الأحـد الرابع للبشـارة !
2016.12.18
تُتلى علينا اليوم القراءات التالية : 1صم1: 1-18؛ أف5: 5-21؛ متى1: 18-25
1* القراءة : 1صموئيل 1: 1-18
حَنَّة الزوجة الثانية لألقانة محرومة من النسل وإضافةً الى ذلك تُعَّيبُها ضَرَّتُها فَنْنَّة وتُذِّلُها. شَقَّ عليها ذلك وآلَمَها جِدًّا. فصَّلت بمرارة أمام الرب طالبةً أن يرفعَ عنها عارَ عُقمِها ناذِرةً أن تُكَّرِسَ له الطفلَ الذي يجودُ به عليها. ولشدةِ ضيقها وسوءِ ملامح وجهها الحزين حسبها الكاهن سكرى فلامَها، لكنه لاطفها بعده عندما عرفَ حقيقة أمرها ومرارةَ نفسِها فطَّيَّب خاطرها ودعا لها بالخير. إستجابَ الربُ طلبها، ولما بلغ الطفل عمرَه الثالث وفت بوعدها وقدَّمَته للهيكل مُكَّرِسًا حياتَه لله. وسيشتهر بطاعته لله وآستقامةِ سيرته.
2* الرسالة : أفسس 5: 5-21
يتطرق بولس الى" الحياة في النور". والنور يقصد به الحَّقَ الألهي والحياة الطبيعية التي توَّفرُ للأنسان الراحة والسعادة لأنها قائمة على أساس المحبة كما داخل الله. والأشرارُ هم الذين يخرجون عن سِكَّةِ الحب وبذلك يرفضون هذا النور، وبالنتيجة لا يسلكون سبيل الله بل يخسرونه لأنهم يهلكون. إنهم الذين يتبعون غرائز الجسد الشهوانية التي، حسب قول مار بولس، تقودُ الى الموت (رم 8: 4-13). بينما ما يقود الى الحياة هو سبيلُ الروح الذي يقومُ على" الصلاح والتقوى والحَّق" (اف5: 9). إنها النورالساطع من الله. والذي ، إذا سلكه الأنسان وسارَ في نفق أشعته، يصلُ بَرَّ الأَمان حيث ينتظرُه الله.
3* الأنجيل : متى 1: 18-25
يتحَّدثُ الأنجيل عن ماريوسف ودوره في ولادة يسوع. إنه ليس أباهُ الطبيعي وإن كان زوجَ مريم أمِّهِ. إنه يدخلُ ككل إنسان طبيعي حلقةَ الشَّك، هذا من جهة ، ومن أخرى يتطَّلعُ الى الدفاع عن الحَّق. مريم حامل ومن دون علاقة معه، ومع أنَّها زوجَتُه؟. كيف يكون ذلك؟. هل أخطأتْ؟. لكنه إنسانٌ صالح وصِدَّيق. إنه رجلُ الله. إنه يُحِّبُ مريم ولا يشُّكُ البتة في براءتِها. ولا يريدُ أن يقيم عليها الأجراءات الشرعية لمحاسبتها. لا يريدُ أن يظلمَها. لاسيما وقد إتفَّقَ معها على تكريس بتوليتهما معا لله (لو1: 34). لكن ذلك لا يُبَدِّدُ حيرَته لأنه لا يعرفُ كيفَ يُفَّسرُ الأمرَ، ويحتارُ كيفَ تكون بريئة والطفل في بطنها؟. ولا يعلمُ شيئًا عن مشيئة الله ومخَّططِه لأنَّ مريم لم تلتقِ به بعدَ بشارة الملاك لها ولم تُخبرْهُ بأمرِها. وإذا كان لله شأنٌ في مريم، ولا أحد أخبر يوسف بذلك ، لا مريم ولا الله، فلربما لا دور له هو فيما يأتي. لذا يفَّكرُ أنَّ أفضلَ حَّلٍ هو أن يخرجَ عن حلقةِ مشروع الله ويختفي عن الساحة حتى يكتملَ ذلك التخطيط ولا يُعيقُه وجودُه. وإذ كانَ يكادُ أنْ ينسحقَ في هذه المعركة غير المتكافِئة أنجَده الله وبيَّنَ له الحقيقة ، وشرحَ دورَه فيها إذ عبَّرَ عن مشيئتِه تعالى في أن يتوَّلى يوسفُ مسؤولية " الأُبُّـوَةِ الأنسانية "، وحمايتَه لمريم وآبنها يسوع. و لم يترَّدد يوسف لحظةً بل نَفَّـذَ أمرَ الله حال نهوضِه من النوم ، دون ريبةٍ ولا جدال. لقد عرفَ دورَه في المخطط الألهي، وهو خادمٌ لله، فها هو يتقَّـيدُ به ويُنجزُ المطلوبَ منه، وإنْ عرَّضَه للمتاعبِ وحتى للمخاطِر.
• تكلم يا رب ، عبدُك يسمع !
هكذا أجابَ صموئيلُ الى نداءِ الله. هو المُكَّرَس لله أعلن إستعدادَه للأصغاءِ الى الله وتنفيذ ما يطلبُه منه. وكمَّلَ ذلك فعلا. هكذا سيفعلُ أيضا يوحنا المعمدان فيتركُ جماعتَه ووطنه ليتجه صوبَ نهر الأردن فيكتشفَ المخَّلصَ ويُعلنه للملأ: " هوذا حملُ الله.. ما كنتُ أعرفه. لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء قال لي: الذي ترى الروحَ ينزل ويستقرعليه هو الذي سيُّعَمد بالروح القدس. و أنا رأيتُ وشهدتُ أنه هو ابنُ الله ". سمع يوحنا كلام الله ونفَّذَه وكشفَ المخلص للناس. وهكذا أيضا سمعت مريم كلام الله وخضعت لمشيئتِه وقبلت أن يولدَ منها المخَّلص وأن تحملَ معه وزرَ خلاصِ الناس وأن تشاركَ في دفع ثمن العصيان الأول. و هكذا فعلَ أيضا يوسف الحائر والمضطرب ولم يتردد عن تنفيذ مشيئة الله.
لقد قام عهدُ آدم الأول على عدم سماع كلام الله وعدم تلبية رغبتِه فالألتزام بسيادةِ الله، وفي الأستهانةِ بتوجيهه. وقدَّ هَيَّأَ الله الأنسان لتغيير موقفِه وآختبارالأرتياح الى كلام الله. عرفت البشرية أنَّ الطاعة لمشيئة الله ضمانٌ أقوى وأفضل للتمتُّع بالحياة الهانئة. وأقام الله أناسًا و أنبياءَ نماذج الطاعة له والتمتُّع بحمايتِه وراحتِه. والآن ما أن لاحَت أضواءُ نجم الخلاص حتى ثبُتتْ معها أُسُسُ نعمةِ الخضوع للمشيئة الألهية لضمان مستقبل الأنسانية. فعهد المسيح وملكوتِه لن يُبنَ على ملذات الشهوةِ والغريزة. لن يكون للمظاهر بُعدٌ وقيمةٌ بقدر ما يكون للقيم الروحية، وأوَّلِها الأعترافُ بسيادةِ الله وقداستِه وتطبيقُ ذلك بسلوكِ دربِ الحق والبر.
هكذا سيفوقُ عهدُ المسيح، آدم الجديد، فضلاً على العهد الأول. و إذا " كان آدمُ الأنسان الأولُ نفسًا حَيَّةً (تك2: 7)، كان آدمُ الأخير روحًا مُحيّيًا "(1كور15: 47).
لن يكشفَ الله حتى لأصفيائِه عن خطةِ عملِه (أي42: 3)، بقدر ما يطلبُ من الأنسان أن يؤمنَ ويثقَ به ثقةً عمياء مثل ابراهيم الذي" رجا ضدَّ كلِ رجاء" (رم4: 18). ولن يُبَّررَ الله سلوكه لأحد ولا يعتذرُ لأحد ولا يقدرُ " أحدٌ أن ينقضَ حكمَه ولا أن يَدينَه ليُبَّررَ نفسَه" (أي 40: 8). أفكارُ الرب وطرقُه تختلفُ كثيرا عن أفكار الأنسان وطرقِه (إش55: 8-9). عميقٌ جدا "غنى الله وحكمتُة وعلمُه، وما أصعبَ إدراكَ أحكامِه وفهمَ طرقِه"(رم11: 33). فلا يفهم الأنسان دومًا ما يعملُه الله :" أين كنت حين أسستُ الأرضَ؟ أَخبِرْ إنْ كان عندكَ فهمٌ" (أي38: 4). ومن يقول لله " ماذا تفعل "؟(أي9: 12). ومن يقدر أن يفعل أفعال الله؟:" أَ ترفعُ الى السحابِ صوتكَ فيسكبَ عليك ماءًا يغمُرُك"؟ (أي38: 34). الله وحدَه قادرٌ على كل شيء، وأعماله معجزاتٌ " فوقَ متناول فهم " الأنسان (أي42: 1-4).
لا ينظرُ الله الى أعمال الأنسان ليرُّدَ عليها بقدر ما يتصَّرفُ الله بناءًا على محَّبتِه المعطاء. و لم يضع في الأنسان موهبةً أو كلَّفَه بخدمةٍ بناءًا على طلبه. لم يختر الله أحدًا لمهمةٍ ما بناءًا على جدارتِه، بل جاءَ إختيارُه عن نعمةٍ (رم10: 5). فسبقَ الله وآختارَ رسلاً يُنَّفذون ارادته ليبنيَ الكون ويقودَه بواسطتهم الى كمالِه. وبناءًا على هندستِه للكون وآختيارِه من يؤدون المطلوب يُزَّودهم الرب بما يحتاجون اليه من فكر وقوة ارادةٍ ليُكملوا مشيئته تعالى و ينالوا أيضا مجدَهم (رم8: 28-30). فلا صموئيل ولا يوحنا ولا يوسف ولا مريم إختارهم الله جزاءَ خيرٍ فيهم، بل إختارَهم قبل مولِدِهم، ودعاهم الى أداءِ خدمةٍ في مشروعه الخلاصي، وزوَّدهم بما يحتاجون اليه لأدائِها. وضِمن هذا المشروع يدخلُ كلُ مؤمن بالمسيح ومُعَّمدٍ بآسمِه. كل مسيحي مدعو أن يُبَّشرَ بالمسيح ويشهدَ له بحياته، :" والويل لي إن كنت لا أُبَّشر"(1كور9: 16). يكفي للمؤمن أن يثق بالله ، بدعوتِه وعونِه ومجازاتِه، ويؤدي مهمته بوعي وثبات و رجاء.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com