الأحـد الأول للميلاد !
2016.12.25
عــيد المـيلاد { عمانوئيل } الله معنا
نُعَّيدُ اليومَ عيدَ الميلاد، ونصَّلي صلاته، وهو أيضا، نسبةً الى تسلسل السوابيع، الأحد الأول للميلاد قتتلى في الأيام التالية صلاة الأسبوع الأول للميلاد. تُتلى اليوم القراءات التالية :
اش 7: 10-16؛9: 1-7 ؛ غل3: 15- 4: 6 ؛ لو 2: 1-20
1* القراءة : اشعيا 7: 10-16، 9: 1-7 ؛
ملوك دمشق وإسرائيل يُحاصرون مملكة يهوذا. يريدُ آحاز ملك يهوذا أن يلجأَ الى ملك آشور تغلات فلاسر(745-727ق.م) ليُنجدَه. تصَّرُفُه هذا يَسوءُ في عين الرب فـ"يضجُرُ". يرسل اللهُ اشعيا النبيَّ ليُحَّذرَ آحاز ويَرُّدَه الى سواءِ السبيل أي الى الأتكال على الله لا على البشر، وترك عبادة الأصنام لأنَّ لا الأصنامَ شيءٌ ولا البشر يُنقذون. يعرضُ عليه أن يطلبَ آيةً تضمن وعد الله. يرفض آحاز ذلك. يبادر الله ويُعطيه علامةً على ذلك، وهي: إن زوجة الملك، وهي فتاة صبية، ستحبل وتلد إبنًا علامة لحضور الله بين الشعب. الولادة هي حياة ، وتلك الحياة تنتصرُ بقوةِ الله، مصدرِالحياة، على من ينوون القضاءَ عليها. بقدر ما كان آحاز سَّيئًا في عين الرب (2مل16: 2-4)، بعكسه سيكون إبنه حَزَقيا "قويمًا في نظر الرب كجَّدَه داود.. فتمسَّك بالرب وما حاد عن إتّباعِه والعمل بوصاياه .." (2مل 18: 3-7). يخبرالرب آحاز أنَّ أعداءَه لن يقووا عليه ، بل سيسقطون. لكن آحاز لا يتراجع عن خُطَّتِه. فيُصَّرح الرب:" إن لم تؤمنوا لا تأْمنوا ". لا يسمع البشرُ الى الله. ولا يرضى الله عن هذا الموقف لذا" قد حجب وجهه عن بيتِ يعقوبَ" (اش8: 17)، لكنه لن يتوَّقفَ أو يتراجعَ عن تحقيقِ وعودِه ومشيئته.
ينظرُ الله الى ابعد من البشر ويفتحُ بُعدَنا على أُفقِ مخَّططِه. لذا فالأبنُ دليلُ حضورالله بين الشعب يُقَّدمُه النبي رمزًا لولادةِ إبنٍ آخر" الذي اُعطيَ لنا " والذي يحملُ إسمًا عجيبًا " الله يُخَّلصُ"، ويكون مَلِكًا " إلَـهًا قديرًا ، أبًا أبديًا ورئيسًا للسلام و لن يكون لُملكِه إنقضاء. يوَّطدُ ملكه على الحَّقِ والعدل". إنه المسيح المخَّلص الموعود الذي سيكسر قوة الشر، نبع جميع مآسي البشر. هذا الأبن الألهي وُلدَ لنا اليوم كما قال الملاك :" ولد لكم اليوم مخلصٌ هو المسيح الرب "؛ لن ننتظر بعدُ ولا غيرَه. إنه حاضرٌ بيننا،" والكلمة صارَ إنسانا وعاش بيننا" (يو1: 14). إنه هوالذي عنى به الله على فم اشعيا وتمَّت نبُوَّتُه القائلة " هوذا العذراءُ تحبل فتلدُ إبنًا ويُدعى عمانوئيل أى اللهُ معنا "(متى1: 23). حضرَ ليُخَّلِصَنا من محاصرةِ العالم للكنيسة ومقاومته للأيمان. جاء ليُزيلَ سلطان عَدُّونا ويُحَّطمَ طغيانه ويُحَّررَنا من قيدِ عبوديتنا للشر فيغفرَ لنا خطايانا" (لو1: 74-77)، " يا أبتاه إغفِر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون" (لو23: 34). لقد أضاءَ لنا نورَ الحق وحرَّرَ فكرنا من ظلام الجهل و وضعنا على درب البرلننجوَ من ظِلال الهلاك فننعم بالحياة. لا يقوى قادة البشرعلى حَّلِ مشاكلِهم بالعنفِ و السلاح ولا يضمنون السلام بالتحالفات السياسية والأقتصادية. الله وحده ينتصرُعلى الشر ويوَّطدُ أُسسَ السلام بالغفران و رباطَ الوئام بالمحبة. إنَّ القوى البشرية تفشل وتزول أما الله فهو" من الأزل والى الأبد ، أبٌ حقّانيٌ عادلٌ ومحب ومسالم"، وهو "" معــنا "" !!
2* الرسالة : غلاطية 3: 15 – 4: 6 ؛
هذا الله أبٌ. وأرسلَ إبنَه ليُقَّومَ إعوجاجَ البشر ويعَّلم الحق والعدلَ فيقطفوا ثمار الأيمان و الحب. كان قد وعدَ به. وكان قد أقامَ الشريعة لتحرسَ الأنسانية من الأنزلاق الى هاويةِ الهلاك ذلك بتأديبِها وتمرينها على أن تحيا معه فتُحِّبُه وتحفظ وصاياه. الشريعة لم تنقذ الأنسان. هيَّأتْه ليتعَّرفَ على الأبن المخَّلص فيؤمن به ويستقبل تعليمه ويتبعه. فالأبنُ المسيح هو نسلُ ابينا ابراهيم صاحب الوعد. والوعد أن يتمتع الموعود به ومن يؤمن به بصداقةِ الله وخيراتِه. الأبنُ الألهي، المسيح، جعلنا إخوتَه لأنه لبسَ ناسوتنا ليُوَّشحنا لاهوتَه. أصبحنا في الناسوت كلنا جزءًا منه، وفي الدعوة الى القداسة متساوين ببعضنا. لم يبقَ فرقٌ بين إنسان وإنسان، حتى ولا بين رجل وإمرأة. لأنَّ كل إنسان أصبح في الأيمان بالمسيح " إبنًا لله و وارثًا بفضل الله "(غل4: 6-7؛ رم 8: 13-17). وهكذا يتحَّققُ الرجاء الصالح للبشربالتمَتُّع بالراحةِ والسلام .ينتظرالله من الأنسان مجَّدَدًا أن يثقَ به ويؤمن بكلامه، ولا يكررَ أخطاءَ شعبِ العهدِ الأول. كان ذاك رمزًا وظلاً للحقيقة التي تجَّلت في المسيح تُعرَضُ على الأنسان على مَّرِ الأجيال حتى يحياها ويتنعّمَ بثمارها. وهذا يتحقق في سماع كلام الله.
3* الأنجيل : لوقا 2: 1-20
يروي الأنجيلُ أحداثًا تتطلب من كل واحدٍ منا أن يتوَّقفَ عندها ويتأَّمَلها بتأَنٍ وعمق. إنَّ الأحصاء الذي يطلبه قيصر يقود الأحداث ليولد المسيح في بيت لحم كما جاءَ في النبوءات. ولادة يسوع في مكان أقرب الى اصطبل الحيوانات حتى يرقد في مذود، حيث كان يوضعُ علفٌ للحيوانات، ليَدُّلَ على تواضع المسيح وفقر الأنسانية التي تعَّرت في الفردوس من نعمةِ الله (تك3: 7)، منبوذًا من البشر(اش53: 3)، متخليا عن مجده الألهي وشبيهًا بالبشر (في2: 7)، و متضامنًا مع ذُّلِ إخوتِه البشر حتى" أُمتُحِنَ في كلِّ شيء مثلنا ما عدا الخطيئة " (عب4: 15). طفلٌ ذليلٌ وفقيرٌ لا يملك غير"مذود " و"قماط"، هو الذي " لا إلَه مثله في السماء ولا في الأرض.. ولا تسعُه سماوات السماوات" (1مل8: 23 و 27). ورعاةٌ بسطاء
منعزلون عن المجتمع يتلقون خبر ولادة المخلص ويهرعون للتأكد منه ثم يُعلنونه للعالم. و كان الفقرُ والبساطة التي تكادُ تُبعدُ عنه الناس هي علامةُ التعَّرفِ عليه، وليس مظاهر الغنى والمجد والجاه التي تليقُ به والتي" كانت له عند الآب قبلَ أن يكون العالم" (يو17: 5). هو الذي" من مشرقِ الشمس إلى مغربِها يُهَّللُ البشرُ لآسمه" (مز113: 3) لمْ يتلَّقَ في مولِده ، من شعبِه، غير الأهمال والخبث (متى2: 4-8 و 16) ولم يُعَّبر عن فرحه وآبتهاجِهِ غير ملائكة رفعوا المجد لله وتمنوا السلام للأرض ورجاءَ الحياةِ المريحة للناس.
تلك هي رسالةُ الميلاد : حقَّقَ الله وعدَه بإرجاع الأنسان الى الفردوس المفقود. إنه وحدَه جديرٌ بالحمد والمجد. له وحدَه الحق والعدل. والذي يسحق رأس الحية الخبيثة قد ولد. إنه الله المتجَّسد قد حلَّ بين البشر؛" الله معنا". هو يضع أساسَ مملكة الله على الأرض. هو يقودُ الأنسانية الى الأنتصارعلى الشر والتنَّعم بالسعادة والراحة. كلام المسيح يكون دستور البشر وليست شريعة موسى ولا أية شريعة أخرى. دستور المسيح وتعليمه وسياسته يضمن السلام والأستقرار على الأرض لأنه مبنيٌّ على الحق والمحبة ويُحَّققُ المساواة والعدالة. هذا هو الرجاء الذي يبُّثُه للعالم. في المسيح يُصبح البشر كلهم أولادَ أبٍ واحد هوالله وبالتالي إخوة لبعضهم يتحابون ويتعاونون ولا يتعارضون أو يتحاربون. إنَّ المؤمنين يرثون ما لأبيهم السماوي. وإرثُ الله هو المحبة. فـفي المحبة تزول الأحقاد ويفنى العداء. في المحبة تبطلُ الغربةُ وتختفي الأختلافات والأحقاد. في المحبة يعلوالحق ويبطل الكذب. في المحبة ينسحقُ الكبرياءُ ويرتفعُ التواضع، و يكثرالتعاون و يتفاعلُ الغفران. في المحبة تتوَّحَدُ الأفكارُ و القلوب. لأنَّ المحبة هي التي قادت الله الى أن يتجَّسد ويتضامن مع الأنسان ليسنده في جهادِه ضد الشر ويسَّهلَ له الحياة. وهذا بدوره يفيضُ فرحًا وراحةً وهنــاء. فلنؤمنْ بالله ولنثقْ بدعوتِه و وعوده.
القس بـول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com