الأحـد الرابع للـدنـــح !
2017.01.29
تُتلى علينا اليوم القراءات : 46: 5-13 ؛ عب7: 18-28 ؛ يو1: 43 – 2: 11
1* القـراءة : اشعيا 46: 5-13
يستمرُ الله في فضح غباوة الأعتقاد بلاهوت الصنم الذي لا حياة فيه ولا يقدر حتى حماية نفسِه. ويستفِزُّ اللهُ حَمّية الشعب ويدعوه الى تفعيل عقلِه ومنطقه الروحي. كما سبق الله وآستفَّزَ أيوب قائلا له:" شُّدَ حَيْلَك وكن رجُلاً" (أي38: 2؛ 40: 6)، هكذا فعل مع شعبه الجاهل، فبعدَ ما ذكَّرَهم بحماقتِهم في تشبيههم له بالأصنام وبمعادلتهم له بهم، إستنفرهم قائلاً: " أُذكروا ذلك. كونوا رجالاً"، أى إعترفوا بما عاينتم وبما قلتُه لكم. إحفظوا الأمورَ بفكركم وتأَّملوا فآستطلعوا فحواها ومعناها واوزنوها بضمائركم كما يليقُ بالمؤمنين بالله، تماما كما ستفعلُ مريم بأحداث طفولة يسوع (لو1: 19، و51). يقول لهم " خذوا دروسًا من الماضي. بَطّلوا العصيان. تطَّلعوا الى المستقبل، أنا أكشفه لكم كما فعلتُ منذ البداية. لا أحد غيري يقدر أن يفعل ما فعلتُ. وأنا أفعل كلَّ ما أشاء". إنَّ أحداثَ العالم ليست خارج سيطرته. بل هو يقودها بحكمة وبتخطيط فيسمح للناس أن يتصَّرفوا على هواهم وبفكرهم، حتى السَّييء، ليُحَّققَ ما يريد. إنه يستغِلَّ فكرَ الناس ورغائبهم ليكتمل بالتالي مشروعُه الأزلي. ويتشَّكى الله من قساوةِ قلبِ البشرالذين لا يؤمنون بل يواصلون شَكَّهم به ولا يخجلون من عدم تصديقهم أقواله رغم معاينة أفعاله العجيبة والجَّبارة ، في حين يبقى هو أمينًا لشعبِه وفيًّا لوعوده.
2* الرسـالة : عبرانيين7: 18-28
إفتخرَاليهودُ بكهنوتهم وتمَّسكوا بالشريعة، وكلتاهما تنظَّمتا على يد موسى. وبعد ما سبق فأظهر
تفَوُّقَ كهنوت ملكيصادق لأنه من الله مباشرة ولأنَّ الكهنة اللأويين أبناء هارون دفعوا له العشرَ في شخص ابراهيم، يؤَّكدُ الرسول بأنَّ كهنوت يسوع هو على مثال ملكيصادق من الله أيضا ، كما جاء في المزمور 110: 4. فهو لا ينتمي الى كهنوت عشيرة لاوي لأنه ليس من زرعه و نسبه، ولا أبَ له بشريًا، بل هو" مولودٌ من الآب قبل كلِ الدهور. إلَهٌ من إلَـهٍ". كهنوت هارون لم يُثَّبتْه الله بقسم كما فعل لكهنوت يسوع :" أقسمَ الرَّبُ ولن يندَم أنتَ كاهن للأبد". إنَّ كهنوت هارون محدودٌ وزائل لأنه مات ولم ينتقل بالطبيعة الى أولاده بل بمشيئة البشر وفعلهم. أما المسيح فهو حَيٌّ ويشفع في كل البشر بلا حدود.
وبالنتيجة كان ما فعله موسى رمزًا وتهيئةً لكهنوت المسيح. وإذ لم يكن العهد الأول على يد موسى كاملا كذلك شريعة موسى كانت ناقصة ولم تقـوَ على إنقاذ الأنسانية من الخطيئة المتحَّكمة فيه. فبطلت أيضا تلك " الشريعة القديمة لضعفها وقلَّة فائدتها". لم تكن سَّيئة ولكنها لم تكن كاملة. قادت الناس الى عبادةٍ سطحية حرفية بينما يريدُ الله عبادة من الفكروالقلب" بالروح والحق "(يو4: 23). لذا أعلن يسوع أنه جاءَ " ليُكَّملَ الشريعة والأنبياء"(متى5: 17) وأعلن: " سمعتم أنه قيل لكم .. أما أنا فأقولُ لكم.." (متى5: 21-44). وصيَّةً جديدة أعطى المسيح للناس،" المحَّبة " (يو13: 34)، لا مثل الناس بل مثل الله نفسِه محّبة جميعَ الناس حتى الأعداء (متى 5: 43-48). فهذه شريعة المسيح قادرة على أن تُّخَّلصَ الناس لأنها روحية من فكرالله وروحه وتقَّدم لهم رجاءًا أفضل للتقَّرُب من الله والتشبُه به. كان عهدُ موسى عهدَ الحرف و المادة. بينما يُبنى عهد يسوع على الروح. ولأنَّ الأنسان ٌ روحٌ ، صورة لله، لذا فعهد يسوع يكون أعظم و أفضل. ويضمنه يسوع نفسُه لأنه " القدوس والبريء والذي لا عيبَ فيه، ولا صِلة له ولا شراكة في خطيئة الناس"، لأنه قد ختمه بدمِه.
3* الأنجـيل : يوحنا 1: 43 –2: 11
بعد أن إلتقى يسوع بيوحنا والأخوين أندراوس وبطرس يلتقي الآن بفيلبس الذي يُخبر عنه صديقه نثنائيل ويقوده الى يسوع كما فعل أندراوس مع أخيه بطرس. تُلاحَظُ عفوية إتباع يوحنا وأندراوس يسوع لشوقهما الى إختبار الحياة مع من إنتظروه بلهفة،لاسيما وقد حَدَّثهم المعمدان
عن قربِ ظهورِه ثم كشف لهم عن حضوره أمامهم. أما فيلبس فكشفَ الأنجيلي عن هويته و علاقته ببطرس ولابد عن مشاركته شوقَهم و تلَّهفَهم للتتلمذ للمسيح. فدون مقدماتٍ يدعوه الرب الى أن يتبعه، وهو يلَّبي الدعوة بسرعة وفرح دون ترَّددٍ. وكأنه كان ينتظرهذه الفرصة بآهتمام ، ولما أتته لم يَوَّد أن يخسرَها. وبالمقابل يتصَّرفُ يسوع، في أول لقاءٍ له معهم، وكأنه يعرفهم منذ زمن طويل وآنتظر إبداءَ تعَّلقِهم به، استنادًا الى إبداء شوقِهم إليه، فآختارهم تلاميذ يتبعونه في حَّلِه وترحالِه. حتى أبدى نثنائل إستغرابه عن إظهار يسوع معرفة عميقة عنهم وهو بالكاد يلتقي بهم. وهنا تبدو نية كاتب الأنجيل الذي يضع منذ البداية يسوع في موقعه الألهي الأصيل عندما يجاوب نثنائيل بأنه يعرفه قبل أن يراه بالجسد أو بسمع عنه. فوضع الأنجيلي على فم نثنائيل هذا الأعتراف :" أنت يا معَّلم ابنُ الله، أنت ملك اسرائيل"!. وبهذا كشفَ يوحنا منذ البدء هوية يسوع أنَّه " مُعَّلمُ الحقيقة لأنه يعرف كلَّ شيء ولا يحتاجُ الى من يُخبره به (يو16: 30). وهذا يعني أنه " الله" ، وأنه المسيح المُنتظر".
مقابل إعتراف نثنائيل، والذي هو بمثابة إعتراف الكنيسة المُمَّثلة بالتلاميذ الأُوَل، سجَّلَ يوحنا
تأكيدَ يسوع أنه وإن كان إلَهًا إلا إنَّه ليس خيالاً في جسده. بل هو إنسانٌ حقًّا، كما تدُّلُ عليه صفته المسيحانية. فالمسيح هو الأبن الألهي الذي يُعطيه الله للأنسان ليُكَّفر عن خطيئته ويُعيده الى كرامته ومجده المفقود. هو النسلُ الألهي المولود للبشر والذي يسحق رأسَ الحيَّة (تك3: 15؛ رؤ12: 17). هذا يسوع الذي يرونه هو"ابن الأنسان"، ابن يوسف من الناصرة (آية 45) .وهو أيضا ابن الله. و بمجيئه إنزاحَ العائق بين الله والأنسان ، إنفتح الطريق الى شجرة الحياة (تك 3: 24)، فصارت رسلُ السماء، ملائكة الله، " تصعد وتنزل " تنتقلُ في حركة متواصلة بين السماء والأرض لتحقيق رسالة المسيح الخلاصية.
لم يُهملْ يوحنا كشفَ الوجه الأنساني للمسيح رغم أنَّه يُشَّدد على وجوده الأزلي. فهو موجود قبل أن يكون ابراهيم (يو8: 58). فقبلَ أن يكون مسيحًا أو إنسانًا هو الله، لكنه الآن "ظهر بمظهر الإنسان"(في2: 7)، كونه قد تجّسد: " في البدء كان. كان هو الله. به كُّوِنَ كل شيء. وصار بشرًا فسكن بيننا "(يو1: 1-14).
إذًا هذا الله ـ الأنسان يفتحُ الطريق للأنسان ليعود الى الله. هذا هو التعادل: الله تنازلَ فأصبحَ إنسانًا مُتبَّنيًا وضعه ليرتفعَ الأنسانُ الى مقام الله فيشاركَ مجدَه. وهكذا ينال الأنسان من فيض نِعَمه " نعمةً فوق نعمةٍ " (يو1: 16). هذا هو المسيح، الله/الأنسان، الذي يعرف كلَّ واحدٍ وكلَّ شيءٍ جاء ليدعو الناس اليه. وكلُ من ذهب اليه مؤمنًا ومُلَّبيًا دعوتَه قبله تلميذًا وأخًا له، إبنًا لله.
ومَن تتلمذ له سيُعاين أعظم مما يَحدثُ الآن، و" ينال في هذه الدنيا مئة ضعفٍ ... وفي الآخرة الحياة الأبدية" (مر10: 28-30).

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com