الأحـد الثالث للبشارة !
2016.12.11
تُتلى علينا اليوم القراءاتُ التالية : قض13: 2-24؛ أف3: 1-21؛ لو1: 57-80.
القراءة : قضاة 13 : 2-24
تقُّصُ علينا خبر ولادة شمشون من أُّمٍ عاقِر. يتراءَى ملاك الرب للأم ويُنبِئُها بولادةِ إبنٍ ويُنهيها عن تناول ما حَرَّمَته الشريعة وخمرٍ ومُسكِر لأنَّ الطفلَ منذورٌ لله، فلا يَقُّصون شَعرَه، ومهمته أن يُنقِذَ شعبَه من أعدائِهم. ويُكَّررُ الملاك زيارَته ليُثَّبتَ لِمَنوحَ والِدِ شمشون أنَّ ما روته له زوجتُهُ صحيح. وسيولدُ شمشون ويترَّبى ويُحَّرِرُ شعبَه ويفديهِ بحياتِه.
الرسالة : أفسس 3: 1-21
يكشفُ بولس لمسيحيي أفسس الذين إهتدوا على يده من الوثنية،لا من اليهودية، سِرَّ المسيح وهو تدبيرِ الله أن يُخلص به البشرية كلها وذلك بجمع" كلِّ شيءٍ فيه مما في السماوات وما في الأرض ". فآختارَ الشعبَ اليهودي الذي آمن ورجا بالمسيح فآنتظرَه وظهر فيه، وأيضًا آمنَ به الوثنيون على يد رسل الكنيسة، جسدِ المسيح ومِلئِه، وختموا بالروح القدس. لقد قام خلاصُ كلهم على هذا الأيمان بالمسيح وعلى محَّبته ومحبة أخوتِه البشر، وقد تبَّـنوها و تحَّلَوا بها. ويُؤَّكدُ بولس أنَّ ما يجري من إهتداءاتٍ ومعجزات ليست سوى قبس من هبةِ الله من كنز مجده وغناه وقدرته الجَّبارة أظهرَها في المسيح الذي يجلسُ الآن في السماء " عن يمين الآب " فوقَ كلِّ رئاسةٍ و سلطانٍ وقُوَّةٍ وسيادةٍ ، وفوقَ كلِّ اسمٍ يُسَّمى في هذا الدهر و في الآتي أيضا". فالمسيح يكون مركزَ الكون ومصدر الحياة ورجاءَ الخلاص لكل الخليقة.
الأنجـيل : لوقا 1: 57-80
يتحَّدثُ الأنجيل عن ولادةِ سابقِ المسيح، يوحنا المعمدان. وعند ختانتِه أرادَ الأهلُ تسميتَه بآسم أبيه لكن اليصابات أمَّه رفضتْ وقالت " يُسَّمى يوحنا"، كما سمَّاه الملاك عند البشارة به، ومعناه " الله ترَّحَمَ ". وأيَّدَ زكريا رأيَها، ثم آنفتحَ لسانُه وبارَكَ اللهَ الذي " تفَقَّدَ شعبَه و آفتداه وأقام له مُخَّلِصًا قديرًا .. كما وعدَ ". والخلاصُ يقومُ على التحَرُّر من قيودِ الخطيئة وآستعبادِ البشرو"عبادةِ الله بلا خوف في قداسةٍ وتقوى ". وسيُهَّييءُ يوحنا الناس الى تغيير سلوكهم بالتوبة لنيل غفران الخطيئة على يد المسيح الآتي ، ليتَـمَّتعوا بالسلام وينعموا بالراحة.
¨ يكونُ نذيرًا لله !ٌّ
إنَّ شمشونَ طفلٌ ثانٍ يولد بمعجزة مُبَيَّتة وتدَّخلٍ مباشر من الله. وسيلحقٌ بهما طفلٌ ثالثٌ هو صموئيل النبي (1صم1: 2، و11-20). تأتي ولادةُ جميعهم إستجابةً لأيمان الوالدين العاجزين وثقتهم بالله ولاسيما لتنفيذ مخَّططِ التدبير الخلاصي. فآسحقُ وشمشون وجهان و رمزان للمسيح. يكونُ اسحقُ الأبنَ البكرَ و الوحيدَ لوالديه والذي على حياتِه يتوقَّفُ العهدُ والأملُ بتواصل النسل الغزير والمجيد. وبه سيُصبح شعبُ الله كله "الأبن البكرلله"(خر4: 22). هكذا في المسيح أصبح كلُّ مؤمن أخًا للمسيح وأبنا لله (يو1: 12؛ متى 12: 49-50). ذبيحة اسحق رمزلذبيحة يسوع على الصليب. اسحق بنجاته أنقذ الشعبَ من أصلِه، والمسيح بموته أنقذ البشرية كلها من قيود الشر ومن الهلاك الأبدي. في ذبيحةِ اسحقَ أصبحَ العهد والرجاء في خطر الزوال لأنَّ موتَه هَدَّدَهما بالفناء. لو ماتَ اسحق لما إزدادَ النسل ولا تكوَّنَ الشعبُ ولا قامَ فيه ملوكٌ وعلماءُ وأنبياء. فنجاة اسحق رمزٌ وضمانٌ لنجاة شعبِ الله وآنتصارُ مخَطَّطِه الفدائي. وكما فدى الكبشُ اسحق هكذا سيخَّلصُ يسوع البشرية لأنه ماتَ
فدية عن الأمَّة وليجمع شمل أبناءِ الله (يو11: 52).
كذلك شمشون سيدافعُ عن شعبِ الله، الذي كَوَّنه الله ليكونَ نورًا للأمم يشهدُ للحق وينشرُه،
ويحميه من ضلال الوثنيةِ وفسادٍ لأخلاقِها فيتعَّذبُ في الجهاد من أجله، ويُسخرُ منه، كما سيفعلون بالمسيح، إلى أن ينهيَ حياتَه فديةً عن حريتهم وكرامتهم. لما إتَّكلَ شمشون على نفسِه وتبع شهواتِه خذله الله. ولكنه لما رجع الى الرجاء بالله لم يخذله بل نَصَّرَه على أعداءِ الحَّق. ويُصَّورُ بذلك حياة المسيح الجهادية والتي ستكون أسمى صورةٍ حَّية للحَّقِ والبر في سبيل إعادةِ الأنسانية الى عيش حياةٍ أفضل بسلوكِ درب الحق. ويكون شمشون صورة أيضا للأنسان المؤمن الذي قد يخطأ سبيل الحَّق عندما يتكلُ على ذاته ويستسلم لأهوائِه. لكن الله لا يتخَّلى عنه ويستعيدُ عافيتَه إذا عادَ الى الله وتمَّسكَ بقُوَّةِ الله وشريعتِه. كان شمشون نذيرًا وكان شعرُه غيرَ مقصوصٍ علامةً على أنه مُلك الله يقودُه ويحميه ويُنَّجحُ أمورَه ليُبَّينَ بذلك قوة الله في حمايةِ شعبه المؤمن من أجل الرسالة الموكولة اليه. وعندما قُصَّ شعرُه فقدَ إمتيازَه وخسرَ نضالَه ودفعَ ثمن غلطتِه بفقدان قُوَّتِه وبصرِه. لكنه ندم على فعله وآستعاد إيمانه وآتكاله على الله فنصَّره، وكان نصرُه هذا نكسةً ودمارًا لأعداءِ الحَّق.
¨ لنا بالمسيح الفداء ، أى غفران الخطايا !
هذا ما كتبه بولس لأهل أفسس. وأكَّدَ لوقا، على لسان زكريا، بأنَّ خلاصَ الأنسان "هو في غفران خطيئَتِه " ( آية 77). لقد غفرَ الله لشمشون خطيئته في إستسلامهِ لأهوائِه وزواجه من وثنية وكشفِ سِرِّه لها رغم خياناتِها. هكذا يغفر الله لمن يتوب. ويوحنا سوف يكون رسول التوبةِ الى الشعب ومُفَّعِلُها بدعوة الناس الى الأعتراف بحالة خطأءِهم والأغتسال منها بماء المعمودية. هو لم يغفر الخطايا بل ساعد الناس على التوبة وهيَّأَهم للغفران الذي سيأتي به المسيح. وفعلا سيدعو يسوع ايضا الى التوبة وسيكَّملها بالغفران على الصليب وتخويل الكنيسة بسلطان حَّل الخطايا أو ربطها. إنَّ العهدَ الجديد في المسيح بُنيَ على أساس الأيمان والمحَّبة اللذين يتجَّليان في سلوك الحق والبر. وهذان يتحَّققان في الرحمةِ والغفران مقابل التوبة والأهتداء.
فالمسيح حجر زاوية البناء الروحي الجديد، وهو أيضا مركز وحدةِ الكون، لاسيما وحدة العائلة البشرية. يُوَّحِدُها بالحب والغفران. حُّبٌ وغفران من الله للبشر وقد برهن عليها المسيح بموتِه الفدائي على الصليب. وحُّبٌ وآستغفارٌ من الناس تجاه الله ، وحبٌ وغفران بين الناس، وبين جميعهم. ذلك هو ضمان حياة الراحة والسلام. قادَ الله حياة الناس وأحداثَها في الماضي لتكونَ إشارة لنا، رمزًا وظلاً ودرسًا (1كور10: 11؛ عب 8: 5؛ 9: 24). وقد جسَّد المسيح تلك الرموز. وما عمله الناس قبل مجيء المسيح للتعريف به ، الآن وقد جاء المسيح ليقود الكون الى إكتماله، وبعد أن باشرَ به، سيتعاونون معه وسيحقِّقُه هكذا بواسطة الأنسان ، عاملاً فيه كما تعمل الشمس في إضاءة الكون وإنماء الحياة فيه. فالمؤمنون بالمسيح يقَّمونه للعالم ويعكسون له صورته ويُجَّسدون مبادئه ليجذبوا اليه كلَّ الناس فيُلُّموا شملهم في المسيح؛ " ومتى خصعَ كلُّ شيءٍ للأبن ، يخضعُ هو نفسُه للهِ الذي أخضعَ له كلَّ شيء، فيكون الله كلَّ شيءٍ في كلِّ شيء" (1كور15: 28).

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com