الأحـد الثالث للـدنــح  !

     2017.01.22

تُتلى علينا اليوم القراءات:   اش45: 18-46: 4  ؛  عب3: 14-4: 2  ؛   يو1: 29-42

1* القـراءة :  إشعيا 45 : 18 46 : 4

يُتابع الله فيقرع على أذهان البشر بأنَّ الأصنامَ لا حياة لها : لا تُحَّركُ ساكنًا، ولا تُغَّيرُ حالاً، ولا تُخبرُ عن المستقبل. بينما هو الله الذي أوجدَ كلَّ شيء، وأوجده " للعمران لا للفراغ ". الآلهة خيالية وراء الظلمات. تكتنفها أسرارٌ نسجها حولها الأنسانُ نفسُه. ما إلَهًا يكون وهولا يستطيع أن يتحَّركَ ويُنقذ نفسَه، بل يحمله الناس لِيُنقذوه من البشر أعداءِ شعوبِه؟. بينما الله هو خالقُ كلِ شيء، وعلى كلِّ شسءٍ قدير، وظاهرٌ للعيان وأعماله لا تُنكَر! الله الخالق لا يخاف فلا يتخَّفى، ولا يستحي من أقوالِهِ وأعمالِه لأنه يقول الصدق ولا يكذب ويفعلُ الخيرَ ولا يُسيءُ الى أحد. الله صادقٌ وعادلٌ وكريم يُنجِدُ الأنسان ويُخَّلِصُه في ضيقِه.

رغم كلِّ هذا يبقى المؤمنون غير واثقين بالله ويُهملونه راكضين وراءَ آلهة الشهوةِ والجهل، جارحين قلبَ الله ومُقلقين فكرَه على مصير الأنسانية. فيتشَّكى الله :" إسمعوا يا بني يعقوب: يا من تحَّملتُهم من الرحِم، ورفعتُ شأنهم من الولادة،..وإلى شَيْبِكم سأتحمَّلُكم.. فبمن تُشَّبهوني وتُعادلوني"؟. وما يزال البشرُ، الى اليوم، غيرَ مؤمنين بالله وغير سامعين لكلامه. لهم أصنامُ أجسادِهم وشهواتِهم و ملّذاتِهم. لهم أصنامُ أموالِهم ومنجزاتِ إقتصادِهم الهش. لهم أصنامُ علمِهم وآختراعاتِهم و تقنياتهم. لهم أصنامُ سِلاحِهم الفتَّاك وإرهابِهم الدموي. لهم أصنامُ عنصرياتِهم و سياساتهم. أصنامُ إنسان اليوم كثيرةٌ لا تُعَّد، تجتمعُ كُلُّها في صنمٍ واحدٍ هو صنمُ الذات المُؤَّلَهة  التي تخلقُ لنفسِها أصنامًا ثانوية لا تُحَّدْ ، تُبَّررُ تخَّبُطها وتقصيرَها في تحقيق السلام والرفاهية.

2* الرسـالة :  عبرانيين 3: 14 4 : 2

طلب الكتابُ من الشعبِ المختار ألا يُكَّررَ فيظهر تجاه الله قساوةَ القلب فيركبَ فكرَه ويتبعَ هواه عاصيًا أمر الله كما فعلَ الآباءُ في برية سيناء. نبَّهَ الكتابُ وحَذَّرَ من مغَّبةِ تكرارالعصيان فقال: " اليوم، إذا سمعتم صوت الله فلا تُقَّسوا قلوبكم "(مز95: 7-8؛ خر17: 1-7). فطلبت الرسالة الى العبرانيين، من المسيحيين الآتين من اليهودية، بألا يتشَّبهوا بأولئك "الذين بقيت قلوبهم في الضلال وما عرفوا طرق الرب" (عب3: 10) فخسروا راحة الله، وأن لا يُغَّذوا "قلوبًا شّريرة غيرَ مؤمنة ومُرتَّدَة عن الله". بل ليتذكروا دومًا أنهم حصلوا على بُنُوَّةِ الله وصاروا شُركاءَ يسوع المسيح في ميراث الله. أمَّا الذين تمَّردوا على الله في زمن موسى فقد هلكوا كلهم ولم يروا أرضَ الميعاد. وبذلك أشار الروح بأنهم لم يعودوا الى الفردوس ولم يتمتعوا براحةِ الله. و ما يزال ذلك فردوسُ الراحة، أرضُ الميعاد، بآنتظار أبنائه. والمجاهدون وحدهم سيظفرون به (متى11: 12). إنَّ آباءَ سيناء سمعوا كلام الله على الجبل، وحفروه في فكرهم، لكنهم لم" يؤمنوا به "، لم يجعلوا ذلك الكلام نورًا لحياتهم ولا سيفًا لحماية أنفسهم من ضلال الفساد. ولم يتوبوا عن غَّيِهم فيُقرنوا إيمانهم ويختموه بـ" أفعال ". رغم ذلك ما يزالُ وعد الله قائمًا ليُعيدنا الى راحتِه، إنما بشرط ألا نتخَّلى عن المسيح، وأن لا نتمَرَّدَ ونعصي كلام الله.

3* الأنجـيل :  يوحنا 1 : 29 42

يوحنا في بيت عنيا على ضفاف نهر الأردن يُعَّمد. يشُكُ قادة اليهود في هويته فيسألونه إن كان

هو المسيح المنتظر. يَرُّدُ بالنفي. ثم يظهر يسوع آتيًا إليه. فيُعلن لهم أنَّ هذا هو الذي سبق و

حَدَّثهم عنه، وأنه هو المسيح، حملُ الله الذي يغفرُ خطيئة العالم. لم يُخبر عن هويتِه البشرية ، عن اسمه ومواصفاته. بل أخبر عن هوية رسالتِه في تجديد البشرية بغفران إثم عصيانها لله ، بعدَ توبتها، ودعوتها الى الأيمان والمحَّبةِ. ثم أخبرَ كيفَ أرسله الله ليُعَّمد حتى يكتشفه فيُعلنَه للعالم. وكانت علامةً للتعَّرفِ عليه" رؤيةُ الروح ينزلُ ويستقّرُ عليه". وقد عاين يوحنا الأشارة فشهدَ للعالم أنَّ " يسوعَ إبنَ يوسف من الناصرة " هو المسيحُ إبنُ الله غافرُ خطيئة العالم.

ثم يلتقي يوحنا بآثنين من تلاميذه ويعبرُ يسوع من هناك فيُعلن لهما أنَّه المسيح الذي ينتظرانِه ، فيلتحقان به لأنهما كانا ولا بد متَلَّهفَين لمعرفته وشرفِ التمَتُّع بصحبتِه. وقضيا النهار معه. كانا يوحنا وأندراوس، شريكين في تجارةِ صيد السمك وبيعها، بقيادة سمعان بن يوحنا أخِ أندراوس (لو5: 7-10). ومن شِدَّةِ سعادةِ أندراوس بلقاء المسيح لم يحتمل السكوتَ عن الخبر بل باحَ به لأخيه بطرس أول ما لقيه عند عودته مساءًا الى البيت. ولم يكد بطرس يسمع الخبر حتى ترك البيت بسرعةِ البرق وطار الى عند يسوع ليُقّرَ به عيونه، ويُشَّنفَ بسماع كلامِه آذانَه ، ويُريحَ  قلبَه الذي يكادُ ينفجرُفرحًا بأنَّه أخيرًا ظهرالمخَّلصُ المُنتظر. ولم يَخِبْ أمُله في الأيمان بمجيئه. وقد عرفَه يسوع وكَّناه بـ" الصخر" لقوةِ إيمانه وصلابةِ رجائه بالخلاص الموعود. لابدَ وكان يرجو، مثلَ جَدِّهِ ابراهيم، حيثُ لم يكن أيُّ أملٍ بالرجاء (رم4: 18).   

هذا الأيمان بالله والصمود في الرجاء بوعودِه يقَّدمه الرسول مثالا لنا نحتذي به. عاش المسيح مع الرسل، أوائل المؤمنين به، أحَّبهم وعلَّمهم ودعاهم فكوَّن منهم شعبَ مملكته الجديدة وكلَّفهم بأن يشهدوا له في العالم. هذه هي رسالة كلِّ من عرفَ الحَّقَ وتتلمذ له. فالمؤمنون في العالم كله، ومن كل الأجيال والأمصار، عرفوا المسيح وتبعوا رايته. ويسوع المسيح هو نفسه إلَـهُ العهد القديم. بينما كان في ذلك العهد مخفيًا عن الأنظارأصبح الآن بيننا مثلنا في الجسد. وبينما عاشت الأنسانية في تلك العقب من التأريخ في ظلام الجهل والعنف والكبرياء والعزلةِ والحقد عرفت الآن سبيل المعرفة واللطف والمحبة والتواضع فالتعاون والتسامح. ونموذج هذه القِيم هو الله نفسُه في شخص يسوع المسيح الذي نُشاركه الطبيعة الأنسانية والبُنُـوَّةِ الألهية. فنحن إذًا محظوظون بآمتلاك هذه النعمة وهذا الأمتياز. لذا دعانا الرسول ألأ نقَّسيَ قلوبَنا ولا نتمَرَّد على كلام الله كي لا نخسر الراحة التي دعانا اليها منذ أن خلقنا. وقد سَهَّلَ لنا يسوع درب تلك الراحة إذ دفع ديوننا السابقة ويغفر لنا خطايانا اللاحقة إذا آمنا به وتبعناه في جهاده الروحي.

لنثقْ بالله ولنُلَّبِ دعوتَه بفرحٍ ونسلكَ بتصميم وثبات سبيلَ الجهادِ ضد الشر والفساد.

القس بـول ربــان   

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com