفعلاً ، دعوةً صادقة لخلاص البشرية. ومن يحيا ويفعل كذلك " يُعينه الرَّبُ و يُؤَّيدُ كلامه ويسانده بالآيات " (آية 20).
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com