الأحـد الثاني للبشارة !
عدد 22: 20-35 ؛ كول4: 2-18؛ لو1: 26-38.
القراءة : عدد 22: 20-35
يُريدُ بالاقُ محاربة شعبِ الله ويطلبُ من بلعام النبي أن يلعنَه حتى ينتصرَ عليه جيشُ بالاق. أمَّا بلعامُ فيَدَّعي أنَّه لا يفعلُ إلا ما يُبَّلغُه إياه الله، لكنه يطمع في مال بالاق ويضمرُ في قلبِه خلافًا لِآدّعائِه. فيستعملُ اللهُ بهيمَةً ليُعيدَ بلعام الى طريق الحق ويدعوه الى طاعتِه دون خبثٍ أو رياء.
الرسالة: كولسي 4: 2-18
من السجن يكتُبُ الرسولُ لأهلَ كولسي ويَحَّثُهم على التحَّلي بصفاتِ تلميذٍ للمسيح التي تتماشى مع إرادةِ الله ، ألا وهي المواظبة على الصلاة بآهتمام وآنتباه ، والأعتراف بجمائل الله وشكره ، والدعاء لنجاح بولس في تبشيره وإعلان سر المسيح للعالم من أجل خلاصِ أهلهِ. كما يدعوهم الى الحكمةِ و اللطفِ في معاملةِ الآخرين لكسبِهم للمسيح. ثمَّ يذكرُ بعضَ معاونيه في البشارة ويمدحُهم ويطلبُ توقيرَهم. ويهدي سلامه لكل أبناء الرعية ويُشَّجعُ على قراءَةِ رسالتِه لهم ولغيرهم والإطّلاع على رسالةٍ كتبها لغيرهم لتعُّمَ الفائدة. ويُنهي بطلب الصلاة من أجله وهو المسجون في روما بسبب إيمانِه.
الأنجـيل : لوقا 1: 26-38 بشارة مريم
الملاك جبرائيل الذي ظهرَ قبل ستة أشهر لزكريا في بيت لحم ظهرَ هذه المرَّة في الناصرة لمريم وهي مخطوبة ليوسف، أى قد تزوَّجها شَرعًا ولكن قبل أنْ يُعَّرسَ ويُشاركَها الحياة. حَّيا الملاك مريم وأعلن لها أنَّ الرَّبَ معها وقد نالت حظوة في عينيه وأنَّه إختارَها لُتُصبحَ أُمًّا للمسيح إبن الله الذي وعدَ الآباءَ الأولين بأنْ يُرسله لخلاصِهم. لم تُدرك مريم في البدءِ كيفَ يتم ذلك وهي قد نذرت عِفَّتها وحياتَها كلَّها لله. ولما عرفت أنَّ حبلها يتم بقوة روحِ الله القدوس ولا يَمَّسُ بتوليَتَها أعلنت لله أنَّها خادمة له ولا مشيئة لها في وجود مخَّططٍ له أسمى من مشروعِها لحياتِها.
¨ طريقُك مُعْوَّجٌ أمامي !
لو أعدنا مطالعةَ القراءَةِ الأولى لآستغربنا في الوهلة الأولى ما حدّثَ. ظاهريًا يبدو أنَّ الله سمحَ له بمرافقة جيشِ بالاق، ثم خرجَ عليه الملاك ليقتلَه. طلبَ بالاقُ من بلعامَ لعنَ شعبِ الله. إنما طلب منه " ولكن لا تفعلْ إلا ما أقولُه لكَ". ويبدو أنَّ بلعامَ موافقٌ على كلام الرب :" لو أعطاني بالاقُ مِلءَ بيتِه فِضَّةً وذهبًا لما قدرتُ أنْ أُخالِفَ كلامَ الرب..". فماذا حصلَ حتى يُهَّدِدَه الملاك بالموت :" إعترَضتُ طريقَك لأنه مُعوَّجٌ أمامي... ولو لمْ تَمِلْ أتانُكَ عني لقتلتُكَ في الحال وأبقيتُها ". ماذا حصلَ لبلعام ؟ ماذا أخفاهُ حتى كادَ غضبُ الرب أن يفنيَه؟. يبدو أنَّه فعلاً قد أضمرَ في فكره وقلبِه غيرَ ما أعلنه على لسانِه. لقد طمع في مال بالاق و هداياه القَّيمة التي قلَّ من يرفضُ مثلها ، وندُرَ من يتمَّسك بالحَّق على حسابِ خسارةِ كذا ثروة!. فحاولَ بلعامُ أنْ يستلطفَ الله فلعَّله يُغَّيرُ الرأيَ. أو يتفق معه على مصلحةٍ مشتركة يُرضي بلعامُ بالاقَ فيبدأ بالأنتصار ويحصل هوعلى الثروة ، ثم يفعلُ الله ما يشاء فينتكسَ الأمرُ ويُقلبُ الله الآية ويُظهرُ قوَّته فيَندحرُ بالاق. لمَّا إستلم بلعام وجبة الهدايا الأولى منعه الله من تلبيةِ دعوةِ بالاق :" لا تذهب معهم. ولا تلعن الشعبَ، لأنه مُبارَكٌ" (آية 12). لكن بلعام لم يرعوِ. بل طمعَ في ربحٍ أفضل وبالاقُ يَعِدُه بهِ، فطلبَ من الوفدِ أن يبيتَ ليلتَه عنده لربما يُغَّيرُ الله رأيَه. ولما سمحَ له الله أن يرافقَهم ربما إفتهمَ بلعامُ أنَّ طريقَ الغِنى قد إنفتحَ أمامه، فنوى في قلبهِ تلبيةَ مطلب بالاق. لذا حَذَّرَهُ اللهُ أنَّه لن يقدرَ أن يعارضَ مشيئتَه أو يُغَّيِرَها. إنَّ الله لا يَتغَّير ولا يُجَّرَبْ ولا يكذب (يع1: 13 و17). ولا يستطيع المرءُ أنْ يُخفيَ عن الله سوءَ نيتِه حتى ولا بكلام معسول أو مُمَّوَه. البشر لا يعرفون مشيئة الله إذا لم يكشفها لهم. أما الله فيرى ما في بطن الأنسان ، أعمقَ فكرِه وأصفى شهوته.
¨ الرَّبُ معكِ وقوته تُظّلِلُكِ !
أما مريم فآحتارَت أولاً من كلام الملاك لأنها لم تفقَهْ ماذا يعني بالضبط وكيفَ يتمُّ، كيفَ تُنجبُ طفلاً وهي ناذرة بتوليتها لله. لقد أحَّبت الله وكرَّستْ له قلبَها وحُبَّها وحتى متفقة مع زوجها أنْ يحافظ على بتوليتها وهو موافقٌ على كذلك فقالت :" أنا لا أعرفُ رجلاً" رغم أنها متزوجة من يوسف؟. كان لها مشروعُها في الحياة. وهوذا الملاك يبدو وكأنه يقضي على حلمها. لكنه بدأ يشرح لها الأمر. وآفتهمت أنها ستولد المسيح. وهذا لا يُعارضُ قرارَها ولا يمَّسُ بتوليَتها بأذىً حتى لو فقدت بكارة الجسد لأنها تحافظُ على طهارةِ نفسِها وروحِها، بل سيتحقق حلمُها بقوة الله نفسِه ، كما ستتحَّققُ إرادة الله "وهو على كلِ شيءٍ قدير" ( آية 37). زالتْ حيرَتُها وآنتعشَ إيمانها بالله وتقَّوى فتعاونت مع مشيئتِه دون جدال ولا مراوغة. وثقتْ أنَّ مشيئة الله أضمن لحياةِ الأنسان، وأنَّ مشروعَ الله يُكَّرمُ الأنسان ويُعَّظمَه. أحَّستْ مريم بما ينتظرُها من ألم وتضحية. لكنها لم تبحث عن إرضاءِ شهوتها بقدر ما صمَّمتْ أنْ تحفظَ كلامَ الله وتتبعه بدون شَّكٍ ولا ترَّدُدٍ ولا ندم.
¨ تَمِّـموا كلَّ ما يُريدُه الله !
أما بولس فيقطفُ ثمرَ الأيمان ويتعَّلم من تأريخ الخلاص كيفَ يحملُ المؤمن نورَ الأيمان و يسلكُ دربَ الحياة الحقة المطابقة لمشيئةِ الله. الكنيسة وأبناؤُها رسلٌ للمسيح في"خدمةِ الله". يريدُ الله أن تقومَ له مملكةٌ يبنيها على أيدي الناس. وهؤلاء الناس الرسل يتمَّيزون عن الذين لم يعرفوا الله. تقوم حياتهم وتُزهرُ وتثمر على الثقة بالله والأنصاتِ الى إلهامه وإرشادِه، ثمَّ تنفيذ طلبه ونشر هذا الأسلوب من الحياة بين أهل العالم :" كما أرسلني الآب أرسلكم أنا " (يو20: 21). والرسول يمُرُّ بضيق وتعبٍ ، وعليه أن يجاهدَ ولا يمَّلَ أو يتراجعَ. تلكَ خدمةٌ " قبلَها كلُّ مؤمن من الرب ". بولس يبَّشرُ وهو في السجن ، ويسألُ الصلاة من أجلِه حتى يقدر أن يتَمِّمَ خدمته في كل مكان لا كي يفتخر بنفسِه بل لكي يشَّجعَ من ليسوا مقَّيَدين بأن لا يتهاونوا في البشارة بالمسيح، ولاسيما حتى يؤَّديَ رسالتَه كما يجبُ عليه ان يتصَّرف.
¨ كما يجبُ أن يتصَّرفَ المؤمن !
إنَّ شريعة الشعب الجديد وروح العهد الجديد ألا يخلطَ المؤمن بين رغبتِه وبين مشيئةِ الله. و ألا يترَدَّدَ في تنفيذ كلام الله فلا يسمحَ لفكره الأنساني أن يقاوم فكرَ الله، إنه رسولُ الله. وألا يُفَضِلَ تحقيقَ حلمِهِ على حساب مشروع الله. الحلمُ الشخصي الفردي قد يتحَّقق وينفع، وقد لا يتحَّقق أبدًا مثل الصورة المرسومة في داخله. وإذا تحَّقق فعلى حساب السعادة والراحة الحقيقية لأنها تتحقق بطرق ملتوية وضمائر مغَوَّشة. أما مشروع الله فيخدمُ الحالمَ نفسه و يبني المجتمع الأنساني. بلعام لو لم يرحَمْه الله لكان قد خسر حياته طمعا بالثروة. أما مريم فتنازُلها عن حقها في ملذة الحياة وقبولها تنفيذ خطةِ الله أكسبَها جزاءًا وهناءًا أبديا ومجدًا لا يطاله إنسانٌ مهما كان. ولهذا إنبرى الرسولُ وعَّلمَ أنَّ كلام الله ومملكته أهَّمُ من كل شيء آخر لأنه وحدَه يضمنُ الحياة. فقبل أن نخَّطط لأنفسنا كيف نُحَّقق أحلامنا لِنُصغِ ولو قليلا الى الله لنكتشفَ فينا مشيئته ونسيرَ في طريقِه الذي يرشدُنا اليه. والكنيسةُ تُلقي علينا اليومَ هذا الدرس : أن نخضع لمشيئة الله وتخطيطِه لِنضمن الحياة الحَّقة. لا نحاول أن نخدع الله بالتظاهر بالأيمان وإضمار الألحاد، لأنَّ اللهَ لا ينخدعُ إذ يقرأُ فكرَ الأنسان قبل سماع كلامه. ولا نخدع ذواتِنا بمحاولةِ عبادة الله والمال في أنٍ واحد. هذا أيضًا يستحيل (متى6: 24).

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com