الأحـد السادس للـدنـــح !
2017.02.12
تُتلى علينا اليوم القراءات : اش63: 7-16 ؛ عب8: 1 – 9: 10 ؛ يو3: 22 – 4: 3

1* القـراءة : اشعيا 63 : 7 – 16
إنَّ الله رحومٌ رؤوف وكريم. بعد لومٍ طويل وشديد للشعب، على إنحرافهم عن الأيمان المستقيم وآنجرافهم نحو تأليه الذات وعدم الأعتراف بجميل الله عليهم، يُذَّكرُهم الله بفضله وإحسانِه إليهم ولاسيما بعدم عقابهم على ذلك، بل بعكس ذلك بإبداءِ رأفةٍ عظيمة ورحمة غزيرة ، متناسيًا إهمالهم وذنوبهم ونكرانهم لجميله وتمَّرُدَهم على وصاياه، ناظرًا بعكس ذلك الى حاجاتهم و مداويًا جروحاتهم، مُبديًا تجاههم محَّبةً فائقة : مُصغيًا الى شكواهم، مُرسلاً أمامهم ملاكًا يدُّلهم على سواء السبيل، يحميهم غدرَ الأشرار ويُنصرهم على أعدائِهم.
لكن الشعبَ لم يرعوِ. ولم يعترف بفضل الله. ولم يتجاوب مع نداءاتِه الى السلوك المستقيم. فآضطُرَّ الله الى إهمالهم وسحبِ عونه عنهم لعَّلهم يهتدون الى الحقيقة ويستفيق رشدُهم الى حُبِّه العظيم. فـوقعوا في شدائد السبي والأسر والجوع والإهانة. فتضايقوا وتأَلموا وشعروا بالذُّل و الإحتقار. وتذّكروا عندئذٍ عظمة محبة الله ورعايته وفضله وقدرته في حمايتهم وإنقاذهم عند المخاطر، فآستنجدوا به. رفعوا اليه عيون الندم وبسطوا نحوه أذرع التوَّسل والأستشفاع. ذَكَّرَ الشعبُ الله بمحبته ورحمته. سألوه أن ينسى إثمَهم و ينظر الى بؤسِهم. وآستنجدوا بـأُبُـوَّتِه :" أنت يا رب أبٌ لنا. فلا إبراهيم ولا يعقوب يُنقِذاننا. أنت أبٌ لنا وفادينا ". طلبوا ألا يدينهم بموجب ما يستحقون. وكفاهم السبي تأديبًا. فسألوه أن يعودَ الى ذاتِه ويعاملهم بحسب فضيلته هو. الله قُدّوسٌ لأنه الخالق الكامل، ومُحِّبٌ لأنه الأبُ الوالد، وبالنتيجة مُسامحٌ لأنه رحومٌ. لقد أصبح الشعبُ عبدَ كبريائِه وأنانيتِه فيسألُ نصيرَه وفاديَه (اش41: 13-14) أن يُحَّررَه من هذه العبودية (لا25: 47-55) فلا يطويهم الخراب (اش64: 7-11).

2* الـرسالة : عبرانيين 8: 1 – 9 : 10
الكهنوتُ والعهدُ الأول على يد موسى لم يكونا كاملين. لأنهما كانا من البشر وكانا محدودين غير قادرين على خلاص البشر، ولاسيما لأنَّها كانت ظلًّا فقط ورمزًا لما يأتي به الله نفسُه على يد المسيح (8: 5؛ 9:9) الذي تنَّبَأَ عنه موسى (تث18: 15؛ يو5: 46). أما الشعبَ فلم يلتزم بها أصلاً (آية9). ما كان في أيام موسى قد شاخ وعتقَ وقاربَ الزوال. وجاء الزمن الذي وَقَّتَه الله ليصلحَ فيه كلَّ شيء(9: 10). فيعقد الرَّبُ عهدًا جديدًا يكون كاملاً يقدر أن يُخَّلصَ الأنسان، و يدوم للأبد.
ويتمَّيز العهدُ الجديد عن القديم بأنه روحيٌّ لا يرتكز على شريعةٍ حرفية وعلامات مادية في الجسد. بل حلول الله نفسه في فكر الأنسان وقلبه. الله الثالوث يُقيمُ في الأنسان. وقد أكَّد يسوع ذلك :" الروح القدس يُقيم معكم ويكون فيكم.. وسيُعَّلمُكم كلَّ شيء"؛ و" أرجع إليكم.. وتكونون أنتم فيَّ مثلما أنا فيكم "؛ و" من أحَّبني سمع كلامي فأَحَّبَه أبي، ونجيءُ اليه ونقيمُ عندَه " (يو 14: 15-26). يقوم العهد الجديد إذن على حضور الله في الأنسان وتعَّلق الأنسان به بالمحَّبة لا بالشريعة. المحبة هي شريعة الله و يفيضُها " في عقول المؤمنين ويكتبُها في قلوبهم " (آ8: 10). والركيزة الثانية للعهد ستكون" الغفران". سيصفحُ الله عن آثام الناس" لن أذكرَ خطاياهم من بعدُ " (8: 12). الغفرانُ تجسيدُ المحَّبة والرحمة. وإن بدا وجهُ الله في العهد القديم قاسيًا و عنيفًا، وكان ذلك شعور العبرانيين فصَوَّروه كذلك، إلا إنَّه كان رحومًا وحنونًا حتى دارى شعبه كما تداري أُمٌّ طِفلَها. لكن الشعب زاغ فعاق ولم يبقَ أمينا للعهد. عندئذٍ أهمله الله وأقام بديلا له باسطًا خيمته على العالم كله مُسَّلمًا إيّاها لمن آمنوا وصمدوا في الحَّق وأثمروا.

3* الأنجـيل : يوحنا 3: 22 – 4: 3
الألهي والأنساني، الروحي والحرفي، هذا هو التحَّدي الذي على الأنسان أن يتخَّطاه. الأنسان يفتخر بما عنده وأحيانًا يستثقلُ اللهَ نفسَه ويتحَدَّاه. أمَّا الله فقد أحَّبَ الأنسان وكَرَّمه فزَيَّنه بالفكر وأفاضَ الحب في قلبه وآتخَذهُ أمينا له و وكيلا لِقيادة الكون. وحباه فوقَ كلِّ ذلك بالحرية ليكون عنه صورةً كاملة حَيَّة ناطقة. لكن الأنسان مهما علا لن يكون سوى نبتة يبقى الله يُحييها يُنَّميها يُزهرها ويُنضجُ ثمرَها. أما الله فهو بذاته الحياة والقدرة والبهاء ومُحَّركُ الكون. فلا يليق بالأنسان أن يطمحَ أو يدّعيَ فوقَ طاقته، ولا أن يتعالى أعلى من قامتِه. من" يقدر إذا إهتَّمَ أن يُضيفَ الى حياته مقدار ذراعٍ واحدة "؟ (متى6: 27).
من هذا القبيل يُخبرنا الأنجيل عن تلاميذ يوحنا المعمدان المُستائين من موقف يسوع الذي يُدَّربُ تلاميذه على التعميد ويريدون أن يحتكروا المهنة لمعَّلمهم ولهم أيضا. لقد نالتهم الغيرة من تأَّلبِ الجماهير حول يسوع. العماد من حَّقِ يوحنا. هو أوجَدَه. هو الذي عَمَّدَ يسوع فكيف يسمح يسوع لنفسه أن يتفَوَّقَ على مُعَّلِمه؟. رأوا في ذلك تحَّديًا ظالمًا لا يُسكَتُ عليه. نسيَ أولئك التلاميذ بأنَّ يوحنا نفسَه لمْ يبادر الى ذلك من ذاتِه، بل الله أرسله، وأرسلَه ليكتشفَ من هو أعظم منه ليُعلنه غافرًا خطايا العالم. نسوا أنَّ قادة الشعب ظنوا انَّ يوحنا هو المسيح الآتي لكنه نكرَ ذلك، معلنا " لستُ أنا المسيح، أنا رسولٌ قدامه". وبيَّنَ لهم أنَّ يسوع هو المسيح المنتظر. هو أعظم من جميع الناس. هو الناطق بكلام الله. وعلى الناس الذين عرفوه، حتى تلاميذه، أن يتبعوه هو وأن يتركوا يوحنا يختفي وينساه الناس. يسوع هو إبن الله كما أعلنت السماء ذلك يوم عماذه. هو الابن المحبوب الذي إرتضى به الله، والذي سيُعَّمد بالروح القدس لغفران الخطيئة (يو1: 29-34). إنه الله المتجَّسد النازل من السماء، بينما ليس يوحنا سوى إنسانٍ رسول أمامه، خادم يُهَّييءُ له البيئة حتى تتبعه الجماهير.
أفهم يوحنا تلاميذه، وسامعيه وقارئيه، أنَّه لمْ يُعطَ للبشر أن يقودوا الكون ويسرقوا فيحتكروا المناصبَ كلُّ واحد كما يشاء. الله هو الذي يقود ويُدَّبر. وعلى البشر أن يؤمنوا بيسوع وأن يسمعوا كلامه الألهي. لأنَّ يسوع هو مُعطي الحياة. ومن لا يؤمن بيسوع، بل يتبع معلمين آخرين " فلا يرى الحياة بل يحِّلُ غضبُ الله عليه " (آية36). يسوع هو محبَّة الله المُتجَّسدة و رحمتُه للبشر وفاديه. هو الذي تنَّبأَ عنه موسى، والذي يعقد عهدَ الله الجديد بدمه تكفيرًا عن خطايا الإنسان وتأليهًا له. وهو الذي دخل قلبَ الأنسان وفكره ، لأنه أحَّبَ الأنسان حتى مات عنه (يو13: 1). وقد صَرَّحَ بولس أنْ لا شيءَ في الكون " لا الموت ولا الحياة، ولا الملائكة ولا رؤساء الملائكة، ولا الحاضر ولا المستقبل، ولا قِوى السماء، ولا شيءَ في الخليقة كلها يقدرُ أنْ يفصِلَنا عن محَّبةِ الله لنا في المسيح يسوع رَّبِنا "(رم8: 38-39). لذا وبالمقابل أحَّبَ الأنسان يسوع المسيح وتعَّلق به الى درجة صاحَ معها بولس: " فمن يفصلنا عن محَّبة المسيح؟ . أَ شِدَّةٌ أم ضيقٌ أم إضطهادٌ أم جوعٌ أم عُريٌ أم خطرٌ أم سيفٌ؟.. إننا في هذه الشدائد ننتصرُ كلَّ الأنتصار بالذي أحَّبَنا "(رم8: 35-37).

القس بـول ربــان
 

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com