عـيـد القـيــامة ، الأحــد الأول !
2017.04.16
تُتلى علينا اليوم القراءات : اش60: 1-7 ؛ رم 5: 20-6: 23؛ يو20: 1-20

1* القراءة : اشعيا 60 : 1 - 7
بينما يغشى ظلام الشَّرِالأرضَ ويشتَّدُ سوادُ فساده الشعوب أشرق الربُ على شعبه ومدينته نورًا ومجدًا، حَّقًا وبِرًّا، أدهش أهل العالم وجذبَ اليه عظماء القوم وفقهاءَهم فيُهدي نور المسيح كلَّ الناس ويلجأون الى كنيسته حيث يتنعمون بكنوزأفضال الله. هذا النور والمجد سيتجَّليان أولا بعودة المسبيين من شعب الله الى أورشليم لينعموا بالراحة والسلام. وهذه العودة بعد سبعين سنة من السبي، وقسوة الهجرة عن الوطن ، ستبقى رمزًا لكل الأجيال البشرية بأن الأنسان مُعَّرَضُ لمواجهة المآسي والكوارث و النكبات وحتى الأوبئة نتيجة أخطائه وآثامه وآبتعاده عن الله. لكن الله لن يهمله بل يُقيم أجيالا جديدة تؤمن به وتسمع كلامه وتلتجيءُ الى قدرته ورحمته الأبوية فينعم عليهم من جديد بالراحة والهناء. سبق وذاق الشعب مرارة إشغال قلبه وفكره بغير الله مدة أربعين سنة فمات المتمردون في برية سيناء وحرموا راحة وطن يدر لبنا وعسلا. وقد دخله ابناؤهم الذين شاهدوا معجزات الرب وتربوا على الأيمان. إنَّ بعد كل جبلٍ سهلاً وبعد كل محنةٍ فرَجًا، إنما الحاجة الى ايمان ورجاء وصبر. وقيامة المسيح برهانٌ لهذا الأيمان وضمان للرجاء ومَبعَثٌ للصبر.

2* الرسالة : رومية 5: 20 – 6: 23
عَّلم بولس بأنَّ الشريعة لم تنقذ الأنسان بل صارت سببا لتكاثر الخطيئة. لكن ذلك أدَّى الى تفوُّقِ رحمة الله وتفاضل النعمة المخَّلِصة. وقد يتهَّيأ للبعض أنَّ هذا يُشَّجع على تفضيل الأنسان البقاء في دائرة الخطيئة بحجة ذلك يؤّدي الى فيض نعمة الله، فيقول : لنخطأ نحن ولنُكثرْ منه حتى يُكثرَ اللهُ من النعم. يرُّد بولس: كلا. لم يُكثر الله النعمة تبعًا لكثرة الخطايا ، كما تُكثر الدولة عدد المدارس وأساتذة التعليم تبعًا لكثرة الطلاب. كلا. بل كما يزيل المطر بفيضانه الأوساخ ويغسلُ وجه الطبيعة هكذا لما رأى الله تفاقم الشر والفساد بسبب طبيعة الأنسان الميَّالة اليها لم يكتفِ بغسل خارجي بل أجرى تنظيفًا باطنيا جوهريا على الناسوت.
صُلبَ يسوع لأنه رفضَ الخطيئة ولم ينجَرَّ الى هوى الشهوات. صلبَ في ذاته الملذات والرغبات الحسيّة ليُعليَ شأن طاعة الله. أخطأ الأنسان الأول بعدم سماع كلام الله وبتفضيل ذاته عليه. ويسوع الأنسان الجديد سمع كلام الله فأطاع مُضَّحيا برغبته ومشيئته. وفيه تجَدَّدَ الناسوت. وبالعماد يتحد الأنسان مع يسوع فيلبس ناسوته المُجَّدد المائت عن الخطيئة. هنا فاقت نعمة الله كثيرا على جسامة خطيئة الأنسان. خطيئة الأنسان أنه لم يُقَّدر محبة خالقه له. و بالمقابل فاض الله بالحب فغفر للأنسان زَّلته وزادَ فزوَّده بقوة روحه الألهي القدوس به يتغَّلبُ على أهوائه وعلى إغواءات غريمه وعدوه. وهيَّأه بذلك لآستعادةِ مجده الأول" الذي كان للأنسان في فكر الله منذ الأزل ". لقد إستجاب الله وأعاد للأنسان ، على يد يسوع، " المجد الذي كان له عند الله قبل أن يكون العالم" (يو17: 5). ناله يسوع " بكرأبناء الله" (رم8: 29) و"بكرالخلائق كلها" (كو1: 15) وأشركَ فيه من يموتُ معه في العماد، حيثُ يُحَّررهُ أولا من قيود الخطيئة والموت، ثم يُقيمه في حياة جديدة، حياةِ الروح لأنَّ روح الله يسكن فيه (رم8: 2 و 9).
هكذا تعَّلق على الصليب مع يسوع وبشخصه كلُّ الجنس البشري. فكما حوى آدم في ذاته كلَّ البشر وجرَّهم الى الفساد هكذا حوى يسوع في ذاته على الصليب كلَّ البشر ليصلب خطيئتهم ويغفرها لهم ؛ " فكما أنَّ خطيئة إنسان واحد قادت البشر جميعًا الى الهلاك، كذلك بِرُّ إنسان واحد يُبَّررُ البشر جميعا فينالون الحياة " (رم5: 18).و بكلام آخر أصبحَ كلُّ مُعَّمَدٍ مسيحا آخر، مات معه في جمعة الألام وقام يوم الأحد بمجد وسعادة. ولهذا لا يليقُ به أن يعود الى أعمال الجسد، الى الأهواء والملذات التي أحرقها الروح القدس في العماد وسكب فيه روح الله، روح القداسةِ في الحَّق والبر. هذه هي قيامة المسيحي وهذا عيده وفخره ورجاؤُه. ولهذا قال المُزَّمر:" هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، فلنبتهج ولنتهَّلل به ". (مز117: 24).

3* الأنجيل : يوحنا 20: 1 – 20
أسرعت النساء فجرَ الأحد الى القبر ليسكبن على الغالي آخر دمعةٍ غالية ، دمعة الحب والتكريم. ولما تفاجأن بفراغ القبرأسرعن يستنجدن بالرسل عن إختفاء جسد يسوع. تأكد الرسل من الخبر، لكنهم لم يجدوا جوابًا شافيًا غير الأيمان بما سبق وأنبأ به يسوع. أما المجدلية فتابعت بحثها. لا تتحَّمل ضياع حتى أثر الحبيب. وسلاحُها بُكاؤُها. تحَنَّنَ الربُ عليها. وكما آستجاب لبكاء بطرس فسامحه وظهر له (لو24: 34)، إستجاب أيضا لبكاء مريم فظهر لها وعرفته عندما ناداها بإسمها. ثم أوصاها أن تسرع لتنقل الخبر الى التلاميذ، لتُصبح أولَ رسول ومُبَّشر بالقيامة. ثم أخبرها بأنه لن يقيم من الآن وصاعدا بينهم كما في السابق ، بل سيقيمُ مع آب جميع البشر، الأله السماوي ، حيث يُعِّدُ لهم مكانا ليتمجدوا معه. والى ذلك الحين سيبقى معهم ، سيكون نورهم وروحهم ، يُغَّذيهم بجسده ودمه.

القس بول ربــان
 

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com