الخميس : عــيد الصعـود !
2017.05.25
تتلى علينا اليوم القراءات : أع1: 1-14 ؛ 1طيم1: 18-2: 15 ؛ لو24: 36-53
1* القراءة : أعمال 1 : 1 – 14
بين القيامة والصعود. يسوع يُكثف للرسل براهين قيامته، ويُضاعفُ ظهوراته لهم ويزَّودُهم بآخر تعليماته عن كيفية إدارة كنيسته. يؤَّكد لهم عن عمادهم بالروح القدس الذي لا يتأخر فيحُّلُ عليهم ويعضدهم في خدمتهم ويُقَّويهم للتغلب على صعوباتهم فيشهدوا له بفرح في الجهادِ والضيقِ والألم. لن يغادرهم إلا وقد إطمأنوا فوثقوا به فوق كلِّ حد وهم على قاب قوسين أو أدنى من إستلام ومباشرة مهمتهم والأنطلاق في إظهار جدارتهم بالمعلم الحبيب.
ليس الصعود غيابًا لا نهائيا ولا كليا. سوف يعود اليهم من جديد. بل سيبقى معهم بشخص الروح القدس. " لن أدعكم يتامى.. لن يراني العالم أما أنتم فتروني..ستعرفون أني في أبي، و أنكم أنتم فيَّ مثلما أنا فيكم" (يو14: 18-20)، لأني" أنا الكرمة وأنتم الأغصان" (يو15: 5). غياب المعلم هو مثل غياب الطيور لتدع فراخَها تنطلق في حياتها تكافح وتكتب للتأريخ قصَّتها الخاصّة. سيغيب المعلم بالجسد ليأخذ الرسل والتلاميذ دورهم ويبنوا صرح مملكة الله التي ألقى المسيح أَساسها ورصد لها من الخير ما تحتاج اليه. لن يتشَّبثَ المعلم بعرش سلطانه ولم يقللَ من قيمة تلاميذه وقد إختارهم بنفسه. وإن أراد ان يحرثوا حقله فلابدَّ أن يثقَ بهم و يُسَّلمهم المحراث.

2* الرسالة : 1 طيمثاوس 1: 18 – 2 : 1-15
لقد أدركَ التلاميذ درسَ معلمهم. وآنطلقوا بحماس وشوق ليُفرغوا خبرتهم في أذهان غيرهم و يقاسموهم فرحهم وراحتهم. ثم بادروا الى تدريب خلفاء لهم وتكوين رسلٍ جدد يحرثون حقولا جديدة أو يملأون الفراغ الذي سيتركونه بغيابهم وآختفائهم. يُهَّيئون الرسل الذين يستلمون منهم الراية ويجاهدون في بلاد أخرى ويشهدون للمسيح أمام شعوبٍ مختلفة. هكذا فعل بولس مع معاونيه والمجاميع التي عرَّفها على المسيح. وهنا يلقن أحد تلاميذه التعليمات الضرورية لبناءِ جهادِه على الأيمان والضمير السليم. ثم يمليه الأرشادات الضرورية لتكوين جماعاتٍ مؤمنة تصبو على عيش حياةٍ " مطمئنة وهادئة بكل تقوى وكرامة " (آية 2:2). الله يريد خلاص كل الناس. وخلاصهم يتوقف على معرفة الله والأيمان بالمسيح. والرسول يُلقن تلميذه كيف يُعَّرفُ بالمسيح ويبني حياة المؤمنين بالدرس والصلاة. وأيضا بالتحَّلي بالأخلاق الحميدة التي يقتضيها الأيمان والشهادة لأهل العالم " لا بالمظاهر بل بالتقوى والأعمال الصالحة". ويخَّصصُ فقرة بالمرأة التي يدعوها الى عدم تحَّدي حدود دورها ودعوتها في أن تشَّكل معينة لزوجها، كما هي دعوتها (تك2: 18)، لا منافسة. ومدعوة أن تؤَّدي عونها بالخضوع لزوجها والتعلم منه. لأنَّ الحياة الأيمانية أيضا تتطلب نظامًا يُلتزَمُ به (1كور14: 32-40؛ 2تس2: 15).

3* الأنجيل : لوقا 24 : 36 – 53
هذه تعاليم النظام والسلام أخذها الرسل من تعليم المعلم (1كور14: 37). أمورٌ كثيرة تعَوَّد عليها الرسل لكن الرَّبَ ألغاها أو أعاد صياغتها. آلامه، موته وقيامته لم يهضموها كما ينبغي. بل شكوا حتى في قيامته (آية38) وآعتقدوا أنهم يرون شبحا وظلوا غير مُصَّدقين (آية36 و 41)، إلى أن أكلَ أمامهم "سمكًا مشويًا". يُبَدِّدُ يسوع أوهامَهم. يَفتح آفاقَ ذهنهم ليستوعبوا ما قاله الكتاب ولا يخلطوا الجديد بالقديم. يُعيدُ الى أذهانهم ما أوصاهم بهم من قبلُ. يؤَّكدُ لهم أنَّ دورهم أن ينقلوا بأمانةٍ ما سمعوا عنه وشهدوا فيه. لن يخترعوا جديدًا بل يُقلدون معلمهم فيما
قال أو فعل. لقد زوَّدهم بالمعلومات وأراهم نموذجا للسلوك وسيُعينهم على إيصال ذلك الى غيرهم.
نبَّه الأنجيلي الى أنَّ الرب أكَّدَ بأنَّ حياته تتمة للعهد القديم. فيربط بذلك التواصل في الوحي من العهد القديم الى الجديد. لا يوجد عهدان بل واحد. وعد به الله الأنسان بعد ما أخطأ، وهو أنَّ يُخَّلصَه. هذا الوعد بدأ الله بالتحضير لتحقيقه على يد إبراهيم فتعاهد معه على حمايته وإنمائه مقابل أن يؤمن به ويلتزمُ بالآنتماء اليه والسماع لكلامه بحفظ وصاياه فالتقَّيد بتوجيهاته. وجدَّد الله العهد على يد موسى ورسم خطوط وجه المنقذ الموعود (تك3: 15) وأنه لن يتأخرَ في المجيء. وآستمَّرَ الله يتابع إيحاءاته بواسطة الأنبياء يكمل ملامح المُخَّلص. لم يقوَ التلاميذ على جمع الأشارات وربطها ببعضها. قام يسوع بنفسه بهذه العملية ليُسَّهل لهم المعرفة فشرح لهم ما جاء عنه في " شريعة موسى وكتب الأنبياء والمزامير" ، أي الكتاب المقدس كله ، فاتحًا أذهانهم لفهم" الكتب المقدسة " ، مؤَّكدًا أنه هو الذي عقد العهد من جديد وللأبد " بدم ذبيحته " (عب9: 26؛ 10: 10 و19).
أراد لوقا بهذا أن يُفهمَنا بأنَّ مصدر ايماننا هو الكتاب المقدس. وأنَّه لن يتحققَ فقط بجهد فكرنا الأنساني. بل يحتاج الى أنوار الروح القدس. والروح القدس لن يتحدَّث الى كل فرد بمفرده. بل يُغيث الروحُ جهلنا بكشف الحقيقة للرئاسة الكنسية. كما شرح يسوع للتلاميذ الأوائل سيشرحه لتلاميذ بقية العصور عن طريق تعليم الكنيسة التي وحدها مُؤّهلةٌ لأداء هذه الخدمة ، والتي من واجبها أن تقَّدمها للأجيال المتلاحقة.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com