الأحـد السادس للقــيامة !

2017.05.21

تتلى علينا اليوم القراءات : أع10: 1-16   ؛   اف2: 4-22   ؛   يو17: 1-26

1* الـقراءة : أعمال 10 : 1 16

خبر إهتداء أول عائلة وثنية الى الأيمان بالمسيح وطلبها الأنتماءَ إليه بالمعمودية. إنها عائلة قائد المئة والضابط الروماني كورنيليوس، الذي كان " تقيا يخاف الله هو وجميع أهل بيتِه، و يُحسنُ الى الشعب بسخاء، ويداومُ على الصلاة لله" (آية 2). قبلَ الله صلاته وصدقاته فأوعز اليه برؤيا أن يُرسلَ فيستقدم بطرس من يافا الى قيصرية. وبينما رسلُ الضابط على الطريق كان بطرس على سطح الدار لصلاة الظهر، فجاعَ وطلب طعامًا. ثم غاب عن الحِسِّ ورأى رؤيًا هي مائدةٌ مفتوحة "عليها من جميع دوابِ الأرض وزحّافاتها وطيور السماء" وسمع صوتا يأمرُه " قُمْ، إذبَحْ و كُلْ " (أية 13). إعترضّ بطرس عفويًا ورفضَ بشِّدة أن يأكل منها لأنها " نجسة أو دنسة"، حرَّمت شريعةُ موسى أكلَها. لكن الصوتَ الألهي رَدَّ عليه " ما طهَّرَه الله لا تعتبرْه أنتَ نجسًا". وتكرَّر هذا " ثلاث مرات" وآختفى الشيء.

كان اليهود يعتبرون الوثنيين بهائم نجسة، وكان محرومًا عليهم حتى لمسهم. بل لم يدخلِ الأحبارُ حتى ولا دار بيلاطس " لئلا يتنَّجسوا" (يو18: 28). ربما لهذا السبب رفض الضابط الذي كان خادمه مريضًا أن يدخل يسوعُ بيتَه ليشفيَه "!(متى8:8). وكان كورنيليوس الضابط وثنيا. فلم يكن يحُّقُ لبطرس أو أي يهودي أن يدخلَ بيته. إحتار بطرس في أمر الرؤيا وقلق. و أصبح مُعَّرَضًا لأنْ يرَدَّ عفويًا وِفادة الضابط وهي على بعد أمتار منه. وبينما يحاول بطرس لملمة أفكاره إذا بالروح القدس يُغيثُه، وهو ما يزال مبتدئًا في خبرته الرسولية الروحية، يكشفُ له مغزى الرؤيا فيقول له :" هنا ثلاثة رجال يطلبونك. قمْ وآنزِل إليهم وآذهب معهم ولا تخفْ. لأني أنا أرسلتهم "(أية19-20). هكذا نقض الله من جديد شريعة موسى ونزعَ عنها غشاوتها البشرية ليعيد اليها نقاوتها الألهية (متى5: 17، 21، 27، 31، 33، 38). موسى نجَّسَ بعض خلائق الله. أمَّا الله فيُعيدُ الى سمع الأنسان :" رأى الله أنَّ كلَّ ما صنعه حسنٌ جدًّا " (تك1: 31 ). فما "من شيءٍ يجبُ رفضه. بل يجب قبوله بحمد "(1طيم4:4).

لقد فتح الرب أمام الكنيسة الطريق لبشارة الوثنيين وعَلَّمهم عدم إقصاءِ أيٍّ كان عن الخلاص. يستجيب بطرس ويلبي طلب القائد ويُبشّره بالمسيح ويُعَّمده مع كل أهل بيتِه. سيتعَّرضُ لآنتقادِ المسيحيين الأوائل ويدينونه بشدة لأنه خالفَ تقاليدهم وذهنيتهم اليهودية. ولكنهم سُرعان ما يُدركون " أنَّ الله أنعمَ على غير اليهود أيضًا بالتوبةِ سبيلا الى الحياة "( أع11: 18) فيُمَّجدون الله. هكذا لا يخضع الأيمان المسيحي الى الفكر البشري المحض والى تقاليده الأهوائية بل الى الأنوار السماوية، الى" فكر المسيح نفسه "(1كور2: 16). ومن يدري ربما اليوم أيضا يفتح الروح طُرُقًا جديدة أمام إنجيل الرب وبأساليب تستنكرها قناعاتنا لأنها غير منسجمة مع تقاليدنا المألوفة فنرفضها بآسم الأيمان. أما نعت البعضُ البابا بالشيطان وبالخارج عن الدين وبالحارم بعض الممارسات الدينية لأنها لا تساير الخط التقليدي المألوف، أو بالفاتح أبوابا غلقها المسيح ؟. في حينٍ لم ينادِ البابا ولم يتحَّرك إلا بما أوحى به اليه الروح مثل بطرس. أليس هو بطرس عصرنا 

2* الرسالة : أفسس 2: 4 22

كُنَّا، قبل أن نعرفَ الله وما يزال كذلك الذين يجهلونه،" نعيش في شهواتِ جسدنا تابعين رغباتِه

وأهواءَه"، يتحَّكم فينا روح الشر المُتمَّرد على الله، فأصبحنا بالنتيجة أمواتا في الخطيئة. لكننا عرفنا الآن الله في المسيح وعرفنا محبته العظيمة ورحمته الواسعة. وقد آمنا بالمسيح فنلنا الخلاص أي عُدنا أصدقاءَ مع الله نتمَّتع بنعيمه وخيراتِ أُبُوَّتِه. لم نستحق ذلك بفضل أعمالنا. فلا فخر لنا بذلك. الفضلُ كله لله الذي رحمنا وغفر لنا تمَّرُدَنا فمنحنا هِبة العودة اليه. إيماننا بالمسيح خلقَنا من جديد و وضعنا على درب جديدة للسلوك، درب الروح وليس الجسد (رم8: 4). ونلنا حَقًّا جديدًا. لسنا بعد فقط " أشباه الله "، كما نشبه أمثالنا البشر. بل أصبحنا أبناءَ الله. وللأبن وضع جديد وحقوقٌ مختلفة (رم8: 17).

هذا من جهة. ومن أخرى وَحَّد المسيح بين الناس كلهم وأزال حاجز اللغة والقومية والحضارة. لقد جمع في حظيرته المؤمنين والوثنيين. فأصلحَ حال المؤمنين وأعادهم الى صواب السبيل و آستقامة الفكر. ودعا غير المؤمنين الى الأنضواء تحت خيمته فيكون للحياة نور واحد وغذاءٌ مشترك هو " الحق والمحبة". جعل السلامَ وسيلة للتعايش الجماعي. المسيح واحد والله واحد والأيمان واحد والخلاص واحد. لقد جمع في شخصه كلَّ البشرية وحوَّلها " إنسانًا واحدًا جديدًا " (آية 16)، قاضيًا على العداوة بين الناس. فلمْ يبقَ بينهم عدُوٌّ ولاغريبٌ أو ضيفٌ. كلهم إخوة أبناء أب واحد هو الله ، ولهم معلم واحد هو المسيح ، ودليلهم في الحياة ومرشدهم الى الحق واحد هو الروحُ القدس، روح الحَّقِ والمحَّبة. هذا سبيلنا وضماننا للحياة

3* الأنجيل : يوحنا 17 : 1 26

سَجَّلَ يوحنا صلاة يسوع الوداعية. وقد شَبَّهها مُفَّسرون عديدون بخطاب موسى الوداعي. موسى سجَّلَ أولاً (تث 32) فضل الله في عطاياه لشعبه وجحودَ الشعب ونكرانه جميل الله. ثمَّ سجَّل (تث 33) بركته لكل سبط وصلاته الى الله من أجلهم خاتما إيّاها بمدح لله وحظوظية الشعب به. أما يسوع فيحاورُ الله ويبدأُ بتذكيره بأنه قد أنجز مهمته كما كلفَه وحان زمنُ استلام زمام قيادة الحياة في الكون كله. لقد جاءَ فعمل ليتوَّلى المُلكَ (لو19: 12-27) وقد أنهى مهمته بنجاح فيُطالبُ بإكليل المجد الموعود به له ولأتباعِه ، الذين قبلوه وآزروه في جهاده، مكافَأَةً مُستحَّقة فيفتخر أمامهم ويفتخروا به. لا يطلب لأعدائه، العالم وأتاعه الشّرانيين ، بل لخاصَّتِه الذين سيتابعون مهمته وجهاده.

يطلب لهم أن يحفظهم من الشّرير ومن شرالعالم الذي يبغضهم ويكرههم ويُطاردُهم، فلا ييأسوا ولا يفقدوا فرحهم في أقسى الأحوال. وأن يُقَدّسَهم فيحيوا في الحَّق والبر فيكونوا للناس قدوَةً و شهادة كما كان هو لهم. ولاسيما أن يبارك فيحميَ وحدتهم فتكون كاملة فيما بينهم ومعه هو و الآب. وحدة شبيهة بالنموذج الألهي ومبنية عليها كالغصن جزءًا من الجذع. وحدتهم، قداستهم ، فرحهم ومجدهم تبرز كلها شهادة منهم على لاهوت المسيح ومشاركته المجد والنعيم. وأساس كل هذا هو المعرفة والمحبة الأزليتين داخل الله الثالوث وعدالته. وأتباع يسوع عرفوا الله مثله           

وأحبوه. فيطلب الرب أن تسموَ محبتهم مثل وحدتهم الى النموذج الألهي وتندمج فيها فيكون اللهُ فيهم وهم في" قلب الله". وجميع هذه الأدعية لا يحصِرُها يسوع بتلاميذه الحاضرين معه في العلية. بل يُمَدِّدُها أيضًا " للذين سيسمعون كلامهم فيؤمنون" به (آية 20). هكذا لا نستغرب أن نسمع بولس يقول :" وقد أُعِدَّ لي إكليل البر يجزيني به الرب الدَّيانُ العادل في ذلك اليوم، لا وحدي، بل جميع الذين يشتاقون ظهورَه " (2طيم4: 8).

فالرب معنا ونحن نعمل معه وبه وتنتظرنا المكافأة بالمجد والنعيم معه للأبد.

القس بـول ربــان    

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com