الأحد الأول للبشــارة !
016.11.27
تتلى علينا اليوم القراءات التالية : القراءة تك17: 1-27 وتُحَّدثُنا عن العهد الذي أبرمه اللهُ مع ابراهيمَ وقِوامُه يختارُ اللهُ ابراهيمَ ليُكَّوِنَ شعبًا يولدُ فيه المُخَّلصُ الموعود، ويعِدُه رعايةً وعونًا وبركة مقابلَ أن يسمعَ ابراهيمُ كلامَ الله ويَشُّعَ حولَه الحَّقَ والبِرَّ. الرسالة أف5: 21-33 ويَحُّثُ بولسُ المتزَّوجينَ على المحَّبةِ والتفاهم والتكامل في البِرّ كما هو الأمرُ بين المسيح وكنيستهِ. وإلى هذه الوحدة يرمزُ سِرُّ الزواج. الأنجيل لو1: 1-25 يُحَّدثُنا لوقا عن تحقيقِه عِلميًا في كتابةِ الأنجيل وتقَّصيهِ لدقائقِ الأمور في حياةِ المسيح وتعاليمِه عند شهودٍ عيان وأصحابِ الشأن ، بادئًا ببشارة زكريا وذاكِرًا ضعفَ إيمانِه بقدرة الله.
¨ أًسلُك أمامي وكُن كاملاً ! تك17: 1
يومَ أخطأَت العائلة البشرية الأولى لمْ يتنازل الله عن الأنسان. لأنه أحَبَّه ولأنه جزءٌ من نَفَسِ حياتِه. بل وعده بأنْ يُخَّلِصَه على يد واحد من نسله يرسله الله له. والمخَّلِصُ يسلكُ عكس ما فعلوا. سيسمع كلام الله لأنه بدوره ، بعد خبرةٍ مريرة للعبودية دامت ملايين السنين وبعد أن نضجَ وعيُه، تعَّلمَ أن يُحّب وآمن بالله أنه وحدَه سيّدُ الكون والقادرُ أن يُسعِدَه ويشفيَ غليله الى الحياة المتواصلة.
لم ينسَ الله وعده بل" تذَّكرَ رحمتَه، كما وعدَ آباءَنا" (لو1: 54). ولمَّا عاينَ إيمانَ ابراهيم و توَّسمَ فيه استعدادَه لسماع كلامه إختارَه لتحقيق مشروعه من خلاله. لقد توَّثنَ البشر وحملوا قيودَ الشر ففصله عنهم ليُهَّيىءَ شعبًا مؤمنًا و مُهَّذَبًا يستقبلُ مُرسَلَه اليهم. فعزله أولا عن شعبِه كي لا يُعيقَ تكوينَه ومسيرته في طريق البر. ثم عزله حتى عن عشيرته ليكون وحدَه واقفًا بين يديه، لا أبَ له ولا ولدًا ولا قريبًا يُشغله عنه. فيسهلُ عليه التقَّيدُ بإرشادِه وتوجيهِهِ. ولما تقوَّت علاقة الأرتباط والمودة بين ابراهيم والله، ولم يكن بظهر ابراهيم غيرُ الله ولم يكن لأبراهيم نسلٌ، عندئذٍ عقدَ الله معه عهدًا : يلتزم ابراهيم بتوجيهات الله وبالسلوك أمامه بكمال" كُن أمامي كاملاً "، وبالمقابل يباركه الله فيحميه ويُعطيه نسلاً شعوبًا و ثروةً وحتى وطنًا. هكذا قال الرب :" أنا اخترته ليوصيَ بنيه وأهلَ بيتِه من بعده بأن يسلكوا في طرقي ويعملوا بالعدل والأنصاف، حتى أفيَ بما وعدتُه به "(تك 18: 19). مع ذلك لم يكشف له الله بأن من نسله سيخرج الذي" يترَّقب رأس الحَّية القديمة" (تك3: 15)، ولأجل هذا عزله عن الشعوب الوثنية ليحيا نسلُه في الأيمان قريبًا منه. وهكذا يتكون الشعبُ الجديد على أساسِ الأيمان الصافي.
¨ أَحِّبوا نساءَكم كما أحَّبَ المسيحُ كنيستَه ! أف5: 25
فقد الأنسانُ المحبة. لقد حسدَ فَكَرَهَ فحقد فكذبَ وتكَّبرَ وآحتقرَ وتوَّحشَ فأصبحَ لا يؤمن ولا يهتم بغيرِ نفسِه. لم يعرفْ أنْ يُقَّدرَ وحدةَ الحياةِ الأُسرية. لم يعرفْ أن يحيا المحَّبة. والمحَّبة روحُ الحياةِ الجماعية وعِمادةُ التفاهم، كما هي في الثالوث، تُعاشُ أولاً في العائلة الصغيرة قبلَ عائلة المجتمع الكبيرة. فلما آكتملَ الشعبُ وعاشَ كلَّ أبعادِ حياتِه الزمنية حانَ الوقتُ ليظهرَ النسلُ الموعود فهَيَّاَ الله عائلة عرفَ قُطباها، الرجلُ والمرأة، أن يذوبا أولاً في محبةِ الله ويتكَرَّسا له ثم أنْ يعيشا في ذوبانِ الحياةِ في الحب بينهما، ويُشَّكلان بذلك قدوةً ونموذجًا تحتذي به العوائلُ المؤمنة. وما قاله الله منذ البدءِ :" يترك الرجل أباه وأمَّه ويَتَّحِدُ بآمرأتِهِ ، فيصيران جسدًا واحدًا" (تك2: 24)، ذَّكرَ به الرسولُ العوائلَ المؤمنة فدعا الرجال الى حُّبِ نسائِهم كما دعا النساءَ الى توقيرِ رجالِهن، وكلُّ ذلك" بآسم المُخَّلِص" رأسِ الشعب الجديد.
17/2
كما ذَّكرَهم بأنهم قد ذَوَّبَهم الحُّبُ في بعضهم فجعلهم :" جسدًا واحدًا" (آية 31). كان يوسف ومريم نموذجًا للحُّبِ البريء الصادق القوي الذي وحَّدَ بينهما حتى تنازلا عن ملذة الشهوة الجنسية لتكريس الحُبِ الطاهر، والذي كافأَهما الله عليه فأعطاهما ثمرَ الحُّبِ بلا خبرة جنسية، أى النسلَ المنتظر. وهكذا بعد ضمان أساس الأيمان ضمن الله لدى الأنسان الأساسَ التوأم أيضًا ألا هو الحُّبُ الصادق.
¨ يُهَّيئُ للرَّبِ شعبًا مستَعِدًّا له !
وهكذا يُجَّسمُ الأنجيلُ الصورة ويُخبرَ عن مجيءِ من يُعِّدُ الناسَ للتعَّرفِ على المخلص الآتي ولسماع كلامِه، سائرًا أمامه "بروحِ ايليا النبي وقوَّتِهِ ". المُخَّلصُ الموعود على الأبواب. شعبٌ مؤمن يحتضنُه، وعائلة متَّحِدة في الحب تستقبله وترعاهُ، ورسولٌ يسبقُهُ يفتحُ الطريقَ أمامَه ويُعلنُه للملأ . هذه الصورة نفسُها، صورة الأيمان والحب والخدمة، لا فقط سيعيشُها المسيح ولكن ستُصبحُ العلامة المُمَّيزة لرسلِه أيضا ، وهو نموذجُهم. هَذَّبَ المسيحُ رسلَه و دَرَّبهم على الأيمان"آمنوا بي .. لو كان لكم إيمانٌ مثل حَبَّةِ الخردل!"؛ وعلى الحب " أحّبوا بعضَكم كما أنا أحببتكم" ؛ وعلى الخدمة " لم آتِ لأُخْدَمَ بل لأَخْدُمَ أنا.. وأنا أعطيتكم مثلاً تقتدون به..".
على هذا الأساس يُفتَتَحُ العهدُ الجديد، وبهذه الصورة وهذه القراءات أرادت الكنيسة أن تَضَعَنا منذ البداية على سِكَّةِ الخلاص التي جاءَ بها المسيح ومَدَّها ليسيرَعليها قطارُالبشرية. القراءاتُ الثلاث تعرُضُ تعليمًا واحدًا: "المسيحيون هم اليوم" شعبُ المسيح وعائلتُه ". و إنَّ الله قد" دعاهم فعَيَّنهم ليكونوا على مثال صورةِ ابنِه ، ليكون الأبن بكرًا لأخوةٍ كثيرين "(رم 8: 29). رسالة هذا الشعب إذًا هي أن يُمَّددوا شخصَ المسيح ورسالتَه ، أي أن يشهدوا في العالم للأيمان والمحبة وأن يخدموا بوعيٍ وطواعية. لأنَّه لا " يوجد رسولٌ أعظمُ من الذي أرسَله"(يو13: 16). شهد لوقا بذلك أنه كتبَ إنجيله لنا نحن الذين نسمعه ونقرأه لنتيَّقنَ من حقيقةِ المسيح وصحة تعليمه (آية4). كما شدَّدَت الرسالة على سِرِّالمسيح ، علاقته بالآب، و الكنيسة المؤمنين الذين يسلكون سبيل الأيمان مثل ابراهيم وسبيل الحب مثل الكنيسة والذي يُحَّققُه أبناؤُها في الزواج. هذا من جهة ومن أخرى يعَّـلمُ بولس أنَّ " ما جاءَ في كل الكتبِ المقَّدَسة إنما جاءَ ليُعَّلِمنا كيفَ نحصلُ على الرجاء" (رم15: 4). وهذه شهادة يؤَّديها كل مسيحي بحياته دون مقابل، وإنما بروح الخدمةِ والتضامن والأنصهار في يسوع المسيح. و القليلو الأيمان والثقة بالله مثل زكريا، ولكن عن شِدَّةٍ وضيق لا عن هوسٍ أو خبث، يُعيدهم الرَّبُ الى سواءِ السبيل منيرًا دربَهم.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com