الأحــد الأول للصــوم !
<>:<>::><::<>:<> 2017.02.26
تُتلى علينا اليوم القراءات : اش58: 1-14 ؛ أف4: 17-33 ؛ متى3: 16-4: 11
1* القراءة : اشعيا 58 : 1-14 كيف يكون الصيام
تُحَّدثنا القراءة عن الصوم الحقيقي، أي أولاً عن الطعام المادي والذي هو رمزٌ وطريقٌ الى الثاني ألا هو الصيام عن الخطيئة ، بالآبتعاد عن كلِّ شر وممارسة الفضيلة وأعمال الخير. فالصوم دربُ القداسة وسبيلٌ للعافية والأستقامةِ ونيل رضى الله والحصول على الراحةِ والفرح
2* الرسالة : أفسس 4 : 17-33 الحياة الجديدة في المسيح
يَتَّحدثُ الرسول عن الحياة الجديدة في المسيح. يبدأ أولا بتحذير المسيحي عن السلوك كالوثنيين بالأهتمام بأباطيل الدنيا والأقتصار على حياة الزمن فالأبتعاد بالنتيجة عن حياة الله. تعليم المسيح يدعونا الى عدم الرضوخ للشهوات "الفاسدة والخادعة". ويتطلب تجَّدُدًا متواصِلا في الفكر والروح كما تقتضيه صورتنا لله في البر والقداسة. ثم يدعو الى الصدق والصراحة في العلاقات الأجتماعية وطلب ما يبني الجماعة. ولتحقيق ذلك يجب التحَّذر من الشيطان من جهة ، ومن أخرى عدم إعاقة عمل روح الله القدوس، وينهي كلامه بالقول :" وليكن بعضُكم لبعضٍ مُلاطفًا رحيمًا غافِرًا كما غفر الله لكم في المسيح".
3* الأنجيل : متى 3: 16 – 4: 11 يسوع يُجَّــربُ من ابليس
بعد عماده توجَّه يسوع بقوة الروح القدس الى البرية حيث صام عن الطعام 40 يومًا متواصلةً يتأملُ كلام الله ويُصَّلي إستعدادًا لرسالته القادمة. ولما ضعف جسمه وأنهك الصوم قواه إقتربَ اليه ابليس وأخذ يُجَّربُه محاولا إغراءَه بشهوة البطن والفكر والمال. لكن يسوع لجَأَ دوما الى الله مستشهدًا بكلامه ليدفع عنه تجربة تلو أخرى.

**************
نستغِّلُ الصوم، خلال آحادِه الستة، لنتطرَّق إلى أمور راعوية تتعَّلقُ بأسرار الكنيسة. نعرف أنَّ الأسرار قنوات للنعمة الألهية تتكفَّل الكنيسة توزيعها بشكل مثمر يُحَّقق نجاح السّر. ولكي ينال المؤمن كلَّ عون السر نظمت الكنيسة بسلطانها الألهي كلَّ ما يخُّصُ توزيع السر وتطلب من المؤمنين التقَّيد بذلك لتضمن أداءَ السر مفعوله كما أراده الله. ولكي يتقَّيد المؤمن بوعي وفرح بنظام توزيع الأسرار يحتاج الى معرفة تعليم الكنيسة ونظامها أي مشيئتها في كيفية تطبيقه. فمطلوبٌ منه أن يتجاوبَ مع تعليمات الكنيسة لا أن يفرض عليها ما يُعجبُه هو، أو ما رآى غيرَه يصنعه.
1* مقــدمة عـامــة
ما تعمله الكنيسة في ليترجيات توزيع الأسرار هو عمل المسيح. فالمسيح يُصَّلي والمسيح يفيضُ النعمة. الكاهن والمؤمنون يؤَّدون الطقوس بآسم المسيح ليُحَّققَ الله ما وعده في المسيح. فالليترجية " تُحَّققُ وتعلنُ الكنيسةَ علامةً للشركةِ القائمةِ ، من خلال المسيح، بين الله والبشر، و تولجُ المؤمنين في حياة الروح الجديدة للجماعة المسيحية ، وتفترضُ لدى الجميع مشاركةً واعية وفاعلة ومثمرة " { التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، أرقام 1170-73}.
2* الأسرار السبعة
هي : المعمودية ، التثبيت ، الأوخارستيا ، التوبة ، مسحة المرضى ، الكهنوت والزواج. إنها ترافق المراحل والظروف الخاصّة في حياة المسيحي. بهذه الأسرار يدخل الأنسان وينتمي
الى حياة الله وينالُ "ذخيرة البنين " فيحصل على خيرات الله لأنه يُقاسمُه حياته الألهية. يحتفظ بهذه الحياة ويحميها من أعدائها ويُغَّذيها بالقوت الروحي الذي لا يفسد، ويشفيها من أمراضها وأوجاعها، ويمارسُ سلطان الله ليقود حياته بنجاح وأمان.
تتمَّيز الأسرار عن بعضها بالنعمة الخاصّة التي تفيضها. فـتنقسم الى ثلاثة أنـواع :
1- أسرار التنشئة ؛ 2- أسرار الشفاء ؛ 3- أسرار خدمة الشركة.
3* أسرار التنشِـئة
وسُّميتْ بـ "أسرار التنشئة" لأنه بواسطتها تنشأُ الحياة المسيحية. وهي : المعمودية ، و التثبيت ، و الأوخارستيا. إنها مشتركة بين كل المؤمنين المسيحيين ، وتدعوهم الى " القداسة والى رسالة التبشير بالأنجيل في العالم". وتضمن للمتحَّلي بها النعمة الضرورية الساندة لجهوده وجهاده، فيحيا الحياة الروحية التي أقامه المسيح شاهدا عليها، حياة تقديس الذات وتقديس العالم والمسيرة نحو الوطن السماوي الخالد.
المعمودية : بها يولَد الأنسان ثانية ، ومن العُلى، من كلام الله الحي (1بط1: 23؛ طي 3: 5) فينتمي الى المسيح ، ويشترك بذلك في بُـنُّوة الله ويرثُ حياته وخيراته (رم8: 16-17؛ غل4: 7). وينال بذلك وسمًا، ختمًا لا يزول ، لذا لا يتكَّررُ أيضًا، ضامنا له الحياة الأبدية في نعـيم فردوس الله.
التثبيت : بهذا السر يتسَّلحُ المسيحي بقوة الله نفسه، بالروح القدس الذي يحُّلُ عليه، ليقاومَ حربَ
أعدائه ، شهوات الجسد والمجد والمال، ولاسيما ابليس العدو الغير المنظور الذي أغواه في البداية ولا يزال يهاجمه ليوقعه عن مجده ويُهلكه. فالروح القدس يرشد المؤمن الى الحَّق كاشفًا فخاخ ابليس ، ويثَّبتُه في محبَّةِ الله والوحدة معه. ويختم المؤمن أيضا، كالمعمودية ، بوسم أبدي لا يزول يجعلُ الله مقيمًا فيه وعاملاً بواسطته.
الأوخارستيا : بهذا السر يتغَّـذى المؤمن من حياة الله نفسه، من الخبز النازل من السماء ، جسد يسوع ودمه في ذبيحة القداس. إنه قوتُ الحياةِ الروحية. إنه " سِرُّ تقوًى ، وعلامة وحدةٍ ، و رباط محَّبةٍ ، و وليمةٌ فصحية فيها نتناولُ المسيحَ غذاءًا ، وتمتليءُ النفسُ بالنعمة ، ونُعطى عربونَ المجدِ الآتي " (ك.ت.ك.ك. رقم 1323).
4* أسرارُ الشِــفاء
منحت أسرارُ التنشئة للأنسان حياة المسيح. لكننا " نحملها في آنية من خزف "(2كور4: 7). إنها معَّرضة بالخطيئة للضعف بل حتى للتلف بسبب أوضاع الحياة الزمنية. والرب يسوع غفر وشفى المبتلين بجروح الخطيئة أو المرض. وكذلك وعد بالغفران لمن يعود اليه بالتوبة، وبالشفاء من كل سقم مادي وروحي.
التــوبة : خلق الله الأنسان للراحةِ والسعادة. ولما أخطأ في البدء لم يتنازل عنه ولا عاقبه بل وعده بالخلاص، بآسترجاع صداقته ومكانته. أبدى له حُبًّا بلا حد فشمله برحمته الواسعة. لذا منع قتل الأنسان الخاطيء (حز18: 23). وتجَّسد المسيح لكي يقود الخطأة الى التوبة لأنه لم يشأ " أن يهلك من يؤمنُ به"(يو3: 16). وبموته كفَّر عن الخطيئة وصالح الأنسانية مع الله (اف2: 16) بطلبه من الآب أن يغفر لها (لو23: 34). فالتوبة سرالندامة نسبةً الى الأنسان و سرُّ الرحمة والغفران نسبةً الى الله.
مسـحةُ المرضى : شفى يسوع مرضًى كثيرين. وقال " لم آتِ للأصّحاء بل للمرضى". و الشفاءُ دليل إفتقادِ اللهِ شعبَه. وأعطى تلاميذَه أن " يُشفوا المرضى ويُطَّهروا البُرصَ"، ودهنوا "بالزيت كثيرا من المرضى فشفوهم "(مر6: 13). وبدورهم دعا الرسلُ المؤمنين الى معالجة مرضاهم بدواء الرحمة الألهية. ويؤكد الرسول يعقوب بأنَّ " المسحة بالزيت بآسم الرب ، و
الصلاة مع الأيمان تُخَّلصُ المريضَ والربُ يُعافيه" (يع5: 14-15).
5* أسرارُ الخِـدمة :
إنهما سِران يُشركان الأنسان مباشرة بسلطان الله وعمله وهدفهما خدمة الآخرين لخلاصِهم. هذان السران يخولان المؤمنين رسالة الهية خاصّة و" يساعدان في بناءِ شعبِ الله ".
الكهنوت : هو سِّرُ حضور المسيح في جماعة المؤمنين به لُيواصلَ ويُكَّملَ خِدمته الخلاصية. إنه تواصُلُ خِدمة الحياة التي جاءَ من أجل توفيرها للناس. إنما يواصل رسالته عن طريق الرسل الذين وَكَّلهم على تلمذة الناس وتعليمهم وإرشادهم الى طريق الحَّق. وقد زَوَّد رُسُلَه ، الذين يستمِرُّ فيختارهم عبر الأجيال، بسلطانه وضَمَن لهم بقاءَه معهم وعِصمتهم من الخطأ حتى يُؤَّدوا الشهادة له بأمانةٍ وشجاعةٍ وصمود. دعا الرب الكهنوت سِرَّ الخدمة لأنه هو الرب والمعلم قال " جئتُ لأَخدُمَ لا ليَخدُمني الناس" وفعلاً " خدم"، وطلبَ من تلاميذه أن يقتدوا به، فقال:" الكبيرُ فيكم ليكن لكم خادِمًأ ".
الـزواج : إنه سِرُّ خدمة الأنسانية بتمديد الحياة الى ما شاءَ الله. وهو أيضا سر خدمة العهدِ بين الرجل والمرأة وتوفيق الشركة بينهما لأسعادهما وللأنجابِ وتربية الأطفال. فالزواج نعمةٌ وخيرٌ للأنسانية يخدمها لتحقيق هدف الخِلقةِ في إستمراها، ويخدم الأنسان في تقديس قِيَم الحُب والتعاون والتفاهم والتسامح ورغبة البناء.
6* السِّــر : يعني " علامة منظورة لحقيقة خفية ". فالأسرار" هي علاماتٌ حِسِّـية (كلمات و أعمال أو حركات) قريبةُ المنال لبشريتنا في وضعها الراهن، تُحَّققُ فاعليةَ النعمةِ التي ترمُزُ إليها، بقوَّةِ عمل المسيح وقدرةِ الروح القدس "(ت.م.ك.ك. رقم 1084). مثلا في المعمودية يُستعمل الماء ، الذي يغسلُ ويُطهرُ، علامة لتطهير الأنسان من الأثارالسلبية للخطيئة الأصلية. والماء يُكَّرَسُ بدعاء الكاهن ورفع يديه عليه علامة حضور الروح القدس الذي هو يُحرق الخطيئة ويُنَّـقي منها الأنسان. فغسل الأنسان من الخطيئة يتم حصرًا بقوة الروح القدس لا بالماء الذي هو رمزٌ فقط يشير الى ذلك.
بعضُ الأسرار تسمُ المؤمن بختمٍ إلهي يدومُ للأبد، كالعماد والتثبيت والكهنوت، فلا يزول مهما حدث ولا يتكَّرر إلا عند الشك وعدم إمكانية إثبات حدوثه بأدّلة قاطعة. وعندها يُعطى السِّـرُ و لكن " تحت شرط" ، إن لم يسبق فناله المؤمن. وغيرها كالزواج ترتبطُ صِحَّةُ قيامه بالشروط التي تضعها الكنيسة، ويزول رباطه الزمني بالموت. أما بقية الأسرار فتتكَّررُ حسب الحاجة وكما تشيرُ اليه الكنيسة.

{ الى الأحد القادم }
القس بول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com