الأحــد الثـالـث للصـــوم !
<>:<>::><::<>:<> 2017.03.12
تُتلى علينا اليوم القراءات : تك7: 1-24 ؛ رم7: 14-25 ؛ متى20: 17-28
1* القـراءة : تكوين 7 : 1- 24 الطوفــان ونجــاة نوح وعائلته
لقد فسدت البشرية ولا تتماشى مع قداسة الخالق. خطيئتُها تُحرقُها. يحاول ابليس القضاء على البشرية كلها بإحراق الأخضر مع اليابس. رأى الله نوحًا وعائلته صالحين. لا ترضى عدالته بهلاكهم. يريدُ إنقاذهم. سيزول الشر لفترةٍ أما البشرية فلن يسمح الله بزوالها. إن كان قد خلق من لا شيء فهو قادرٌ على إكثارها من جديد حتى ولو من ثلاث عوائل. إنه عددٌ كافٍ وكامل. إن كان ابليس قد أفسد الخليقة فالله يُطَّهرُها. فستكون مياه الطوفان أولَ رمزٍ للمعمودية (1بط 3: 21) وسيليها بحر الأحمر إلى أن يُثَّبتها الرب بمياه العماد. يبدأ المطر بالسقوط بغزارة، منسوب المياه يرتفع ويرفع معه الفلكَ الذي يحوي نماذج من كل المخلوقات فيهم الأنسانُ نوحٌ البار. تستمر الأمطار بالهطول أربعين يوما وليلة، تكفي لتُغرقَ كلَّ شيء، من جمادٍ وحياة ، ولكي ترتفع حتى فوق قمم الجبال ، حيث مقَّرُ الألهة !، وتسبح السفينة براحتها حاميةً من في داخلها. وتبقى المياه في علوها الشاهق 150 يومًا لتقضيَ على كل ما فسد على وجه الأرض.
2* الرسالة : رومية 7 : 14-25 الصراع الداخلي للأنسان
الشريعة روحية أما الأنسان فمادي باع نفسه للشهوة الحسّية. لا يستطيع دائما أن يسيطر على تصَّرفاتِه. الخير في الأرادة وأما عمل الخير فعن طريق الجسد. والجسد فسد بالخطيئة. هذا هو ما يجعل الأنسان لا يفعل دوما ما يريده من الخير، بل بالعكس يفعلُ كثيرًا ما لا يريده. هذا الصراع لن يوقفه غير المسيح الذي قضى عليه في جسده على الخطيئة. لقد حرَّرَ الأنسان من عبودية الشهوة في الجسد. أمات جسده ليبقى أمينا لروحه وعلَّم الأنسان كيف يُغَّلبُ الخير الذي يفكره ويشتهيه على ما تدفعه إليه شهوة الجسد : وهي سلوك سبيل الروح.
3* الأنجيل : متى 20 : 17-28 إنباء يسوع بموته وطلب أم إبني زبدى
في طريقه الى أورشليم أخبر يسوع تلاميذه، على انفراد، كيف سيحكم عليه الرؤساء ويصلبونه فيموت لكنه سيقوم في اليوم الثالث. لابد وآنتشر الخبر بين أهل التلاميذ. وربما فكَّرَ بعضُهم أنه لم يبقَ ليسوع على الأرض بعد دورٌ. وأما بعد الموت فقليلون من يؤمنون بحياةٍ أبدية. وأكيدا ما دام هو المسيح فسيُعيد قبل موته تشكيل الدولة اليهودية. فطمعوا في مناصب فيها لأولادهم. وإذا لم يتحَّقق ذلك فلابد أنه يشكل مملكة في السماء. فجاءت أم يعقوب ويوحنا وطلبت لولديها أرقى منصبين أن يجلسا عن يمينه ويساره في تلك المملكة. ردَّ يسوع أن ذلك يتطلب جهادًا وتضحياتٍ جسامًا وآلامًا. ثم ليس للأنسان أن يختار منصبًا عند الله بل الله هو الذي يدعو كلَّ واحد ويكلفه بمهمةٍ خاصة عليه أن يؤَّديها أولا بأمانة. وإذ أثار موقف الأخوين حسد الآخرين وغضبهم هدَّأَهم يسوع بالتأكيد على أنَّ مملكة الله ليست بالسيادة والتسَّلُط بل بالخدمة المدفوعة من المحبة. هذا ما فعله الله نفسه فلأنه أحَّبَ الناس غسل أقدامهم وبذل حياته عنهم، وأعطى بذلك درسًا وقدوة لأتباعه.
***********************
ســـر الـتـثـبـيـت أو الميرون
يتميَّز التثبيت عن المعمودية أولا لأن توزيعه كان في بدء المسيحية محصورًا بالأسقف كما رواه سفر أعمال الرسل 8: 15-17، وما يزال كذلك في الكنيسة اللاتينية حتى اليوم، وثانيًا لأنه يفيضُ الروح القدس على من إعتمد بآسم المسيح وآنتمى اليه. وعلامته بوضع اليد أو رفعها على المُعتَمَد ومسحه بدهن الميرون المقدس. وضع اليد يعني إمتلاك الشخص وتكليفه بمهمة خاصة تعود الى دائرة الحياة الألهية. فالمُثَّبت قد أعلن شاهدا للمسيح وزُوِّدَ بالقوة الفائقة الطبيعة للسلوك بسيرةٍ إلهية، كالجندي الذي يُدَّججُ بالسلاح عند زَّجِه في ساحةِ المعركة. فيبقى الروح القدس يرافقه ليحميَه ويُنصِرَه على الشَّر. وكما على الجندي أن يُفَّعلَ سلاحه هكذا على المُثَّبَت أن يستعمل قوة الروح القدس ويُفَّعلَ إرشاداتِه حتى يحيا إبنًا لله. والروحُ يوحي ويُلهم المؤمنين بحقائق وسلوك تساعدهم على الثبات في الحق. إنه يُرشد الأنسان من خلال الضمير، وحتى يتحَّدث بفم المؤمن لينقذه من مأزق مُحرج (متى10: 20).
ســـر التــــوبة
سر التوبة معروف لدى عامة المؤمنين بـ " سر الأعتراف". الأعتراف ليس سوى الجزء الأخير من التوبة. بالحري يكون الجزء الأول بالعلاقة مع الله. إنه بداية التوبة عندما نفحصُ ضميرنا ونُقِّرُ ، بيننا وبين الله، بأننا قد أخطأنا إليه بمخالفتنا وصاياه وتوجيهاته. نعترف أننا غلطنا في أقوالنا و تصَّرفاتنا. بل حتى في أفكارنا المعارضة للحق. ثم نتـندم على تلك التصرفات الشاذة. لا توبة بلا ندامة. ثم نقصُدُ أن نتراجع عنها ونُغَّيرُ سلوكنا. وعندما نُصَّممُ على التغيير نبادرُ الى طلب العفو عنها قاصدين ألا نعود الى الخطيئة وأن نقبلَ ما يفرضه الله علينا من فعل للتكفير عن ذنوبنا ولاسيما لآستعادة محَّبتِه وصداقته كما يليق بقداسته وجلاله. الخطيئة نَجَّستنا ودَنَّنست روحَنا وشَوَّهت علاقتنا بالله. و بالتوبة نستعيدُ العلاقة الجيدة والطيبة مع الله فننعم من جديد بأفضاله و وعوده. بعد كل هذه المراحل " نُقِّرُ أمام الكاهن في المنبر" بجميع خطايانا التي نتذّكرها، ونطلب العفو عنها.
بالتوبة نتصالح مع الله، وأيضًا مع الجماعة المسيحية التي إحتقرناها بآقترافِ الخطيئة وشَوَّهنا صورتها وخرجنا عن دائرتها وفقدنا إمتيازاتها. وبالأعتذار أمام الكاهن نستعيدُ وحدتنا الروحية مع الكنيسة. وأيضا يضمن لنا الكاهن غفران الله. لأن المسيح سَلَّمَ " سِرَّ الغفران" الى الكنيسة، فقال:" من غفرتم له خطاياه غُفِرَتْ ، ومن أمسكتم عليه خطاياه أُمسِكَتْ عليه" (يو20: 23). فالكاهن يُمَّثلُ المسيح الحاضر في الكنيسة، وبآسمه يؤَّكدُ للتائب هل غُفرَت له خطاياه أم لا، و يرشده الى كيفية التخَّلص من الخطيئة، والتكفير عنها. وتفرضُ الكنيسة التوبة والأعتراف أقله مرَّة كل سنة. وتنصحُ به في المناسبات الطقسية المهمة كالأعياد المارانية أو فترة الصوم.
صيغة الأعتراف
الشكل الفردي : في المنبر بكل أبعاده و أجزائه.
الشكل الكنسي الجماعي: بإطارٍ إستعدادي جماعي ، أي مجموعة من المؤمنين يستعدون معًا بمرافقة ترانيم روحية وقراءات كتابية وموعظة وفحص للضمير مشترك وآلتماس الصفح عن البعض وتلاوة صلوات لاسيما " الأبانا " معا أو المرتبطة بالتوبة، مع إقرار فردي منعزل بالخطايا، ونيل الحلة بشكل فردي أيضا.
الأعتراف والحَّلة العموميين : عند حصول حالات طارئة خطيرة فيها " خطر موت داهم لا يتيحُ للكاهن او الكهنة وقتا كافيا لسماع إعترافات كل تائب بمفرده، أوعدم توَّفر كهنة لسماع الأعترافات،.. فيُحرَمُ التائبون مدة طويلة بغير ذنب منهم نعمة السر أو التناول المقدس، في هذه الحال يجب على المؤمنين، حتى ينالوا حَّلا صحيحا لذنوبهم، أن يعقدوا العزم على الأعتراف الفردي لخطاياهم الثقيلة في الوقت المطلوب. ... أما توافد المؤمنين في مناسبة الأعياد الكبرى أو في مناسبات الحج فلا يشَّكلُ حالة من أحوال هذا الخطر الماس" (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم 1483). ويتابع التعليم الموضوع قائلا :" الأعتراف الفردي الكامل والحل الذي يعقبه هما الطريقة العادية الوحيدة لتحقيق المصالحة مع الله والكنيسة" ( رقم 1484 و 1498). إذن لا يجوز الحَّلُ الجماعي عند عدم وجود وضع شاذ وخطير.
أما قول مار يعقوب :" ليعترفْ بعضُكم لبعضٍ بخطاياهُ " (يع5: 16) فلا يعني أن نعترفَ عند الناس عوض الكاهن. بل أن نُقِّرَ بأخطائنا تجاه الآخرين ونعتذر لهم عنها. قول الكتاب هو كقوله على فم يسوع :" إغفروا يُغفَرُ لكم "(لو6: 37)، لن يغفرَ لكم أبي السماوي إن لم يغفرْ
كلُ واحد منكم لأخيه من صميم قلبه "(متى18: 35). وكيفَ يتم الغفران المتبادَل إذا لم تتمْ أولا مصارحة بالخطأ ثم بطلب السماح أو إعطاء السماح. وإذا قمنا بذلك وتسامحنا بين بعضنا، مَن وكيف نضمن سماح الله الذي إحتقرناه بمخالفة وصاياه؟. ولو كان الناس أساس الغفران لماذا ربط المسيح الغفران بالكنيسة؟. ولولا أنَّ الشريعة قالت "لا تشتهِ " لما عرف الأنسان الخطيئة. " لأنَّ الخطيئة بلا شريعة لا وجودَ لها. .. ولأنَّ الخطيئة إتخذت من الوصية سبيلاً فأغوتني" (رم7: 7-11). وصية الله دَّلت الأنسان على طريق الحياة. لكن الأنسان لم يسمع لله فخسر الحياة. ولن يستعيد الحياة إلا بالعودة الى سماع الله. وبما أنه لم يثق بالله وقللَّ من قدره وحسب نفسه قادرًا على تقرير الحق من دون الله فيكون قد أخطأ ضد الله ويتوجَّبُ عليه عندئذ التوبة الى الله. والله أوكل غفرانه الى الكنيسة. فلن يضمن الغفران غير الكنيسة. والكنيسة إنتدبت الكهنة لأداء تلك الخدمة. فالكاهن وحده يقدر أن يغفر بآسم الله ويضمن سماحه للأنسان. وتقول الكنيسة علنا بأنَّ " الله قد سَّلم الغفران، دواء الشفاء من أمراض الخطيئة، الى الكهنة. فمن ضربه ابليس ليظهر قروحه لتلاميذ المخَّلص، حتى يشفوه بدواء الروح".

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com