الأحـد الرابع للصــوم !
2017.03.19
تُتلى علينا اليوم القراءات : تك11: 1-9 رم8: 12-27 متى2: 23-46
1* القـراءة : تكوين 11 : 1 – 9 بناء برج بابل
يقُّصُ علينا خبر بناء برج بابل. بعد الطوفان تكاثر البشر. أصبح أحفادُ نوح شعوبا وأممًا لا تُحصى. وقد إبتعد الزمان طويلاً لكنه لم يقوَ على محوِ ذكرى مأساة الطوفان. ولم يستأصل من فكرالأنسان وقلبه طموحَ منافسة الله بل وتحَّديه. لقد تحَضَّرَ الأنسانُ كثيرا. وقد تطورت ثقافته وآرتقى علمه ونمت قدراته التقنية فراوده حلمه الأصيل أن يتحَرَّرَ من سلطة الله ويحميَ نفسَه من عقابٍ مأساويٍ جديد. مساكنه الأولى بسبب بساطتها لمْ تقوَ على حمايته ومقاومة طغيان الماء الذي ذوَّبَ الأبنية الترابية ولاشاها. أما الآن فله ما يقاوم ذلك:" لِبنٌ مشويٌّ وترابٌ أحمرُ "!، ينفع لبناءِ " مدينةٍ وبرجٍ ينطحُ رأسُه السماء". ولكن أنَّى للأنسان أن يُقارعَ الله؟. إنما له أن يغامرَ ويُجَّرب. وجَّربَ. وفشلَ أيضًا. لا لأنَّ الله عاقبه. كلا. الله لا يريدُ موت الخاطيء. بل لأنَّ الأنسان ، إذا عزلتَه عن الله وفقد ما يُزَّوده به من فهم وتوافق مع الآخرين، لا يقوى تحقيق أمانيه. الله هو الذي يجمع الناس الى بعضها بالحب. وإذا زال الحب من قلبه تطفو" الأنا " و يزولُ كل تفاهم أو تعاون. تركهم الله لشأنهم. فلم يتفقوا بينهم على ما يريدون وما يعملون. لم يتفاهموا وكأنَّ كل واحد يتكلم لغةً مختلفة عن غيره. فآستحال الحوار بينهم وتفاقم الخلاف حتى إنقسموا على بعضهم فآنفصلوا وهاجروا فتشَّتتوا. سيداوي الله هذا الجرح بالمسيح عندما يُفيضُ الروحَ القدس على البشرية، يوم العنصرة، عندما يفهمُ أفرادٌ من شعوبٍ عديدة، يتحَدَّثون لغاتٍ مختلفة ، ما يُمَّجدُ به الرسلُ اللهَ ويتحدثُون عنه، وبقوة كلمته.
2* الرسالة : رومية 8 : 12 – 27
أثبت بولس أنَّ المسيح أتى بجديد إذ أخرج الى السطح روحانية الأنسان. قبل أن يكون جسَدًا هو روح على صورة الله. لقد عاش كثيرًا حياة الجسد، تابعًا أحاسيسَه وشهواتِه. الجسد لا يقدر أن يخضع لشريعة الله الروحية، ومن يسلك سبيله لا يقدر أن يرضيَ الله. ونحن الذين عرفنا المسيح وتبعناه لا يليق بنا بعد أن نحيا للجسد فنلَّبي شهواتِه ورغائبَه. وإذا فعلناه فسنموت. لذا وحتى لا نموت ونهلك يجب علينا أن نحيا بالروح. وإذا " أمتنا بالروح أعمال الجسد فسنحيا". لقد جعلنا الروح القدس الذي قد حَّلَ فينا أبناءَ الله و ورثة حياته ومجده. إذن نحن مدعوون أن نحيا كأبناء الله في عالم الجسد الذي لا يُسَّهل لنا المسيرة. ولكن لا نقلق ولا نيأس إذا تألمنا بسبب جهادنا في سبيل الروح. لأنَّ آلام ذلك الجهاد ستزول لكنها تضمن لنا مجدًا أبديا لا يوصف ولا يزول. ولأننا لسنا نجاهد لوحدنا بل الروح القدس هو" يجيءُ لنجدةِ ضُعفِنا ".
3* الأنجيل : متى 21 : 23 - 46
دخل يسوع أورشليم بجلالٍ ملوكي وطردَ التجّار من الهيكل وأيبَسَ التينة العقيمة. إعترضَ عليه قادةُ الشعبِ والمسؤولون عن الهيكل. طلبوا منه أن يُبَّررَ فعلتَه وإلا لن يسامحوه. عرضَ عليهم إتّفاقًا : إذا قالوا له بأي سلطان عَمَّد يوحنا يقول لهم هو أيضا بأي سلطان يفعلُ ما فعل. رفضوا أن يعترفوا بأنه عمَّد بتخويل الهي لأنهم لم يؤمنوا به وقضوا عليه. وخافوا ألا يقتلهم الشعبُ إذا قالوا بأنه عمَّد بتخويل من الناس. رفضوا الجواب على سؤاله. فأبى يسوع أيضا أن يكشف لهم الحقيقة. لأنهم لا يطلبون معرفة الحقيقة بل يبحثون عن حجَّةٍ لإهلاكهِ. ثم قصَّ عليهم مثل إبنين تظاهر أحدهما بالطاعة لوالده ولم يفعل والثاني بعدم الطاعة ثم ندم وأطاع. و بهذا فضحهم أنهم يدَّعون الأيمان والطاعة لله لكنهم لا يتبعون شريعته ولا يؤمنون بالمسيح، بينما لا يعرف الوثنيون الله لكنهم آمنوا بالمسيح. وتابع حديثه بمثل ثانٍ هو" الكَّرامون القتلة " وبه أعلن لهم أنَّ الله سحبَ منهم إختياره لهم كشعب خاص به قائلا:" سيأخذ الله ملكوته منكم ويسَّلمه الى شعبٍ يثمر" ، فيؤمن بالمسيح ويتبعه. لمْ يؤَّدِ الشعب اليهودي رسالته بل تمَّردَ على الله " وساروا وراء أهوائهم وعاكسوني في كلِ حين "(اش65: 2-3).
***************
نتابع الإيضاحات الراعوية للأسرار. ونتحَدَّثُ اليوم ، عن :
سِّــــر القربان ، و الكهنــوت
1}ـ سر القربــان
نحن نؤمن بتحَوَّل الخبز والخمر الى جسد ودم المسيح بواسطة خادم كاهن إنتدَبَتْه الكنيسة لهذه الخدمة. فالكنيسة تُكمل وصية المسيح " إصنعوا هذا لذكري". في القربان يسوع حاضرٌ بين البشر. حاضر يدعونا اليه ليعيننا. " من كان عطشانا الى الحق، الى الحياة فليأتِ إِليَّ ". ليذهب اليه فيرتوي من الحق، ويغتذي من القوت الألهي النازل من السماء فيسند مسيرة حياته. يسوع حاضرٌ بيننا غذاءًا للحياة الألهية فينا. يسكن بيته، بيت القربان، ليسهل لنا زيارته والألتجاء اليه عند الضيق والحاجة. بل هو قريب منا لكي لا نبقى وحدنا معزولين مُهمَلين. نأتي اليه نحَدّثه عن همومنا وشدائدنا وحاجاتنا. نأتيه أيضا لنعرب له عن حبنا وعن شوقنا الى تذوق الراحة عنده. نأتي اليه لنتعَّود صحبته ونتذّوقَ عشرته الأبدية.
نستعد للتناول. نتهَّيا لتناول القربان بقداسة السيرة. يقول مار بولس :" من يأكل خبز الرب أو يشرب كأسه وما كان أهلا لهما خطيءَ الى جسد الرب ودمه"(1كور11: 27). توجد خطايا مميتة تقطع الصلة بين الخاطيء والله (1يو5: 16) يجب التخلص منها بالتوبة قبل التناول. أما الخطايا العرضية ، غير المميتة، فيُعطي القداس فرصة التوبة عنها بالمصالحة أولا مع الناس وذلك برتبة السلام، ثم بطلب غفران الله برتبة التوبة فنقول :" يا رب إغفِر خطايانا وزّلاتِنا".
الأحتشام في الكنيسة. القداس هو إحياء موت وقيامة يسوع المسيح لنعاينها ونشترك بثمارها. مطلوب من كل واحد أن يتقَّيد بالنظام العام ، وبالسكوت أو ترديد الأجزاء المُحَدَّدة له، ولاسيما باللباس المحتَشَم. نحن، في الكنيسة، مع المسيح في العلية ومع مريم ويوحنا تحت الصليب. و بخصوص الزي المحتشم لاسيما غطاء الرأس هو رمز إحترام الزوج ومن خلاله إحترام الله. وهو مفروض خلال القداس كله لا فقط أثناء التناول. ليس القداس حفلة زفاف لنتبرَّج " بضفر الشعر والتحَّلي بالذهب والتأَّنق في الملابس". بل نتزَّين كما يقول مار بطرس" من الداخل: بعفافٍ وتقوى .. من زينة نفس وديعة مطمئنة لا تفسد "(1بط3: 2-4 ؛ 1طيم 2: 9-11).
التناول باليد. ليست اليد أطهر من الفم ولا الفمُ أنجسَ من اليد. وسخ الجسد تغسله الماء. الفسادُ في الفكر والقلب. التناول بالفم يشبه رضاعة الأطفال الذين يُعطى لهم الغذاء بالفم لأنهم ليسوا قادرين على تناول الطعام بأنفسهم. أما الأنسان البالغ فيخدم نفسَه بنفسه. والرب يسوع قال لتلاميذه "خذوا كلوا .. خذوا آشربوا ". عاملهم كأناس بالغين يهتمون بتناول طعامهم. فالتناول باليد يشير الى أن المؤمن مهتَّمُ بالقربان وله رغبة شخصية بالتناول ومستعّدٌ لأن يتقَدَّمَ بنفسه ويطلب القربان. حركته دليل إهتمامه وآستعداده للتناول. ولذا لا نستغرب إذا طلبت منا الكنيسة يوما أن نمُدَّ يدنا ونأخذ نحن القربان من الكأس عوضًا عن أن يضعه الكاهن في يدنا. تريد الكنيسة أن يكون لنا الأيمان أننا بحاجة الى قوت الرب، ونتقدم بشوق ورغبة حارة لتناوله ، و نحن نهتَمُّ بآحترامه بقداسة سيرتنا أكثر مما بمظاهر الملابس أو بطريقة التناول، مُرَّكزين على محبتنا وشوقنا الى الرب، وخاضعين للنظام المطلوبِ منا.
أخذ القربان للمرضى. إن كان لنا في البيت مريض أو شيخٌ لم يستطيعوا مشاركة القداس يمكن لذويهم الحاضرين في القداس أخذ القربان لهم ليتناولوا ولا يُحرموا من ثمار القداس، ولكن بشرط أن يجلبوا معهم " حُقَّـةً " صغيرة يضع فيها الكاهن القربان ويُؤخَذ اليهم. أي أن يتم كل شيء بآحترام للقربان.
2}-الكهنوت
الكهنوت مشاركة في حياة الله وسلطانه. بعمادنا أصبحنا كلنا كهنة لأننا أصبحنا أولاد الله و ورثته. وبهذه الصفة نستطيع أن نتصَّرف مثل الله. والله أحب العالم ويريد خلاصَه. فنحن أيضا يجب أن نحب ونعمل من أجل خلاص العالم كله. هذا ما يُدعى بالكهنوت العام، المشترك بين جميع المُعَمَّدين. ولكن الرب يسوع إختار بعضًا من المُعَمَّدين ليُتابعوا خدمته. أن يكونوا وسطاء بين الله والناس. وهذا هو الكهنوت " الخدمي" الذي مازال الرب يدعو اليه قسمًا من المعَمَّدين لا كلهم. فالكاهن الخادم وحدَه خًوَّله الرب سُلطانه في غفران الخطيئة، وتجديد ذبيحة الصليب و توزيع الأسرار الألهية التي تُفيضُ نعم الله وعونه للناس. فالكاهن يُصَورُ شخص المسيح في رسالته، عمله، ويؤدي دوره في خلاص البشر. هذا ما قاله الرب:" أُعطي لي كلُّ سلطان في السماء والأرض. إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم ، عَمِـدّوهم .. وعَلِـموهم .. أشفوا المرضى ، أقيموا الموتى ، طهروا البرص ، وآطردوا الشياطين .. ما ربطتم أو حللتم على الأرض.. من غفرتم لهم خطاياهم غُفِرت لهم.."(متى28: 19؛ 10: 8؛ 18: 18؛ يو20: 23). الكاهن خادم. نعم لأنه هو الكبيرُ في الجماعة وآختاره الرب ليرعى قطيعه. ليس الكاهن هو من إختار هذا منصب الكهنوت، ولا أقامه البشر في هذا المنصب، ولا هو خدمة زمنية وقتية يتحَكَّمُ فيها الناس. يسوع هو الذي يختار مؤمنين للكهنوت. كما إختار بطرس و زملاءَه يستمر فيختار رسلا جددًا للعمل من أجل خلاص البشرية. إنه عمل الله يؤديه من يقيمهم على الخدمة. ليس الكاهن ليُلَّبي رغبات الناس الدنيوية. كما ليس المؤمنون يُقررون ما هو واجب الكاهن. السلطة الكنسية هي تقرر وتحَددُ له حدود عمله ونوعية رسالته. فالكاهن مُقامٌ ليبَّلِغَ الناس تعليم الله ومشيئته ويقدم للمؤمنين الخدمة الروحية كما تفرضها عليه الكنيسة لا كما يرغب فيها الناس. إنه رجل الله بين الناس. يتعلم من الله لا من الناس. وإرادة الله تعلنها الكنيسة لا المجتمع الأنساني. يرفع الى الله حاجاتهم وطلباتهم. ويرشدهم إلى عدم التمسك بخيرات الدنيا، والإجتهاد بعكس ذلك في آقتناء الخيرات الروحية التي تضمن الحياة الأبدية لا الزمنية.
الكاهن ينال سلطانه من الله. لأنه يقوم بعمل الله ومنتَدَبٌ منه على شعبه فهو يتقَّيد بتعليم المسيح الذي قال:" لستم أنتم إخترتموني. بل أنا إخترتكم. وأقمتكم لتذهبوا وتثمروا "(يو15: 16). مطلوبٌ من الكاهن أن يتبنى ويتابع خدمة المسيح. هذه الخدمة هي من تأسيس الهي. هي خدمة روحية. هدفها تحقيق الحياة الروحية. لأن الأنسان صورة الله الروحية، ولأنَّ حياته الأبدية روحية لا مكان فيها للحواس (متى22: 30). لأنَّ حياة العالم الزمنية ليست قائمة بذاتها ولا تدوم للأبد. بل هي فرصة ليشترك الأنسان، ابن الله، في بناء حياته الكريمة. والكاهن يخدم أبناء الله كي لا يخطفهم ابليس من جديد فيخسروا الحياة.
الكاهن إنسانٌ. المسيح هو الله المتجّسد الذي أصبح " ابنَ الأنسان"، فأدّى دورالأنسان الخاطيء دون أن يفقد قداسة لاهوته أو يتخلى عنه. والكاهن إنسان رفعه المسيح الى مستواه في السلطة و الخدمة ولكن دون أن يفقد إنسانيته. وإنسانيته قابلة للخطأ. يمكن للكاهن أن يكون خاطئا و يحتفظ بمهمته وسلطانه. لأنَّ كهنوته مثل ناسوته يدوم للأبد. لهذا لا يُعرقلُ ناسوته، حتى لو أخطأ، فاعلية كهنوته. لقد دخل يسوع ماء المعمودية والتوبة وهو بلا خطيئة، وقبل لعنة الأثم على الصليب وهو الأله القدوس البار. هكذا يمكن أن يقف الكاهن على المذبح ويقرب ذبيحة المسيح القدوسة والطاهرة، وأن يغفر خطايا الناس في المنبر، ويكون هو نفسه في حالة خطيئة ، لأنَّ الذي يُتَّمم فعله هو الروح القدس نفسُه.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com