الأحـد الثـاني للمـيلاد !
2017.01.01
رأس السنة <> عـيد الختـانة <> عيد تقـدمة يسـوع
تُتلى علينا اليوم القراءات التالية :اش42: 18-43: 14؛ في2: 5-11؛ لو2: 21-40
1* القـراءة : إشَعْيا 42: 18 – 43: 14
ينعتُ الله شعبَه بالأعمى والأَصم، لا يرى أعماله العجيبة ولا يُصغي الى كلامه اللطيف. بل نسي حتى أنَّ الله هو الذي خلقه وجبله وسَّماه وآختاره، من بين الأمم، شعبًا مَيَّزه بالخيرات والأفضال. فأهمل رسالتَه أن يكون" عهدًا للشعوبِ ونورًا لهدايةِ الأمم" (اش42: 6)، رفضَ السماع لشريعته و تمَرَّدَ على وصاياه ومالَ عن طرقِه، و لم يتقَّيد بعهدِ الولاءِ له مستهينًا بكرامتِه حتى أصبحَ شعبًا " منهوبًا ومسلوبًا "، مغلوبًا على إرادتِه يتمَرَّغُ في حُفَر الفسادِ و الشر. ومع ذلك لم يتخَّلَ الله عنه. لا فقط جعلَ مصرَ فديةً له والحبشة موردًا له وسبأَ عبدًا يعترفون بإله اسرائيل (اش45: 14)، بل و أعَّزَ مقامه عنده الى درجة أن يقول له:" أتخَّلى عن شعوبٍ لأُخَّلِصَك، عن أممٍ بدلاً من حياتِك" (43: 4). الله وهب، الله إختار، والله نفسُه يحمي ويُنقذ الأنسان ، إنما على شرط فقط أن يؤمن. الله وعد وتعاهد ولا ينقضُ عهدَه بل يبقى أمينًا يفي بوعوده، لأنَّ " الربَّ الهُكم هو اللهُ ، الألَهُ الأمينُ، يحفظُ العهدَ والرحمةَ لمحّبيهِ والعاملين بوصاياهُ " (تث7: 9). هذا الأله لن يترك الأنسانية يُبَّدِدُها هبوب ريح الشّرير بل سيجمعها من أقطارالعالم الأربعة. الله حاضرٌ مع أولاده المنتشرين في الدنيا، ولا إلَـهَ غيرُهُ، ولا أحدَ يقدرُ أنْ يُعارضَه أو يَرُّدَ على عمله. لذا يدعو أبناءَه البشر الى الأيمان به ، والى محبتِه ، والى إظهار أعمالِ عظمتِه وقداستِه وعدالتِه. يدعوهم الى الثقةِ به و الأتكال عليه، وعدم الخوف أو التخاذل لأنه هو" معه "، يعملُ من أجلِه.
2* الرسـالة : فيلبي 2: 5 – 11
هذا الأيمان وهذه الثقة بحضور الله يضمنها ويوَّثقُها تجَّسُدُه في شخص يسوع المسيح. و قد دعانا مار بولس الى الأقتداءِ به والتحَّلي بفكرِه وخُلُقِهِ. قال الرسول:" تخَّلقوا بأخلاق المسيح ". ثم بيَّنَ من هو المسيح وماذا فعل. هو الله. ومع أنه الله لمْ يتكَّبرْأو يفتخر بهويتِه وكينونتِه؛ ولم يتباهَ بذاتِه وعمله؛ ولمْ يستنكف من خليقتِه ولا إحتقرَها رغم تلَّوُثِها وفقدان كرامتِها. إنما تنازلَ عن عظمتِه وتخَّلى عن مجدِه و خرج عن ذاتِه من أجل أن يلتقي بمن لم يُقَّدِرْ حُبَّه ولم يحمِ جمالَ نفسِه و وقارَها ورفضَ أن يسمعَ كلامَه، و" آتخَّذَ صورةَ العبدِ شبيهًا بالبشر و ظهرَ في صورة الأنسان". عكس رأسِه الأنسان الأول الذي أصابه الغرور والطمع فأرادَ أن يكون أكثرَ مما هو عليه. كسر وصية الله وخالفها محاولاً منافسة الله. أما المسيح فتواضعَ و أطاع وتألمَ مضحيًا بإرادته ورغبتِه، وحتى بحَّقِهِ، من أجل أخيه الأنسان الناكرلجميل الله و المتَمَّرغ في وحلِ الخطيئة والراكبِ عاصفة الهلاك. دعا الله شعبَه المختار الى أن يتعَّلمَ منه هو الله الحَّق والعدل والمحبة. لكن الشعبَ لم يُعاين شخصَ الله في ساحةِ العمل. ولم يكن وعيه ناضجًا بالكفاية ليتصَوَّرَ واقع ما يدعو اليه الله. واليوم يدعو التلميذ المؤمن والرسولُ الواثق من إيمانه البشرية كلها الى النظر الى من رأتها بعيونها وسمعته وتأملته ولمسته بأيديها (1يو1: 1) والسيرعلى خطاه والعمل بموجب ما فعله. هكذا يتحقق تجسُّدُ الله في الأنسان عندما يرتفع هذا الى مستوى خالقِه بالقول والفعل: فلا يتباهى و لا يتحَّزب ولا يتكَّبر ولا يكون أنانيا ولا يتبع فكر العالم وملذات الجسد، بل يسلك سبيل الروح (رم8: 4).
لقد تخلى الله عن ذاته وتبَّنى حالة الإنسان وتضامن مع قضاياه وآمانيه ليُعلمه كيفَ يتبنَّى بدوره حالة الألهي ويتضامنُ مع الحق والعدل ويغترفُ الحبَّ من نبعِه الأصيل.
3* الأنجـيل : لوقا 2: 21 – 40
روى لوقا خبر ختانة يسوع وتقدمته للرب ولقائه بسمعان الشيخ وتنَّبؤاتِه. أحداثٌ جديرة بأن نقف ولو قليلا عند كل واحد منها.
الختانة علامة حسية في الجسد أعطاها الله لآبراهيم و نسله ترمز الى أنَّ حاملَها هو مُلكٌ لله، يسود بينه وبين الله عهدٌ قِوامُه أن يحبَ اللهَ من كل قلبه ويعبُدَه ويحفظ كلامه ويُنَّفذ تعليماتِه. بالمقابل يحميه الله من أعداءِ السوء ويُوَّفر له الخيرَ و يباركُ حياته ومقتنياتِه. فالختانة أصبحت إنتماءًا الى من يتقَّيد بهذا العهد. فالأساس هو العهد لا العلامة. وبسبب عدم إلتزام الشعب المختون بالعهد سُحبت عنه أيضا إمتيازاته. و بَدَّلها يسوع المسيح بعهد جديد، ختمه بدمه على الصليب، عهدٍ روحيٍّ يقومُ على رباطٍ روحي هو الحُّبُ الصادق و سلوك سبيل الحق الألهي. والأنتماءُ يتم هذه المرة بالمعمودية التي هي رمز التخَّلص من آثار الخطيئة ، والولادة الجديدة من الله ، بقوة الروح القدس، لتحقيق صورة الله فينا بسلوك سبيل القداسة والبر. بالختانة انتمى يسوع الأنسان الى شعب الله ليلتزم بالعهد.
التقـدمة الحياة هي مُلكُ الله. فالخلائق كلها مُلك الله. هو أوجدَها وهو يتحَّكم فيها و يُطالبُ بها. رمزًا لذلك إختارَ الله شعبًا من بين الأمم لخدمتِه ورسالتِه. ومن الشعب إختارَ قبيلة واحدة لخدمته بآسم الكل والكل يتكفَّلُ معيشتَها، لأنَّ خيراتِهم هي ايضا من الله للكل. وآحتفظَ لنفسِه ايضا حياة الأبكار من الإنسان والحيوان. إنهم حصَّته رمزًا الى أنَّ الحياة كلها مُلكه. فيتكرس بكر الأنسان لخدمة الله (خر13: 2)، مثل شمشون وصموئيل وإرميا (قض13: 5؛ 1صم1: 11؛ إر1: 4) الذين لن يقولوا أو يفعلوا شيئًا إلا ما يأمرهم به الله (إر1: 7-8)؛ أو يُفتدى بخروفٍ أوفرخي حمام، حسب امكانية العائلة الأقتصادية ، بينما يُقَّرَبُ بكرُالحيوان ذبيحة فداء الحياة (خر13: 15). أُفتُدِيَ يسوع ليكون حُرًّا في فدائنا (يو10: 18)، وقادرا عليه (عب2: 18). لا يتنازل الرب بذبيحة الفداء عن حَّقه في الحياة بل يضمن بذلك حياة الأفراد والشعوب ويترك لهم حرية الأختيار. وسيفدي المسيح البشرية بدم ذبيحته لتعود فتتنعم بحرية أبناء الله (غل2: 13؛ 5: 1؛ رم8: 21).
سمعان الشيخ وجه غريب يظهر فجأة على الساحة ثم يختفي كليا مثل ملكيصادق (تك14: 17-20). الله معه، يوفي بوعده ويُحَّققُ له حُلمَه في مشاهدة المسيح الرب، ويكشفُ له عن حياة يسوع وجهاده وعن أحزان مريم أمه. هنا تتجَّلى بوضوح يد الله الخفية التي من جهة تدَّبرُ الكون وتقود أحداث الحياة تنفيذًا لمخططه الألهي وتحقيقًا لخلاص الخليقة، ومن أخرى تحترمُ حرية الأنسان ليكون حُرًّا مسؤولا عن سلوكه ومُقَّررًا أساسيا للمصيرالأبدي. فالروح القدس حَقَّقَ التجسد، هو يقود معركة الفداء، وهو سيأخذ بزمام الأمور لقيادة كنيسة المسيح. هو سيكشف للرسل حقائق تعضد بشارتهم، هو يسند جهادهم وحتى استشهادهم، وهو أيضا يُنير الدربَ أمام البشارة ويضمن نجاحها. واليوم كشفَ عن هوية الطفل يسوع وعن جهاده وعن أنه هو" نورٌ لهداية الأمم " لأنه يكشف الحقيقة للعالم و يخُّطُ سبيلَ الخلاص، و يوقظُ الضمائر على حالة الأنسان التعيسة المستسلم للحواس والشهوات والنابذ كليا للروح. هذا هو النور الذي نستنير به في كنائسنا في هذا عيد سمعان الشيخ. فالله الذي صار معنا في الميلاد هو نورٌ لنا وضمان لنحيا حياة وادعة ومريحة. لكن ذلك لن يخلوَ من جهادٍ يُشركنا في جهاد المسيح فتصيبنا ربما أشواكٌ وآلام.
فنحن الذين نملك الله معنا، نملك الحقَّ والعدلَ، نورًا وعونا لنا تدعون الكنيسة الى ان نتحوَّلَ الى حياة الله. كما هو تجسد ليرافقنا ويساعدنا لنتاَّلَهْ نحن معه، ولنُصغ الى إيحاءات الروح القدس وإلهاماته فنتبع إرشاده واثقين أننا لن نخسر الحياة حتى لو مررنا بإخفاقاتٍ و آلام. تلك هي الحياة ما دمنا أحرارا، أشرارًا كنا أم أبرارًا. لن يهملنا الله ولن يخذلنا، يكفينا أن نؤمن به ونثق بعنايته وحكمتِه ونتبع مشورته.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com