الأحـد الأول للـدنـــح !
2017.01.08
تتلى علينا اليوم القراءات : اش44: 21- 45: 4 ؛ 2طيم3: 1-17 ؛ لو4: 14-30
1* القـراءة : اشعيا 44: 21 – 45: 4
شعب الله أسيرٌ في بابل يرفع شكوى آلامِه و شدائده الى الله. يتشكى الله بدوره من جهل الشعب وعدم ايمانه. الناسُ يعبدون الأصنام مع أنها صنعُ أيديهم وأنها لا حياة لها ولا تجاوبَ ولا قدرة على فعل شيء، ومع ذلك يشُّكُ الشعبُ بأنَّ إلاهَه قادرٌعلى إنقاذِه وخلاصِه. فينقل النبيُّ تشَّكيَ الله الذي يُذَّكرُ شعبَه على أنه هو قد جبله ولا ينساه، سامحه على خطاياه وغفر له إثمه وآفتداه. إفتداه في شخص إسحق، و في شخص يوسف، وفي خراف فصح مصر. نظَّم الله كلَّ شيء لصالح الشعب، وثبَّتَ كلام أنبيائِه وتمَّمَ مشورة مرسليه إليهم. و حتى إن كان قد سَلمَّهم الى أعدائهم فذلك ليُفيقَهم من حلكة ضلالهم، وينشلهم من حمأةِ إثمهم. ثمَّ يُعَّزيهم فيكشفُ لهم عن خطته بأنه يوصي بهم ولا يسمحُ بمحوهم، بل قد سَّخرَ قادة الفرس لتنفيذ مخَّططِه. فكسرى الذي يجهلَ الأمرَ في فكره، يُقَّويه الله ويُمَّهدُ له سبيل إخضاع كلِّ المماليك لأجل أن يُحَّررَ بعده شعبَه المختار!. وبهذا يُشَّددُ الله عزيمة الشعبِ ويدعوه الى الأيمان والرجاءِ والثقة.

2* الـرسالة : 2 طيمثاوس 3: 1- 17
يتحَدَّثُ الرسول عن الأيام الأخيرة للبشرية. ويصفها بأزمنةٍ قاسية ومخزية. يفقدُ الناسُ حِسَّ القِيَم. يفقدون المباديء الأدبية. تتشَّوه إنسانيتهم فـ" لا رأفة لهم ولا عهد" يُصبحون " أنانيين ، جشعين، متعجرفين، متمَّردين، ناكري الجميل، فاسقين ، خائنين، منافقين، شهوانيين وأعداء الخير، مقاومين للحَّق، عقولهم فاسدة ". أمام هذا المشهد المُرَّوع يدعو الرسول تلميذه، و كلَّ المسيحيين عبرَ الأجيال، الى الأبتعاد أولا عن أمثال هؤلاء، وإلى الأقتداءِ به هو، أى بتعليمه وسلوكه وإيمانه وصبره ومحَّبتِه وصموده وآحتماله الضيقَ وحتى الأضطهاد. وإذ يعرضُ نفسَه نموذجًا لسلوك درب المسيح فلأنه هو يقتدي بالمسيح (1كور11: 1). وقد تعَّلمَ من يسوع كيف يكون رجلَ الله بالخضوع لمشيئته وبالوثوقِ بعونه وحمايته. وهو لا ينكر أنَّ أمثاله الذين " أرادوا أن يحيوا في المسيح يسوع حياة التقوى يصيبهم الأضطهاد". يشَّجعُ الرسولُ التلميذ على الثبات في الأيمان والأخلاق المثالية. وأن يهتديَ الى سبيل ذلك بمواصلة مطالعة الكتاب المقدس " القادر أن يُزَّودَ المؤمن بالحكمة التي تهدي الى الخلاص... لأنَّ الكتاب كلَّه من وحي الله، يفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البر".

3* الأنجـيل : لوقا 4: 14 – 30
إنتقل يسوع، بعد عماده، من الناصرة الى كفرناحوم حيث أقام مسكنه (متى4: 13). هناك بدأ يُعلن كلمة الله. ويتجَّولُ أيضا في القرى المجاورة يكرز ويجري المعجزات. آنتشرت أخبارُه في الجليل كله، وذاع " صيته في سورية كلها"، و" اورشليم واليهودية وعبر الأردن"، يُعَّلمُ في مجامعهم، فيُمَّجدونه كُلُّهم ". قرر يسوع زيارة الناصرة، حيث نشأ، ويشترك يوم السبت في العبادة. وآحترامًا له وآفتخارًا بسمعته التي طبَّقت الثرى كُلِفَ بقراءة الكتاب المقدس، فقرأ إشعيا 61: 1-2 ثم بدأَ كما هي العادة بشرحِه. إندهش السامعون كلهم وآرتاحوا لكلامه المريح و كأنه نعَمٌ ودُرر تخرج من فمه. لكنهم لم يُقَّدروا ذلك ولا فرحوا، بل إستصغروه مفكرين "
ماذا يعتبر نفسه؟ إنه ليس سوى إبن يوسف"!. إزدروه عوضًا عن أن يفتخروا به، وأبوا رفعَ شأنِه حسَدًا أو تقليلًا من شأنه ربما خوفًا من أن يتعالى يوما عليهم. وعلى الأكثر لأنه أجرى آياتِه في بلد غريب عوضًا عن بلده. وهذا يعتبرونه تقليلًا من كرامتهم ومن مواطنته. يبدو ذلك من رَّد يسوع لهم،" ربما تقولون لي: إعمل هنا في وطنك ما سمعنا أنك عملته في كفرناحوم". وهذا السلوك يبدو رفضَ الناصريين ليسوع. فيفضحُ يسوع سطحية إيمانهم و يذكرهم بعدم تقدير آبائهم لأيليا النبي وآضطهادهم له، وكذلك رفضهم لأيليشاع وعدم الأيمان برسالته وطلب مساعدته لهم في أمراضهم، بينما إلتجأ اليه الغرباء ونالوا على يده أشفية عديدة. لم يستسلموا لمنطقه وللحق الذي أعلنه. ولم يندموا على فعلتهم السَّيئة. بل واصلوا دربَ سوئهم وقاوموه إلى حَّد أنهم إعتبروا كلامه إحتقارًا وإهانةً فحاولوا التخَّلصَ منه. لكنه تمَّلصَ من بينهم ومضى في سبيله.
كان إيمان أبناءِ الشعب المختار سطحيًا وتقواهم شفهية فقط. منذ زمن موسى تشَّكى الله من هذا الأمر فنعتَ الشعب بـ" غلاظ الرقبة وقساة القلب". يواصل الله جهوده عبرالأجيال ليُقَّومَ إلتواء الشعب لكنه لا يقطف سوى ثمار قليلة. يشهد اشعيا بذلك (29: 13). و ها هو يسوع يشهد بأنَّ الشعب لم يتغَّير، لم يؤمن ولا حسَّنَ أخلاقه فلم يسلك في وصايا الرب. ويشهد بولس بأنَّ الحال يستمر. لقد إستفحلَ الشر في الأنسان و يأبى أن يتعالج منه. يحتاج الى من يَهُّزُ له ضميره و يُقَّلبُ مفاهيمه. وسيبقى الأنسانُ يسلك نفس السبيل ويعيش نفس النمط من الحياة. لقد ضلَّ فكر الأنسان وتاه منذ الأصل. لكن الذي صنعه نزل من جديد الى ساحة العمل ليعيد صياغته في قالب حديث روحي وإلهي. ولد في البدء من التراب بالجسد. أما هذه المرة فسيولد من فوق من الروح. وأعطى يسوع المثل للمولودين من الروح كيف يحيون في الحق وقداسةِ البر. وأشار إلى أنَّ نموذجه موجود في الكتاب المقدس القادر على أن يُنعشَ الأيمان ويُنيرَ دربَ السلوك المثالي. يسوع يختلف عن الآباء والأنبياء. يسوع هو"عمانوئيل"، الله نفسه حاضرٌ بين الناس. الله الذي لم يروه سابقًا والذي خافوا منه في سيناء والذي لم يُمَّيزوه كثيرًا عن الأصنام يعيشُ بينهم ويعاني مثلهم يُشاركهم خلوَالحياة ومُرَّها، لكنه يقدر أن يُنقذهم من معاناة مآسيهم. وليس للأنسان بعد عذرٌ لأنه شاهد الله وعاين حَّقه وبِرَّه وقدرته، وآختبرَ المحَّبة وأصبح له رجاء. فالمثل في المسيحية جوهر وضمان للمؤمن في أن ينشر إيمانه ويشُّعَ حُّبَه. على الرسول أن يكون قدوةً. لأنَّ الأيمان حياة وشهادة قبل الأعلان عنه بالكلام.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com