الأحـد الخامس للصـوم !
2017.03.26
تُتلى علينا اليوم القراءات : تك 16: 1-16 ؛ رم 12: 1-21 ؛ يو7: 37-52 و8: 12- 20

1* القـراءة : تكوين 16 : 1 - 16 هاجر و ولادة إسماعيل
ساراي زوجة أبرام عجوزة وعاقر. والله وعدهما بآبن " يخرج من صلب أبرام". كيف؟ هناك شريعة حمورابي التي تجيزُ للمرأة الحُرَّة سَّيدة البيت أن تُعطيَ زوجَها جاريتًها لتُرزَقَ منها بنين. فعلت ساراي ذلك. ولما حبِلت هاجرإحتقرت سَيِّدَتَها. ولمَّا بدأت ساراي تذُّلَ جاريتها هربت هذه من وجهها. وفي البرية يلقاها ملاك الرب ويأمرُ هاجر بالعودة الى سيدتها. ويعِدُ أن يُكَّثرَ نسلها ، ويسَّمي الذي في بطنها " إسماعيل"، وتعود هاجر أدراجها وتلد إسماعيل حسب قول الملاك.
خضع ابرام وساراي للمنطق البشري. خضع ابرام لرغبة ساراي وشوقها للأمومة كما إستجابت هي لحنين زوجها الى النسل الذي يُمَدّدُ ذكره. لكن الله لا يخضع لأحاسيسهما. وليس مستعجِلا مثلهما في تحقيق وعده. لكل شيء عند الله وقته الخاص. كان يسوع يسَّمي هذا الوقت الخاص بـ"ساعته". ولما أتى الزمن الذي وقَّته الله سيولد لأبرام وساراي إبن من زرعهما. كان عليهما ألا يستعجلا في الأتكال على منطقهما البشري. كان عليهما أن يثقا أكثر بالله. سيقول الله ذلك لأبرام "أسلك أمامي وكن كاملا" (تك17: 1). لم يكن ابرام قد استسلم بعد لله مثل " ابن". اللهُ يريدُ أن يكون أبرامُ، وشعبُه مِن بعدِه،" إبنًا " له يتصَرَّفُ كذلك. وعندما يتبنى الله ابرام و زوجته كـ " أبناءَ" له ، فيُعطي لهما اسماءَ جديدة " إبراهيم وسارة " مثل أيِّ أبٍ يُسَّمي طفله ، ويقبل إبراهيم العهد الذي عرضه الله عليه ، ويختم جسمَه بالوسم الذي أشار اليه { الختانة } ، عندئذ فقط يحين زمان تحقيق الوعد. وفعلاً ستُنجِب سارة طفلا ، وهي ابنة تسعين سنة ، و تدعوه اسحق.
2* الرسالة : رومية 12 : 1 – 21 الحياة الجديدة في المسيح
بعد أن غاص بولس، في الفصول السابقة، في المسائل الأيمانية العفائدية أدار إهتمامه نحو الآداب المسيحية. وآختصر فكره والمبدأ الأيماني للأخلاق ألا هو " تجسيد حياة المسيح" في سلوكنا الفردي. فقال:" إجعلوا أنفسكم ذبيحة حَّية مقدَّسة مرضية عند الله". يسوع نفسه خضع لمشيئة الله في كل شي حتى في صلبه :" لا تكن مشيئتي بل مشيئتك ". فأخلاق المسيحي تقوم على التشبه بيسوع في كل شيء. وقد قالها لأهل فيلبي :" تخَّلقوا بأخلاق المسيح" (في2: 5). هذا جديد المسيح أن نغَّير طرق تفكيرنا ونرى ونقيس ّكلَّ شيء بمنظار الله وإرادته. وعليه يشدد بولس على أسس الأخلاق الحميدة ويعَّددُها :
ألا يغالي المسيحي في تقدير نفسه. ولا يتعالى على غيره، بل أن يكتشف موهبته و
دعوته في الحياة فيقتنع بها ويجتهد أن يُثمرها بوعي وتواضع وفرح. مهم جدًّا أن يعرفَ المرء من هو وما هو وكم هو، يعرف حدوده وقـدرته، حتى يسلك طريقه بنجاح وأمان. مهّم جدًّا أيضا أن يعرف موقعه في المجتمع الأنساني فيسلك بآحترام وتفاهم وتعاون.
وحتى يتم ذلك بسهولة ذَكَّر بولس بوصية المسيح الأساسية : المحبة. ويُشَّدد على أن
تكون" صادقة ". والمحبة تكتمل بفضائل الأجتهاد والرجاء والصبر والخدمة، كلها مع الصلاة.
تجَّنب الشر والتمسك بالخير، وهذا يقتضي مسالمة جميع الناس ومسامحة المسيئين أي
عدم الأنتقام، ومقابلة الشر والتغَّلب عليه بعمل الخير.
3* الأنجيل : يوحنا 7: 37 – 52 إنقسام الرأي في يسوع
8: 12 – 20 يسوع نور العالم
يتوسط الفقرتين المذكورتين خبر المرأة المأخوذة بالجرم المشهود – الزنى – والتي قادها معلمو الشريعة والفريسيون الى يسوع، وهو يعلم في الهيكل، وطلبوا رأيه في رجمها حسب شريعة موسى، ثم آنسحبوا لمَّا فضحهم يسوع أنهم خطأة مثلها، فبأيِّ حَّق يدينونها؟. ليسوا قياسًا للحق، لا يُطبقون الشريعة، فهم ظلام وليسوا مؤَّهلين ليُعَّلموا غيرهم ولا أن يحاسبوهم. الله هو الحق ويحاسب ، وهو النور الذي يُضيءُ لكل الناس.
يسوع نورالعالم. لا فقط لأنه الله ولكن أيضا لأنه، كإبن الأنسان، لا يتبع عشوائيًا الركب الأنساني. لأنه بعكس أهل العالم يطلب الحَّق ويتبعه ، والحق هو مشيئة الله. لأنه يوصي بالمحبة ويمارسها هو تجاه كل الناس، والمحبة هي حياة الله وأبدية الأنسان. و لأنه لا يُسيئُ الى أحد بل يغفر لمن يُسيئُ اليه، هكذا يسلك الله لأنه رحوم وحنون. هكذا تشرق الشمس و تغيب كلَّ يوم، تزرع الخير ولا تسيء بأي شكل كان. هذا هو النورالذي يضيء ولهذا يسوع هو نموذج السلوك الصحيح البَّنـاء، لأنه هكذا تصَّرف ولم يقدر أحد أن يتهمه بالخطيئة (يو8: 46)، بينما إتهم هو من إدّعوا البِرَّوالقداسة ولم يقدرولا واحد منهم أن يعترض عليه (يو8: 7).
*********
نتابع الأن موضوع الأسرار و نتحَدَّث عن سِــرِّ الزواج
سِـــر الزواج
أول مؤسسة إجتماعية هي الأسرة. والأسرة تعني " الأنسان " الكامل أي بكل أبعاده وقواه. الله خلق إِنسانا واحدًا. ولكي يستطيع هذا الأنسان أن يقود حياة حَّقة كان يحتاجُ أن يكون "إِجتماعيًا "، مثل الله. الله هو واحد وثالوث، لأنَّ المحبة لا تنمو ولا تتجَسَّد إلا بين أكثر من واحد، الذي يكون في نفس الوقت جُزءَا من الآخر. أي كائن واحد، مُجَزَّءٌ على نفسه، تعود المحبة فتوَّحِدُه فكرًا وقلبًا وجسدًا. هكذا جَزَّأَ الله الأنسان الى جزئين ليتفاعل داخل ناسوته ويُفَّعلَ كلَّ طاقاتِه و قواه. داخل الثالوث تتمَيَّز أقانيم القدرة والمعرفة والحياة، وداخل الأنسان، صورة الله، تتمَيَّزُ الذكورة والأنوثة أو الفكرُ والعاطفة. لكنها لا تُشَّكل سوى كائن واحد. هكذا فالزواج هو إعادة جمع أَجزاء الأنسان و وضعه على طريق الحياة المثمرة الكاملة.
يرعى اللهُ الزواجَ لأنه مِن تنظيمه، ولأنه عن طريقه يُحَقّقُ مُخَططه للكون إِذ يمَدِّدُ الحياة من جهة، ومن أخرى يقودُ الكون نحو كماله. من خلال الحياة الزوجية يؤَّدي الأنسان عمل الله.
وفي الوقت نفسِه ترعاه السلطة المدنية لأنه في نواة الحياة الأجتماعية لنمُوِّها وتطويرها. لذا يخضع الزواج للسلطة الدينية والمدنية في آنٍ واحد.
يرعى الله الزواج بواسطة السلطة الدينية / الكنيسة التي أقامها بنفسه لتنير للأنسان درب الحق وتزَّوِدَه بمسالك أمينة للعيش في راحةٍ وهناء. وعليه تعلن الكنيسة الأسس التي يُبنى عليه الزواج وتُحَّددُ بعض مساراته ليُحَّققَ الهدف الذي من أجله أسَّسَه الله. فتضع شروطًا تتماشى مع تعاليم يسوع يجب أن تُستوفى لتعترف بصحة الزواج وشرعيته. ومن هذا القبيل تنفي الكنيسة زواجات المصلحة، والمعقودة ضد إرادة أحد الأطراف، والقائمة على الغش والخداع، كما تنفي كلَّ تسَّـرٍ وطلاق أو تعَّدد الأزواج بأي شكل أو تحت أيِّ مُسَّمًى كان. وبالنسبة الى أبنائها المسيحيين تطالبهم بعقد الزواج الديني ولا تعترف بزواج يقوم بينهم مدنيًا فقط. الزواج المدني بدون عقد كنسي تعتبره زنًى علنيًا. كما تطالب المتزوجين تسجيل زواجَهم الكنسي مدنيًا ايضًا، ويندمجوا في حياة البلد اجتماعيا : ثقافيًا و سياسيا و آقتصاديا ليشاركوا في بنائه على أسس الأيمان والآداب المثالية. وتدعوهم الى التمَّسك بالمبادئ المسيحية والقيم الأخلاقية التي تُجَّسد صورة المسيح الحقيقية في العالم. لأنَّ الأُسَر المسيحية تؤدي الشهادة للمسيح.
ومن شروط الكنيسة وقوانينها :
أن يُحتفَلَ بالزواج في كنيسة الشاب الجامعة الخّاصة، أي في طقسه الخاص ؛
أن يحتفال بالزواج في الرعية/ الخورنة التي ينتمي اليها لتثبيت الحدث و توثيقه ؛
أن يعقد الزواج أمام الكاهن المسؤول عن الشاب، أي كاهن رعيته ؛
أن يُوفرَّ شهادة المعمودية صادرةً من الرعية التي إعتمد فيها ؛
أن يُثَّبت بشهادة مطلق حالٍ رسمية عدم إرتباطه بزواج سابق ؛
أن يُثبتَّ إِنتماءَه الى الكنيسة الكاثوليكية وآلتزامه بعضويتها ؛
أن يستعد للزواج ثقافيًا وروحيًا؛ { دورة المخطوبين، والأعتراف والتناول قبل الزواج}.
أن يوَّفر صورة القيد المدني ؛ { Personbild}
عند عقد الزواج في بلد غريب إثبات موافقة كنيسة رعيته بذلك ؛
10 – يتم الزواج أمام الكاهن ، بحضور شاهدين > القريبين < يوقعان استمارة الزواج ؛
11 – أن يوفر المستلزمات والمستمسكات التي تفرضُها الدولة ؛

أما الدولة ، أقله في أوربا، فلا تعترف إلا بالزواجات التي تتم بمعرفتها ورعايتها أو موافقتها. وحتى يتم الزواج يلزم إمتلاك الوثائق الرسمية بآنتمائه للبلد وعدم مخالفة نظامه. ويجب أن يتم إِمّا أمام موظف الدولة في المحكمة ، أو على يد كاهن مُرَّخَصٌ له من قِبل البرلمان. وفي كلتا الحالتين يجب أن يُرسل مِلفُ الزواج الى دائرة النفوس أو الضريبة ليتم قيده في السجل العام لتنظيم ما يترَّتبُ عليه من إلتزاماتٍ إجتماعية.

حالات شّــــاذة
بعض الأحيان لا يوفر العرسان الوثائق المطلوبة ، أو لا يريدون تسجيل زواجهم مدنيًا لئلا يخسروا مصلحة مادية، أو لأسباب وأهدافٍ أخرى يرفضون شروط الكنيسة الكاثوليكية ويلتجئون الى عقد زواجهم في كنائس أخرى، لاسيما غير كاثوليكية، في هذه الحالة لا تعترف الكنيسة الكاثوليكية لا بزواجهم ولا بنتائجه القانونية. وتعتبر ذلك الزواج باطلا و العيش المشترك حالة زنًى علني.
وتوجد أيضًا حالات شاذة أخرى مثل العيش " سامبو" أي المساكنة والتسَّري، أو الزواج المثلي ، أو الزواج المدني وحده ، أو الطلاق والزواج الثاني قبل إعلان بطلان الزواج الأول أو بدونه، كل هذه الحالات ترفضها الكنيسة بآسم المسيح وتلومُ أصحابها. في هذه الحالات تدعوهم الكنيسة الى تصحيح وضعهم الشاذ وإلا تحرمهم من الأسرار.

القس بـول ربــان
 

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com