الأحـد الجديد : الثاني للقيـامة !
2017.04.23
عــيد الرحمـة الألهــية
تتلى علينا اليوم القراءات : أع4: 32-5: 11 ؛ كو1: 1-20 ؛ يو20: 19- 31
1* القـراءة : أعمال 4: 32 – 5: 11
عاش المسيحيون الأوائل مثالية حياة المسيح وطبَّقوا مبادئه. فكان للمسيحيين وجه واحد يعكسُ المسيح في أقواله وأفعاله. لقد أدَّت القيامة مفعولها في حياة المؤمنين. وبدت غريبة في عيون الشعب لأنه لم يتعَوَّد على أسلوب الأخاء و صِدق المحبة التي كان المسيحيون يُظهرونها لبعضهم." كانوا قلبًا واحدًا وفكرًا واحدًا"!. حتى املاكهم وأموالهم كانت مشتركة بينهم أي يعتبرونها ملك الجماعة ويتصَّرفون بها كذلك. قسمٌ منهم باع أملاكه و وضعها تحت تصرف الرسل لأسعاف المحتاجين منهم. إلا إنَّ هذا لم يمنع أن يغُّشَ بعضهم فيتظاهروا بالكرم والجود والمحبة والأخاء في حين كانت نياتهم ملتوية. ليس ذلك غريبا إذا كان رسولٌ ، يهوذا، يسرقٌ من مال الجماعة والفقراء (يو12: 6)!. ما يعني أنَّ الرَّبَ لم يقض على الشرير وسمح للزؤان ان ينمو بين الحنطة لكي يعطي الفرصة للحنطة أن تكافحَ مثله وتجاهد من أجل الحياة. والرب سبق و زَوَّد تلاميذه بقوة الروح القدس الذي يكشف للمؤمن زيف الأيمان المرائي ويُنصره على التجربة. فالروح الحاضر مع المسيحي يقوده في دروب الحياة الأمينة. يكفي الأصغاء إليه والأمتثال لأرشاداته.

2* الرسالة : كولسي 1: 1 – 20
من المُلفت للأنتباه أن بولس ينعت المؤمنين بـ" القديسين". وهكذا فعل في بقية رسائله بعد أنَّ أكَّد في أولى رسائله أنَّ المسيحيين دعاهم الله و" شاءَ أن يكونوا قديسين".. وأن" يصون كلُّ واحد جسده في القداسةِ والكرامة "(1تس4: 3-8). والقداسة بناها بولس على الأيمان بالمسيح ، والمحبة للأخوة، والرجاء بالحياة في السماء. هذه هي بنود البشارة وركائزها. وقد وصلت الى كل أقطار العالم المعروف آنذاك. ولأن الناس عرفوا حقيقة المسيح فهم مدعوون أن يمتلئوا من معرفة مشيئة الله ولا يعيشوا في جهل وصاياه، وبالفهم والحكمة يتصَّرفون لا بالغباء، و هدفهم إرضاء الرب بالسلوك في الحق، مُتَّكلين عليه ومُتَـقَّوين بعونه لمجابهة الشدائد وتحَّمل الصعوبات والمصائب بشجاعة وصبر وصمود. وفي كل قول وفعل يضعون حياة يسوع أمام أنظارهم لأنه هو وحده نموذج السلوك الألهي القُدّوس.
وهذا يُذكرنا به الكاهن في كل قداس يُقيمه عندما يوَّجه الكلام قبل التناول ويُشير الى المؤمنين ويقول : " يليقُ القُدس بالقديسين تمامًا ". المؤمنون قديسون، كاملون ومثاليون في الأخلاق الحميدة، بجاه قداسة الذي يتناولونه وقد إنتموا إليه بالمعمودية، وقداستهم التي وُسموا بها و دعوتِهم إليها ليكونوا شهودا لقداسة الله في عالمٍ يعُّجُ بالفساد والسوء. وقد طالبَ الله الناس بهذه القداسة منذ عهد موسى (أح19: 2) وعلى يد يسوع المسيح (متى5: 48).

3* الأنجيل : يوحنا 20: 19 - 31
يسوع يظهر للرسل. لما تأكد الرسل من فراغ القبر والأكفان باقية مكانها كما لو فاق أحدٌ من نومه فقام وطوى منامه وتهندم قبل أن يخرج. لم يأخذ أحدٌ جسده وإلا لما ترك الأكفان ومنديل الرأس في القبر. بدأت الأفكار تدور في رأسهم. وصار قلب بطرس ينبض بشدة. و وقع ما لم يتخيله، إذ أنستهم مأساة الصليب إنباء يسوع لهم بقيامته. فتراءى له يسوع (لو24: 34) يسندُه في توبته ولا يسمح لأبليس أن يسحقه. ثم تراءى للرسل بغياب توما وثبتهم في إيمانهم. وهنا ربط يوحنا بالقيامة مباشرة إعطاء الروحَ القدس للرسل وكذلك تثبيتهم في الكهنوت ليدُّل بذلك على أنها من ثمار القيامة. القيامة التي أثبتت لا فقط لاهوت يسوع وإنما أكدت تجديد الخليقة بفيض روح الله فيها وإشراك الأنسان بحياة الله.
وبعد أسبوع يجددُ يسوع زيارته لتلاميذه ويبَّددُ شكَّ توما باليقين المحسوس. وكأن يسوع جاء
يطلب الخروف الضال. بل لم يشأ أن يشعر توما بالنقص وكأن الرب إعتمد و وقَّت ظهورَه عمدًا في غيابه. أتى ليُثَّبته هو أيضا في دعوته وفي إرساله الى العالم صورة منه كاملة المقومات والمؤهلات. وسيبقى توما مدى الأجيال نموذج الأنسان المجتهد والمصر على أن يعرف الخبر اليقين من مصدره الأصلي ولا يتهور في إجراء شيء ما قبل أن يتأكد من صحته وسلامته.
سمَّت الطقوس الشرقية هذا الأحد بـ" الجديد"، والطقس اللاتيني سمَّاه بـ" الأبيض". والبابا القديس يوحنا بولص الثاني أقامه ، بإيعاز من السماء، عيدًا للرحمة الألهية. رحم يسوع بطرس ورحم توما والتلاميذ كلهم إذ ثبتهم في إيمانهم. ورحم العالم أجمع إذ أعاد إليه نقاوة خلقتِه الأولى فجَدَّدَ في الأنسان الصورة الألهية التي نفخها فيه وأضاف إليها فقدَّسها بفيض روحه القدوس ليرافقه ويغَّلبَه على تجارب العدو غيرالمنظور وإغواءاته. فهذا الجديد الأبيض فيضٌ من الحب الألهي وتجسيدٌ لرحمته التي لا تقاس. هذه هي ثمار آلام المسيح وموته و قيامته منتصرا على أعداء الحق ومُزَّوِدًا الأنسان بالسلاح الألهي الروحي ليقود جهاده بطمأنينة ويضمن الحياة الأبدية. هذا جديد القيامة وأنقاه وهو هِبة حب الله ورحمتِه.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com