الأحـد السابع للـدنــح !
2017.02.19
تُتلى علينا اليوم القراءات: اش 42: 5-9، 14-17 ؛ 1طيم6: 9-21 ؛ متى7: 28 – 8: 13
1* القـراءة : اشعيا 42 : 5-9 ، 14-17
الله خالق السماء والأرض. الله مصدرُ كل خير. وهو واهب الحياة. ولله خُطَّته ليُعيدَ الأنسان الى كرامته ومجده. إختار شعبًا يُهَّذبُه ويُدَّربُهُ ليكون منارةً تهتدي به الأُممُ الى درب الأيمان. فدعوة الله لشعبِه ليست فقط ليتمَّتع بخيراتِه ويتمَجَّد بآمتيازِه. بل أقامه الله ضمانا للشعوب بأنَّه هكذا يُعاملُ كلَّ من يؤمن به ويحفظ كلامه. لقد جعله " نورًا لهداية الأمم " فيفتحُ على الحق عيون الناس الجُهَلاء ، ويُنعشُ رجاءَ المتألمين والمظلومين بالحرية والراحة. شعبُه متألم و مُهان. لقد آن الأوان ليستعيدَ حريته وكرامته. ولن يُقَّصرَ الله بشيء لتحريره من عبوديةِ السبي . صار الشعب مثل أعمى لا يعرف طريق نجاته. الله نفسُه سيكون له نورًا ودليلاً يُبَّسطُ له الجبال و يُعَّدلُ أمامه الطرق الوعرة والمُعوَّجة مُسَّهِلا سبيلَ العودةِ الى الوطن. لقد تعَّلم الشعب الدرسَ. كان السبيُ وسيلة لإفاقتِهم من ظلمة إلتوائِهم، من نوم جحودهم وآتكالهم على أنفسهم بآختيارهم آلهةً على أذواقهم والسلوك حسب ملَّذاتِهم. الربُ وحدَه منقِذُهم ، ولن يخذل آمالهم.
على الشعبِ أن يؤمن ويثقَ بالله ويتبعَ إيحاءاتِه.

2* الـرسالة : 1 طيمثاوس 6: 9-21
يُؤَّكدُ مار بولس بأنَّ المالَ أصلُ كلِّ شر. من إستسلمَ اليه زاغَ عن الأيمان و وقع في مطبات كثيرة تسَّببُ له قلقًا و وجع رأسٍ شديد. لأنَّ حُبَّ المال مصيَدَةٌ والبحثَ عنه كَدٌّ وشقاء يُشغلُ الأنسان عن الله وعن الحياة. لا يمكن جمع الله والمال معًا (متى6: 24). لأنَّ حبَّ المال يُعمي البصيرة ويسُّدُ الآذان فيُلْهي المرءَ عن الحَّق و يُبعدُه عن الله والأنسان. ولا يضمن الحياة لأنه زائل (لو12: 15). ولأنه يُغرقُه " في الفسادِ والهلاك". وهذا ضد طبيعة الأنسان وطموحاتِه. لأنَّ الأنسان إلهيُ الأصل وإلَهيُ الدعوة ولم يُخلق للأرض وخيراتها، حتى وإن كان مصنوعا منها، بل لبناءِ ذاته وتزيينها بالخيرات الروحية. الله وحده هو ثروة وغنًى لا ينضب معينه. و وحده من يقتني الله يربح. أما من لا يَغنى به فيخسر الحياة.
فعلى رجل الله أن يتجَّنبَ حُبَّ المال. عليه أن يطلب " البرَّ والتقوى والأيمان والمحَّبة والصبرَ والوداعة والجهاد.. وحفظ وصايا الله" (آية 11). عليه أن ينشرَ هذا التعليم. عليه أن يتكلَ على الله ويوصي المؤمنين بذلك. الغنى الحقيقي يُكتسَبُ بالأعمال الصالحة وإشراك الآخرين بسخاء بخيرات الدنيا. هذا هو كنز الحياة الأبدية.
وعلى رجل الله بنوع خاص أن يُحافظَ على وديعةِ الأيمان. لا يحفظها مُحَرَّرَة على الصحف وَمصفوفةً على رفوف المكتبة. بل يحفظها في قلبه. لأنَّ الأيمان ليس كلاما مكتوبًا فقط بل هو حياة تنمو يوما بعد يوم. الله يحفظ الحياة. لم يضعها في صندوقٍ زجاجي محكم الأغلاق لا يدخلها حتى ولا الهواء فلا يطالها الفساد. بل يحفظها إذ يُديمها رغم موت الناس والكائنات. تستمر الحياة في الوجود ، وفي تحسين متواصل للأحوال والأوضاع. هكذا يُحافظ المؤمن على وديعة الأيمان إذ يُنَّميها بحياته ويُسَّلمُها للجيل التالي وهي أكثر نقاوةً وفاعلية. كالحياة يستمر الأيمان في الوجود والأنتشار والتوارث جيلا بعد جيل ألمع وضوحًا وأقوى نشاطًا، ليكون بُركانًا لا ينطفيء ونبعًا لا يتوقف عن العطاء. مطلوبٌ من رجل الله أن يبقى أمينا لكلام الله ولا ينجرفَ وراء الأهواء والتيارات الغوغائية، بل يشهد جيلا بعد جيل لنفس الله ولنفس المسيح و لنفس الحياة و لنفس الرجاء. لا يأتي من عنده بشيء بل يستمر يشهدُ لما تعَّلمه، ويُبَّلغُ ما تعَّلمَه بحياةٍ أنقى وحُلةٍ أبهى للجيل التالي. حتى وجوده أمانةٌ وَدَّعها الله إِيَّاهُ ويريدُ أن يستردَّها منه
بنُمُوٍّ مضاعفٍ (متى25: 20-21)، وربحٍ إِقتنته يدُهُ (رم2: 6؛ 2كور5: 11).

3* الأنجـيل : متى 7: 28 – 8: 13
الأيمان الحَّي لُبُّ تعليم المسيح وجُلُّ مطلبِه. وهذا التعليم ألقاه الرب "كمن له سُلطان". إنه يتصَّرف كسيَّد مطلق ويحاسب كصاحبِ حَّقٍ لا يُخالفُ لهُ أحدٌ أمرًا. فهذا أبرصٌ شفاهُ يسوع فأمُرُه أن يُكَّملَه بإبراز برهان شفائه، وذلك حسب الشريعة. وهذا قائدُ مئة يشفي عَبدَه ويُقَّدمُ إيمان القائد نموذجًا لا مثيل له بين اليهود" المؤمنين": " لم أرَ إيمانًا مثلَ هذا حتى ولا في إسرائيل"!. إيمان شَّفاف وقوي مثل ايمان إبراهيم (رم4: 18-21). لا يشُّكُ لا في لاهوتِ يسوع ولا في قدرته و رحمتِه. يكفي ليسوعَ أن يأمُر، وله أن يُطاع بدون مناقشة، مثل إيمان مريم(يو2: 5). وصاحب مثل كذا ايمان يقتنصُ الجنة ويتَّكيءُ في ملكوت الله. لأنَّ "ملكوت الله في جهاد، والمجاهدون يأخذونه عُنـوةً "(متى11: 12). ليس الأعلانُ والإِدّعاءُ قياسًا للأيمان. قياسُ الأيمان هو الجهاد والصمود.
مَرَّةً أخرى يُشَّددُ يسوع على آمتلاكِ إيمان أصيل الذي يُبَّددُ الشَّك والضعفَ. ويُنصرُ المرءَ على أهوائِه وشهواتِه. ويضمن سلوك درب الله نفسِه. أما أصحاب الأيمان السطحي الظاهر على الشفاه والأعلانات فلن يصيبوا غير الفشل. وأكثر من الفشل إنهم يخسرون الحياةَ نفسَها لأنهم "سيُلقون في الظلمةِ البرانية ". كذلك لا ينفعُ الأيمان الحرفي الذي لا يعرف أن يسبحَ ، بحرية ، في أجواء الله الروحية. ليس للهِ وطنٌ مُعَّينٌ وشعبٌ مُحَدَّد. الكون كله بما فيه هو مِلكُ الله (مز24: 1؛ 1كو10: 26). اللهُ يحُّنُ ويعتني بجميع الناس لأنَّهم كلَّهم صُنعُ يديه! (يو4: 11 ). لذا يدعو الله كلَّ الناس الى وليمةِ إبنه، المسيح المنتصر(متى22: 8-9). لا يستثني شعبًا أو أُمَّةً. والذي يستجيبُ للدعوة هو ينال تكريم الله. لأنَّ اللهَ يفرحُ ويرتضي بمن يؤمن به ويُحِّبُه و يحفظ كلامه ويستجيبُ لدعوتِه. وإن كان للهِ سابقًا شعبٌ خاص، فكان مُختارًا لأداءِ مهمَّةٍ تؤَّدي الى خلاص جميع الشعوب. كانت رسالته أن يؤمن بالله ويحفظ كلامه. والآن وجَّه المسيح الدعوة لكل فردٍ من كلِ شعبٍ ومن كل بلد ليشترك في الخلاص لأنه لا يريدُ أن يهلكَ حتى ولا إنسانٌ واحد (يو 3: 16-17). أرسلَ تلاميذه إلى كل العالم "حتى أقاصي الأرض" ليؤمن به الجميع فيخلصوا (مر16: 15-16). الأيمان هو مربط حياة الأنسان للسعادة والمجد لأنه " الوثوقُ بما نرجوهُ وتصديقُ ما لا نراهُ "(عب11: 1).

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com