الأحـد الخامس للـدنــح !
<>::<>::><::<>::<> 2017.02.05
تتلى علينا اليوم القراءات : اش48: 12- 20 ؛ عب6: 9 ـ 7: 3 ؛ يو3: 1-21
1* القـراءة : اشعيا 48 : 12 – 20
الله يعرفُ الأنسان جَيِّدًا لأنه صانعُه. لقد غدَرَ الأنسان خالقَه من بدء وجوده وفي أول فعل قام به. قلبٌ الأنسان قاسٍ لا يعرفُ الرحمة، و" عضلُ رقبته من حديد"، متمَّسكٌ بأنانيته لا يلتفتُ فيشعر بوجود غيره؛ إنه ناكرالجميل ويعزو الفضل والعظمة الى غيرالله ، وجاهلٌ دَجَّال يدَّعي ما لا يعرفُ ولم يسمع به؛ إنه مُتَمَّردٌ لأنه متكَّبرٌ فيعصى الله ويتظاهر بأنه هو الله. لا يريد أن يعترفَ بضعفِه وحدوده حتى لا يخضع لله. في حين الله هو مصدر وجوده وضامن حياته و واهب قواه ومواهبه. رغم ذلك لا يتصَّرفُ اللهُ معه كسَّيد يحاسب ويعاقب. وحِلمُ الله ليس ضعفًا ولا خوفًا ولا ردًّا متوازيًا مع سلوك الأنسان. بل يأتي ردُّه من كرامةِ ذاتِه وقداسةِ اسمِه وسعةِ محَّبته ورحمته.
يعرفُ الله جهل الأنسان بمصلحته وبطرق الله لتحقيق تلك المصلحة. فلا ينزل الله الى مستوى الأنسان حتى يُهمله وينعزلَ بنفسِه. الله أبٌ لا يسيءُ الى إبنه. ليس إنسانًا فيخطأ ويكذب ثم يتندَّم على فعله ويُغَّير موقفَه (عدد23: 19). يرى الله مصلحة البشرية في منظار حبه ومشيئته في آكتمال الخليقة. فيُوَّجه الأحداثَ التأريخية ليتحَّققَ هدفُه. ويستغِّلُ المخَّططات البشرية لتنفيذِ مُخَّططِه. هكذا بينما يتمَرَّدُ الشعب على الله، رغمَ كلَّ ما عرفه وسمعَ عنه من أمجادٍ وأفضال ، يسمحُ الله أن يسبيَهم البابليون ليختبروا ما ينبهرون به فيكتشفوا زيفه وضعفَه ويتعَّودوا على الضيق والظيم وتنفتحَ آفاقُ فكرهم على الثقافات والحضارات المختلفة عنهم فيتعَّلموا أنَّ الله و مواهبَه ليست حكرًا عليهم بل هي النور الألهي الذي يشُّع من خلال شعوبٍ يريدُ الله أن تعترفَ أيضا به على يد شعبه. ولمَّا تعَّلم الشعب قليلا وأحَّسَ على أخطائه وطلب رحمة الله وخلاصَه عندئذٍ يرحمُ ويستجيبُ فيتدخل ليقيمَ من يُنقذ الشعبَ ويفُّكَ أسرَه فيُريحه. فيظهر على الساحة " كسرى"، الذي يقول الله عنه " أنا دعوتُه وجئتُ به وأسنده لتنجح خُطَّتُه". إنه مُخَّلصُ الشعب. و أراد الله بهذا فأخبرَ عن المُخَّلص الحقيقي البعيد، المسيح، واضِعًا على فمه هذه العبارة:" أنا كنتُ موجودًا هناك، من قبلِ أن يحدثَ ما حدَث. والآن أرسلني السَّيدُ الرَّب، وروحُهُ تتكَّلمُ فيَّ ". مرسلُ الله هو الذي ينقلُ كلام الله فيُعَّلمُ ما ينفع وما يضُّر. وهو الذي أقامه الله هداية للأمم يُنيرُ درب الحَّق الذي على الأنسان أن يسلُكَه (لو2: 32؛ يو4: 23-24).
2* الـرسالة : عبرانيين 6 : 9 – 7 : 3
يبدأ الرسول بالتذكير أولا بأنَّ من يسمعُ كلام الله ويتفاعلُ معه فيثمرُ أعمالا صالحة ينال جزاءًا حسَنًا عند الله عكس الذي يرفُضه فيخسرُ الحياة الأبدية. ويُشَّبهُ الحالتين الأولى بالأرض الجيدة التي تستقبلُ الأمطارَ فتُخرجُ نباتًا صالحًا فتُبارَك، بينما تُلعَنُ التي تُنبتُ " شوكًا وعوسجًا" (تك 3: 18). وقصدَ الرسولُ بالأرض الجيدّة النفسَ التي إرتوَتْ من تعليم المسيح وآغْتذتْ بأخلاقِه وآقتَفتْ آثارَهُ فجسَّدَتْ بسلوكِها آدابَه. وإلى درجةٍ بحيثُ أصبحتْ عندها عفوية كطبيعةٍ ثانية لا تتوقف على حالاتٍ مُعَّينةٍ ومعدودة، بل تتحَّققُ وتتواصلُ دومًا" في كل زمانٍ ومكان ومع كلِّ الناس". تلك الحالةُ ممدوحَةٌ وهي قادرة أن تضمن له الحياة "في جَنَّةِ الله". تلك الحالة تتطلبُ طبعًا صبرًا أمام شدائد الحياةِ وصلبانِها، وصمودًا أمام معاناةِ الجهادِ في سبيل الأيمان. الأيمانُ لا يكتفي بالأنتماءِ الى المسيح وممارسةِ أسرارِه، بل يقتضي المثابرة على الأقتداء بالمسيح في
العيش في الحَّق والحُّب، ورفض البغض والضلال والفساد، وقبول جميع الناس وخدمتهم بدون تمييز أو تفضيل. هذا هو الأيمانُ الحَّقُ الصحيح.
وقدَّمَ الرسولُ نموذجًا للأيمانِ إنسانيًا نستطيعُ أنْ نقتديَ به هو ابراهيم. إنسانٌ مؤمنٌ بالله بحيثُ يسمع كلامَه رغمَ ما يتطلبُه من تضحيةٍ ونكرانٍ للذات وآلتزامٍ بتوجيهات الله الغامضة بدون أيّ ضمانٍ بشري. تركَ أهله و وطنه ومخرَ الصحراء دون ضمانٍ ولا لمسٍ لأيَّةِ حياة أفضل. كان عائشًا في هدوء وآطمئنان، له قطعان من الأبل والأغنام، والله يدعوه الى مستقبلٍ مجهول و بلادٍ غير معروفة وشعوبٍ غريبة لكنها مرفوقةٌ فقط بوعود. والوعدُ الأكثر حساسيةً أن يُولدَ لأبراهيم نسلٌ كثير وهو بالطبيعةِ محرومٌ منه، لأنَّ زوجتَه سارة مُسّنةٌ وعاقر. هنا ميزة ايمان ابراهيم. إنه يثقُ بالله أنه صادقٌ في قولِه وسيُنَّـفذُ وعدَه. وهو يرجو ويتمنى من كلّ قلبِه أن تقُّرَ عيونُه بنسلٍ يفرحُ به ويرجوهُ ليشعرَ أنه حتى إذا مات فهو حَّيٌ في إبنِه وأحفادِه. سيتَحَّررُ من وصمةِ عار العقم ولن يصغرَ بعدُ في عيون البشر لاسيما مواطنيه. هكذا هتفت إليصابات بآبتهاج عندما حبلت بيوحنا قائلةُ : "نظرالرَّبُ إليَّ ليُزيلَ العارَعنّي من بين الناس" (لو1: 25). فإيمان ابراهيم بالله ورجاؤُه بأن يرفعَ عنه عارَ عقمِه جعله يُلَّبي رغبته ودعوته، ويسيرُعلى غيرهَديٍ راجيًا تحقيق أمنيته، حتى قال عنه الكتاب :" آمنَ ابراهيمُ راجيًا حيثُ لا رجاء فصار أبًا لأممٍ كثيرة "(رم4: 18).
فالله وعد، ولم يُخالفْ. وقد وعدنا نحن أيضا في شخص المسيح بكل مجد وراحةٍ وهناء إذا آمَّنا على مثال ابراهيم و وثقنا بوعد الله لنا وتمَسَّكنا برجاء تحقيقه، وأنبتنا ثمرًا صالحًا تفاعلاً مع غزارةِ مطر نِعمةِ الله. الرجاءُ مِرساةُ الإبحارِ في بحر الحياة في الشوق الى سعادة الله ومجده للأبد، والأعمال الصالحة كنزٌ نخزنه في السماء.
3* الأنجـيل : يوحنا 3 : 1 – 21
ومُعَّلمُنا للأعمال الصالحة ومُرشِدُنا الى الثقةِ والرجاء هو يسوع المسيح. زارَه نيقوديمُس ، مُعَّلمُ اسرائيل مُعترِفًا بأنه الناطقُ والفاعلُ بآسم الله وكأنه يطلبُ منه أن يُنَّورَه. فيُعلنُ له يسوع بأنَّ الأنسان وُلِدَ في البدءِ جسديًا وماديًا من التراب (تك2: 7؛3: 19)، ثم تدَّنس بوحل الخطيئة فخسرَ السُكنى مع الله وغُلقَ في وجهه بابُ الحياة المجيدة (تك3: 22). وحتى يسترجعَ نعيم الجَّنة عليه أن يولدَ من جديد: من روح الله. عليه أن يغتسلَ فيطهرَمن وسخ خطيئة التمَّرد على الله و شهوة الكبرياء فالتطاول عليه. لن يكفيه الماء لهذا التطهير. بل يحتاجُ الى قوة الله بسكب ماء الغفران الألهي عليه. عليه أن يتواضع فيتوبَ لينال الغفران. وبالغفران يُزاحُ الحجابُ الذي يفصله عن الله ويُسحَبُ حارسُ شجرة الحياة فيقدر أن يدخل الجنة ثانيةً. وهذه هي الولادة ثانية بالمعمودية. للدخول في حلقةِ الحياة الألهية يجب رفض الخطيئة، وتلزمُ التوبة عن تأليه الذات والقبول بفكر الله ومشيئته. يجب الدخول الى مُخَطَّطِه والتفاعل معه لتتحَّققَ الحياةُ على أكملِ وجهِها. وقد تجسَّدَ الله في شخص المسيح" فنزلَ من السماء" ليغسل الأنسان ويرفعَه الى مقام الله ، فآرتفعَ أولا على الصليب، مثل حَّية موسى (عدد21: 9) ليداوي جرحَ البشرية ثم صعدَ الى السماء ليُحَّضرَ المكان لأحبائه الذين يؤمنون به ويتبعونه (يو14: 3). لأنَّ يسوع المسيح هو الحياة والقيامة (يو11: 25). ومن يؤمن به ويسمع كلامه يخرج الى النور ويفوز بالحياة.
يسوع شهد على ما في السماء وعلَّم طريق البلوغ اليها ودعا الناس ليتبعوها.
الله إفتدى شعبَه ومن يرفضه شرّيرٌ لن ينعمَ بالسلام. والأبرار ليسوا من آمنوا فقط بل الذين وُلدوا من الله للبر وقداسةِ الحَّق وعاشوا النموذج الذي تركه لنا الرب. فالربُّ يسوع أصبحَ طريقَنا الى الحَّقَ والحياة (يو14: 6).
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com