الأحـد الرابع للكنيسة !
2016.11.20
عــيد يسوع الملك
خـتام سنة الرحمة الألهـية
يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< متى22: 41 – 23: 22 >::-- بعد نقاش دارَ بين يسوع والفريسيين حول بُنُّوةِ يسوع لداود وكيفَ يدعوه داودُ رَبَّه وعجزِهم عن تفسير ذلك، بدأ يسوع يفضحُ جهلَ الفريسيين ، وهم يَدَّعون لأنفسهم عُلوَّ الشأن في المعرفة، ويُـنَّـدِدُ بريائهم و بُعدِهم عن الله وعن الحق وعن البر.
¨ يقولون ولا يفعلون !
كانت هذه أول سيِّئةٍ لهم. والقول بدون الفعل يعني عدم الأيمان ولاسيما النفاقِ. وتلك هي إحدى السيئات والرذائل التي ندَّد بها الرب. وقد أكَّد لتلاميذه أن مَن فقط يقول " يا رب ، يا رب " دون أن يعملَ ما يريده منه الرب لن يرَ وجهَ الله. لقد عبدَ الشعبُ المختارُ الرب ، صَّلى إليه وقَرَّبَ له القرابين وأعلن شريعته، بل قسى القادةُ على الشعبِ في التقَّيد بها، لكنه لم يؤمن بغير نفسِه إذ ظلَّ يُلَّبي شهواتِه ويُتابعُ ميولَه المنحرفة، حتى رفضه الله قائلاً عنه : " هذا الشعبُ يُكرمني بشفتيه لكن قلبَه بعيدٌ عني" (اش29: 12؛ متى15: 7). رفضَ قرابينَه فقال: " ذبائحُ وقرابينُ ومحرقاتٌ وذبائحُ كفَّارةٌ للخطايا لم تشَأْها ولم تقبَلْها، مع أنَّها تُقَّرَبُ كما تقضي الشريعة" ( مز39: 7-9؛ عب10: 8).
قولٌ بدون فعلٍ يعني الأدعاءُ والتظاهرُ بشيٍ جيد وممدوح وحالةٍ مجيدة ومطلوبة ولكن دون التقَّيد بذلك، بل وأحيانًا بالفراغِ منها أو معارضةِ ذلك. إنَّه الرياءُ والأزدواجيةُ وتقديمُ وجهٍ يخالفُ ما يُخفيه الباطن. وهذا إخفاءٌ للحقيقة وغِشٌ وتزويرٌ وتشويهٌ لصورةِ الله التي أودعها في الأنسان. أنْ يدَّعي المرءُ شيئًا ويُظهرُ ما هو جَيِّد ثم يكشفُ في الواقع ما هو عكسُ ذلك، ذلك تقليل من كرامةِ الأنسان وكِذبٌ ودجلٌ حَذَّرَ منها الرب لأنها ضلالٌ وفساد تُسيءُ الى المجتمع (متى 24: 4، 24). بينما طلبُ الله الأستقامةَ و الشفافية وشَدَّد على إبداء الواقع كما هو ،: " ليكن كلامكم صادقًا. فما هو نعم قولوه نعم، و ما هو لا قولوه لا " (متى5: 27). إنَّ الرياءَ و النفاق هما، كالكذب والدجل، من خصائصِ الشرير.
ومن ميزاتِ المرائين أن يتباهوا بأنفسهم ويُطالبوا الآخرين بتقديرهم فوق العادة. هكذا طالبَ الفريسيون أن يدعوَهم الناس بألقابٍ مثل : يا معَّلم ! يا أب ! يا مرشد !. عوضًا عن أن يجعلوا الناس يُقَّدرون اللهَ كأب ويحفظون وصايا تعليمه ويسترشدوا بشريعته، وهذا حَّقٌ و عدلٌ و إيفاءُ واجبٍ، سَلَّطوا الضوء على أنفسِهم بل وأهملوا أهم ما في شريعة الله " العدلَ والرحمةَ والوفاء" (آية 23). حتى قال عنهم يسوع أنهم لم يعرفوا حَّقًا لا يسوع من هو ولا الله (يو8: 19). وقد حَذَّرَ يسوع تلاميذَه مغبَّة التشبه بالفريسيين، ورفضَ لهم أن يتكبروا فيعتبروا أنفسَهم فهماء وأبرارًا وخبراءَ في الحق أكثرمن غيرهم. الحق الوحيد والعلم الأكيد والإختبار الشديد هو عند الله خالق كلِّ شيء ومُحييها ومميتها. يجب أن يكون التلميذ مثل معلمه، فالمسيحي مثل يسوع. يسوع معلمه وأبوه ومرشده الى الحق، فعلى التلميذ أن يقتديَ به (يو13: 15) كما أكد ذلك بطرس (1بط2: 21) وبولس (1كور11: 1؛ 1تس 1: 6). الأنسان مدعو أن يعيش مثل الله في المحبة والتواضع والخدمة، لأنَّ الحياة النابعة من الله هي محبة وخير وعطاء، وهي الأختفاء وراء الأحداث والمُفَّجرة لها لا وجهها البارز، و هي الفعل والعمل من أجل إيصال الكون الى كماله، وليس بروز الذات.
¨ كونوا كاملين مثل الله !
كانت وصية يسوع لتلاميذه ،" أنتم، لا تكونوا كالمرائين"، بل كونوا " مثل أبيكم السماوي كاملين" (متى5: 48؛ 6: 5). واليوم نطوي سنةً عرضتها علينا الكنيسة، بآسم سنة الرحمة
الألهية، ودعتنا إلى أن نسعى فيها الى الأقتداء بالله ولو في موضوع واحد ، هو " الرحمة". والرحمة ليست سوى صورة مجَّسدة للمحبة. وأعطتنا أمثلةً حية كثيرة تنَّور طريقنا الى سر المحبة / الرحمة. منها "حياة الأم تيريزا"، وقد أعلنتها قديسة في هذه السنة لتعطينا نموذجًا يساعدنا على فهم كيف نكون كاملين على مثال الله. أناسٌ كثيرون يتألمون ، ينذبحون يوميا، بسبب قساوة الإنسان: يتشردون، يمرضون، يجوعون، يُنبَذون، يُهملون ويحتاجون الى من يزيلُ عنهم كابوسَ الألم والأهانة؛ الى من يُوَّشحُ حياتهم بالفرح ويوفر لهم الأمان والراحة ؛ الى من يمسك بيدهم ويضعهم على طريق الحياة الأمين؛ إلى من لا ينظرُ اليهم بعين الغرباء بل يتعاملُ معهم بصفة أقرباء وأصدقاء وأحّباء؛ الله نفسه تخلى عن مجدِه ولم يفتخر بنفسِه ، وهو القدير على كل شيء، بل أخلى ذاتَه وأخذ صورة عبدٍ، بل قبل حتى أن يُصلب كمجرم، وهو الصِدّيقُ البار، حتى يُجَّسِدَ حبَّه للأنسان ويرحمَه فيُنقِذه ويحَّررهُ ويكفكفَ دمع عيون الحزانى ويُلَّطفَ قلوبَ المهمومين ويشُّدَ إزرَ الضعفاء والمنبوذين.
لم يتحَمَّلْ حُبُّ الله أن يُذبحَ الأنسانُ صُنعُه ومثيلُه، فطلب من الناس، لاسيما المؤمنين به و تلاميذه، أن يتشَّبهوا به في الخدمة ويتعَّلموا الدرسَ من القديسة الأم تيريزا وأمثالِها والعمل على إخراج الأنسانية من قوقعةِ الأنانية والنفاق واللامبالاة ليضعوها على درب الإخاءِ و التعاون والتسامح. ليست الرحمة فقط توفير المأكل والملبس والمسكن. الرحمة هي أن ننظرَ الى الآخرين كما ينظر الله اليهم مثل أبٍ حنون وأمٍّ رؤوم وصديقٍ عزيز ونديم موثوق به. المراءاة والنفاق شعورٌ غريزي. أما المحبة والرحمة فينبعان من الفكر والقلب. وليسا فقط شعورًا بل هما فعلاً حيويًا له نتائج عملية. وإن كان الله قد دعانا الى المحبة والرحمة فلأنه هو لا مشاعر له ، لأنه ليس جسدًا بل روحًا ، بل هو حياة متَدَّفقة تجري ، وحيثما جرت أروت ، وحيثما أروت أثمرت. والثمار لن يقطفها الله لنفسه بل هي للأنسان يتمتعُ بها. هكذا رحمة الأنسان ومحَّبته لا تتعَّلق به بل يصُّبُ مردودُها ومفعولها في الآخرين. الآخرون يقطفون ثمارَها كما يقطفُ المؤمنُ ثمار إيمانه و وفائِه لمخَّلصِه.
سنة الرحمة تنتهي وتعقبها سنين أخرى. أما رحمةُ الله فلن تنتهي ولا تتوقف. والمؤمن مدعو الى أن يثقَ بهذه الرحمة ويلتجيءَ اليها في ضيقه وحاجته ، ولاسيما أن يُمارِسَها بدوره لأنه تلميذ للمسيح وأبنٌ لله. المراءأة والنفاق لن تبطلَ من وجه الأرض، كذلك الكذبُ والدجل. ولكل زمانٍ فريسّيوه. أما تلميذ المسيح والمؤمن بالله فعليه أن ينتبهَ بلا آنقطاع بأَّلا يقع في حبال شباكها. للعالم نماذجُه وعملاؤُه. وللمسيح تعليمه وقديسوه ولاسيما كنيستُه التي من خلالها يواصلُ عمله ويمارس تواضُعَه ومحبته ورحمته. فلا يكن إيمانُنا ناقصًا، مُغَّوَشًا أو مُعَّتمًا، بل لنجعلَ من إيماننا مصباحَ سلوكنا، ولنجعل سلوكَنا شهادةً ومنارة يستنيرُ بها أهل العالم.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com