الأحـد الثـالث للقيـامة !
2017.04.30
تذكـار ربن هرمز وكل الشفعاء المحَّليين
تتلى علينا اليوم القراءات : أع5: 34-42 ؛ اف1: 1-14 ؛ يو14: 1-14
1* القـراءة : أعمال 5 : 34 – 42
الرسل يُبَّشرون بيسوع. يُعلنون الحقيقة وهي أنَّ يسوع الذي صلبه اليهود هو المسيح المنتظر. يمتعض الأحبار والقادة الروحيون. لم يُصَّدقوا أنهم تخَّلصوا من واحد هوذا أصبحوا بالعشرات ويملأون الدنيا بشهادتهم ليسوع. وما يُخيفُ ويُرعبُ أنهم، مثل معَّلمهم، يُجرون الآيات حتى بدأ الشعبُ يجُّلهم ، يسمع إليهم بلذة ، ويتبعهم مُتبَّنيًا إيمانهم. وتضاعفت بذلك عُزلتهم وسلطتهم. يسجنونهم لكن ملاكا يخلي سبيلهم ويرسلهم الى الهيكل للتبشير. يُصَّممون على التخَّلص منهم بقتلهم مثل معلمهم. يتدخل أحد علماء الشريعة، جملائيل، وينصحهم بالتَرَّوِ وترك الأمور لله. إن كان تبشيرهم دجلا وليد فكرهم وتخطيطًا إنسانيا محضًا فسيزول. لكن الخوف ألا يكون ما يفعلنوه من الله. وعندئذ تكون مقاومتهم لله خاسرة!. يميلون الى نصيحته لكنهم يُفرغون حِقدهم بجلدهم وتهديدهم. أما الرسل فيفرحون بآلامهم لأنهم إستحَّقوا أن يتشَّبهوا بيسوع في الشهادة للحق ولم يتخاذلوا، و لأنَّ تعذيبَهم كان من أجل اسم يسوع الذي يفتخرون به. لقد إفتهموا أنَّ المشاركة في آلام يسوع هي الطريق للقيامة معه ومشاركة مجده وراحته. وما يسند جهادهم هو أنَّ الرَّبَ كان " يعضدهم ويؤَّيد كلامهم بما يسانده من الآيات " (مر16: 20). وأصبحوا بذلك نموذجا لكل مؤمن بيسوع المسيح، من أيَّ عصرٍ كان أو مَصر، وضمانا لنجاح جهاده.
2* الرسالة : أفسس 1 : 1 – 14
كلُّ بركة وكل خير يأتيان من الله. لأنه هو الخالق والأب المُحب والحنون (يع1: 16). لكن البركات هذه لا تحُّل على البشرية إلا على يد يسوع المسيح الذي هو" الوسيط الوحيد بين الله والناس" (1طيم2: 5)، و"ما من اسم آخر تحت السماء وهبه الله للناس نقدر به أم نخلص" (أع 4: 12). لأنَّ يسوع هو الذي كَفَّر عن خطيئتنا وفدانا بدمه. هكذا شاءَ التخطيط الألهي وتدبيره للكون. لا شيء يحدثُ بدون رضى الله. صحيح أنَّ الله يرفض الشر والفساد. لكنه يسمح به أولا إحتراما لحرية الكائنات الناطقة، الملائكة والبشر. وثانيا توفيرَ الفرصة لهم لآختيار الخير بمحض إرادتهم. فإن لم يوجد الشر لايمكن أيضا إختيار الخير، لأنه وحده الموجود. ليكون الأنسان جديراً بنموذجه الأصلي prototyp وخَّيرا لا فقط بطبيعته بل بإرادته أيضا كان يجب أن " ينموَ الحنطة والزؤان معه" فيختار الأنسان ماذا يأكل. إذا أكل الحنطة فنِعِّـمًا. أما إذا أكل الزؤان فبئس المصير لأنه يُسَّممه. وإذا ما كان الأنسان حُرًّا هكذا مثل الله ما كان بوسعه أن يختار، وما كان يتمَّيز عندئذٍ عن الحيوان.
هذا ما كشفه الله لنا في يسوع المسيح. إنَّ عمل المسيح وفداءَه يستهدفُ عودة الكون كله، كل الأمم وكل الكائنات، الى التناغم والتناسق بينها في وئام وتوافق كما كانت الحياة في جَّنة عدن. المحبة والتوافق ليستا ميزة الأنسان فقط. بل هي سبيل كل الكائنات. لأنها كلها خرجت من يد الله الخالق، وكلها تُمَّجدُه. تمَّجده الكائنات العجم غريزيا بوجودها وآختلافها عن بعضها، دلالة على عظمة الخالق. ويمَّجده الانسان بمواهبه الفائقة وعمله المدهش ولاسيما بسلوكه العقلاني. هذا ما صمَّمَه الله منذ الأزل للأنسان. لذا قال الرسول " إختارنا الله في المسيح قبل إنشاء العالم .. لِنُسَّبحَ بآسمِه" (آية 4 و 12). ومن آمن بالمسيح وتبعه يتضاعف إختياره الذي ليس لآعطائه إمتيازًا، بل لتكليفه بمهمة أسمى من غيره تجعله شبيها بيسوع ، بل يقوم مقامه في الشهادة للحق والعيش في الحب والتآخي. فالمسيحي مدعو الى العمل على جمع الشعوب كلها على فكر المسيح ورغبته. وأن يعمل على تناغم فعل الأنسان مع الطبيعة حتى يزهو الكون بجمال الله و بهائه المجيد. وتكليف المسيحي بعمل المسيح لأنه دخل دائرته وصار واحدا معه يساعده على مهمته في إعادة خضوع الكون كله لله (1كور15: 24-28).
3* الأنجيل : يوحنا 14 : 1 – 14
يُخبر يسوع تلاميذه وعن إنفصاله القريب عنهم. ويُؤَّكد لهم أنهم يعرفون الطريق الى حيث يذهب. إنه ذاهبٌ الى عند الله. والطريق الى الله هو يسوع المسيح ، لأنه هو وحده " الطريق والحق والحياة ، ولا أحد يذهب الى الآب إلا به" (آية 6). لأنَّ يسوع هو الله ، ومن رآه رأى الآب بلا شك. كل أقوال يسوع وأعماله هي لله. هو والآب واحد (يو10: 30). هو في الآب والآبُ فيه. هو الله المتجسد. له سلطان غفران الخطايا (متى9: 6)، وله سلطانٌ أن يُحيي من يشاء (يو5: 21)، لأنَّ " الآبَ جعل في يديه كلَّ شيء"، فهو جاء من عنده ويعود الآن اليه (يو3: 35؛ 13: 3). فيدعوهم يسوع الى أن يؤمنوا به كما يؤمنون بالآب ، لأنه بما أنهم يرونه فقد رأوا الآبَ. يدعوهم الى إختراق مظاهر الجسد ليروا لاهوته. يدعوهم الى عدم التوقف على الحواس وما تملكه من قِوًى، أو على صورة الأنسان وما تتجَّسدُ به، بل وأكثر إلى تحَّدي الحواس للتغلغل إلى أعماق ذاته ومعاينة جوهره الذي" هو صورة الله .. وبهاءُ مجـده " ( في 2: 6؛ عب 1: 3).
وهكذا نكون نحن أيضا قد رأينا الله في شخص يسوع المسيح ونراه كل يوم على المذبح في القداس. لذلك أيضا، وكما قال مفسروا الكتاب المقدس وآباؤُنا في الأمان ومنهم يوحنا الدمشقي،
أن نرسم أيقونة أو نصوغ تمثالا يُذكرنا بالله المتجَّسد. قديمًا " لم يكن ممكنا على الأطلاق أنْ يُمَثَّلَ بالصورةِ اللهُ المُنَّـزَهُ عن الجسد والشكل. ولكن وقد ظهر لنا اليوم في الجسد وعاش مع الناس، يجوز أن نرسم صورة ما رأينا من الله.. فنحن نعاين مجد الرب بوجهه المكشوف ". و المجد الذي نعطيه للأبن يشترك فيه الآب أيضا ما دام هو في الأبن. وكذلك كل إهانة للأبن أو للآب يشترك فيها الأقنوم الآخر. إنه " اللاهوت " الذي نتعامل معه في شخص المسيح. لذا كما الأبن هو الطريق الى الآب هكذا أيضا الآب هو من يقودُ الناس الى الأيمان بالأبن (يو6: 44). فليس الأبن وحده من يعمل ليُخَّلصَ الأنسانية ويُجَّددها بل الآبُ الذي هو في الأبن، والأبنُ فيه، يريدُ خلاص كل انسان (يو3: 16-17)، ويعمل مع الأبن (يو3: 49)، ويعملان معا بواسطة الروح القدس (يو14: 26؛ 15: 26؛ 16: 13-16).
وهكذا يكون الله الثالوث هو الطريق والحق والحياة لكل إنسان مخلوق. إلا إننا رأينا صورة الثالوث وسمعناه وعاشرناه وتحدثنا اليه من خلال " كلمته " يسوع المسيح.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com