الأحـد الثـاني للـدنــح !
2017.01.15
تتلى علينا اليوم القراءات : اش45: 11-17 ؛ عب3: 1-11 ؛ يو1: 1-12
1* القـراءة : إشعيا 45: 11-17
يناقشُ إشعيا شعبَ الله على جحوده وسوءِه. يُبرزُ فضلَ الله عليه، ويشَّددُ على أنَّ اللهَ وحدَه ناصِرُه ومُنقذه. لا قوة في الكون ولا كيانٌ يفوقُ الله. بل الله هو وحده عِلّة وجود كلِّ شيء. و هو الذي يقودُ أحداثَ العالم الكبرى والرئيسة لصالح شعبِه، ومن خلال شعبِه لصالح البشرية جمعاء. لأنه من خلال ما يصنعه لشعبِه يُظهرُ للناس لا فقط عظمته بل ولاسيما حبَّه ورحمتَه. ويريدُ بذلك أن يفهمَ الناسَ أنَّ خلاصَهم وراحتَهم في سماع كلامه وحفظ وصاياه. لا ينفعُ الناس نكران ذلك أو مقاومته. ولا الخلائق تفهم أو تقدرأكثر منه. فلا يجديها نفعًا لا الأعتراض ولا التظاهر بما هو خارج قواها المحدودة. فيقول :" أنا الرَّبُ ولا آخر. أنا مبدعُ النور وخالقُ الظلمةِ ، و صانع الهناءِ وخالق الشقاءِ ". ويتابعُ :" ويلٌ لمن يُخاصمُ جابلَه وهو خزفةٌ من خزفِ الأرضِ. أ يقولُ الطينُ لجابله: ماذا تصنعُ؟. أو يقولُ له: عملك تعوزه يدان؟. ويلٌ لمن يقولُ لأبٍ : ماذا تلدُ، ولآمرأةٍ : ماذا تلدين" ؟.
وهنا يلتفتُ الله نحو شعبِه المُدَّلل والمُمَّيَز ولكن الغبي والناكر للجميل، فيُفصحُ عن فعله ويؤَّكدُ :" أنا حملتُ كسرى على العدل ويَسَّرتُ له جميع طرقه. هو يبني مدينتي لا بثمن ، و يُطلقُ أسرايَ لا برشوة ". ويذّكر بكيف أنَّ موارد مصر و حبشة خدمته، وكيف تغَّلبَ بقوته تعالى على شعوبٍ جبارة وآستخدمها. صحيحٌ أنَّ الله لم يظهر حِسّيا أمامهم بل إختفى عن أنظارالناس ، لكنه أظهرجبروته وعنايته وقيادته لأحداث الحياة. الأصنام فشلت وآنهارت أمام إيمان الشعب وآلتزامه بتعاليم الله. فخلاصُ الشعبِ وآزدهار مملكتِه لم يتحقق بسلاح البشربل بقوة الله القهّارة . وذلك الخلاص أو الأمتياز يدوم للأبد إذا ما آستمَرَّ الشعبُ على الأيمان بالله وسماع كلامه. و إذا فـعل" لن يخزى ولا يخجل الى الأبد". فيدعو الله الأنسان الى ملاحظة أعماله والأعتراف بأفضاله والثقة به فالرجاءُ بما يدّعيه الله ويدعو اليه.

2* الـرسالة : عب 3:1-11
مقارنة بين موسى والمسيح يجريها كاتب الرسالة ليَرُّدَ على تمسَّك اليهود بموسى ورفضهم بالأعتراف بمن أوصى به موسى نفسه. إن كان موسى "أمينًا لبيت الله" فيسوع أمينٌ لكلمة الله. موسى لم يُقَّدس دوما إسم الله بل أظهر حينا قلة الأيمان وقصَّرَ في تمجيد الله :" قال الله لموسى وهرون مؤَّنبًا : بما أنكما لم تؤمنا بي ايمانا يظهر قداستي على مرأى بني اسرائيل لن تدخلا أنتما الجماعة إلى أرضَ الميعاد" (عدد20: 12). أما يسوع فقد صَرَّح :" مجَّدتُك {أيها الآب} في الأرض.. فمَجِّدْني الآن بالمجد .." (يو17: 4-5). وسبق أن طلب يسوع مجد الآب " أيها الآب مجِّدْ اسمَك" فجاءَه ردُّ الآب " قد مجَّدْتُه وسأُمَّجِدُه" (يو12: 28). فيُؤَّكدُ الكاتب أنَّ مجدَ يسوع "رئيس إيماننا.. يفوقَ مجد موسى". كان موسى أمينًا لبيتِ الله وخادمًا يشهد على كلامه. أما يسوع فهو باني بيت الله لأنه " ابنُ الله". عن موسى قال الله :" أما عبدي موسى .. فأنا إئـتَمنتُه على جميع شعبي (عدد12: 7)، وأما عن يسوع فقال :" هذا هو إبني الحبيب الذي عنه رضيتُ، فله آسمعوا"(متى 17: 5). على عهد موسى تمَرَّدَ الشعبُ وقَسُّوا قلوبهم رغم معاينتهم أعمال الله مدة أربعين سنة فظَّلوا في الضلال وخسروا راحة الله ولم يستعيدوا، لقلَّةِ إيمانهم ،
حريَّتهم وجـنَّـتهم المفقودة. فيدعو الرسول المسيحيين الى سماع كلام الله وعدم تقسية القلب لئلا
يخسروا بدورهم راحة الله. وهذه الخسارة تكون نهائية وأبدية لأنَّه ليس لله إبنٌ ثانٍ يرسله ولن يعترفَ بأنبياءَ كذبة ومسحاء دجَّالين يظهرون بعد المسيح ليضلوا البشرية (متى24: 4و 24).

3* الأنجـيل : يوحنا1: 1-12
يسوع الذي دعاه الرسول" ابنَ الله" يدعوه الأنجيل" كلمة الله"، أو" الكلمة الله". و يؤَّكدُ وجودَه الأزلي المتزامن مع الله. فالله أوجدَ، بهذه الكلمة، كلَّ الخلائق. هو مصدرُ الحياة وقوَّةُ نمُوِّها. قبل البدء لم يكن شيءٌ. كان الظلام. بقوة كلمته أنارالله الكون إذ غرسَ فيه الحياة. الظلام موتٌ وخوفٌ ورهبةٌ ورعبٌ. أما النور فهو راحةٌ وهناءٌ ورجاءٌ وقوَّة ، وتلك هي الحياة. إنها " إبنُ الله ، كلمته ". يقول يوحنا بأنَّ هذا الأبن الكلمة كان في العالم الذي صنعه بنفسِه. كان نورَه. لا النور الضوئي المادي المُلَّون، بل كان ضياءَ الحَّق الذي يُنيرُ فكر الأنسان. والحق هو ما جرى منذ البدء وما يزال يجري بقوة الله ورعايته وعنايته. ظلام الشَّر وطغيان الفساد لن يُطفيءَ ضياءَه. لا يقوى عليه. لأنَّ الظلمة والشر في الكائنات. أما " الكلمة الله " فهو الله الحق والنور المحيي. جاءَ الى بيتِه، الى خاصَّتِه التي أوجدها ونظَّمها، لكن خاصَّتَه وأهلُ بيتِه قد نال منهم الظلام و الضلال حتى تغَوَّش فكرهم وتحجَّرَ قلبهم، فـ" لم يقبله أهل بيتِه". تنَّكروا له، رفضوه وقضوا عليه.
ولكن ليس الكل قاومه. بل قد ضمن الله لنفسِه " بقية باقية "، هم الذين آمنوا به وقبلوه. هؤلاء ارتاح الله اليهم، رضيَ عنهم، فأولاهم الحَّقَ أن يكونوا " أبناءَه "، ورثة مجده وخيراته. هذه البقية ليست حصرًا باليهود. كل الشعوب بيتُ الله. كل الناس، حتى الوثنيين، خليقة الله مدعوون الى الخلاص. فكلُّ من آمن من البشرعلى أيدي تلاميذ المسيح الأوائل يقبلهم الله أولادًا له. كلُّ من آمن بـ" الكلمة " وخضع لشريعته فآعتمد (مر16:16) يقبله الله إبنًا له، أخًا لآبنه كلمة الله. فهذا الكلمة جاءَ ليفتديَنا من لعنة خطيئة أبينا الأنسان ويمُّنَ علينا بنعمةِ أبناء الله (غل4: 5). و بما أننا صرنا أبناء الله " فنحن ورثته وشركاء المسيح في ميراث" (رم8: 17) المجد والكرامة والراحة. وهذا هو الخلاص ، تلك هي حقوق أبناءِ الله.
هذا هوعملُ الله وتلك هي خُطَّتُه الأبوية للحياة. وهو أدرى بما فعل وكيفَ فعل ولماذا فعل. و لأنَّ اللهَ خالقٌ ومهندسُ الحياة فلا يليقُ بالأنسان الحليقة، صنعِ الله، أن "يُخاصمَه" فيحاججُه ويطلبُ منه مُبَّررًا لفعله. الله لا يُبَّررُلا عمله ولا خطَّتَه، أى سياستَه. لا إعتراضَ على الله. هل " تقول الجبلة لجابلها لماذا صنعتني هكذا "؟ (رم9: 20). الله فقط يُصغى إليه و يُثَقُ به ويُنَّفذُ أمرُه. هذا سِرُّهُ، أساسُ الوجود وقوة نمو الحياة وآزدهارها. ومن يقيمهم من البشر وُكلاءَ له ، مثل موسى، أو أنبياء لا يشاركون أرادة الله وتخطيطه. إنَّهم مُنَّفذون فقط لخطته ومشيئته. أما يسوع المسيح فهو ليس مثلهم. ليس وكيلا أو نبيًا مبعوثًا. هو أعظم منهم. هو الحكمة الألهية نفسها التي تجَّسدت بهيئة إنسان. هو كلمة المعرفة الألهية التي حَلَّت بين البشر لتقودهم في سبل الحياة المستقيمة وتضمن لهم الراحة والهناء. يسوع، كلمة الله، هو الأبن الألهي الذي جاء ليجعل البشر كلَّهم أبناءَ الله. فمن سمع منه طوبى له، ومن رفضَه لاتَ ساعة مندم.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com