الأحـد الثالث للكنيســة !
 2016.11.13
يُتلى غلينا اليوم إنجيل -::< يوحنا2: 12-25 >::-- ويقُّصُ علينا خبر طرد يسوع باعة الحيوانات والصيارفة من الهيكل الذي يُدَّنسون قدسيته بتحويله من مكان عبادة الى محل تجارة. فتصَّدى له المسؤولون عن تنظيم الخدمة في الهيكل وآعترضوا على تصَّرفِه و طلبوا منه مُبَّررًا لفعله، وسألوه آيةً يُقنعهم بها أنه المسيح. أعطاهم آية موته وقيامتِه قائلا :" إهدموا هذا الهيكل وأنا أقيمه في ثلاثة أيام". لم يفهم المعترضون عليه حتى ولا الرسل قصدَه من ذلك، بل حسبوا أنه يعني هدم هيكل الحجارة، في حين قصد هو هيكل جسده الذي قد أصبح المسكن الحَّي لللاهوت ، لأنه هو الله المُتجَّسِد.
¨ لما قام .. تذَّكرَ التلاميذ !
سبقَ يسوع و سأل تلاميذه الرسل عَمَّن يعتبرونه. وأجابَ بطرس بوحيٍ إلهـي أنه " المسيح إبنُ الله الحي". ولكن ماذا إفتهم بطرس وماذا عنى بكلامه (!) لم يكن بالتأكيد ما إفتهمه بعد القيامة، بعد حلول الروح القدس عليهم. لقد أنبأهم يسوع ثلاث مرّاتٍ قبل موتِه بأنه سيُصلب فيقتل لكنه يقوم. مع ذلك لما تمَّ ما سبق وأخبرهم به لم يؤمنوا بأنه الله، وأنه سيقوم في اليوم الثالث. بل كان موته فاجعةً بالنسبة اليهم وأُصيبوا بشبه آنهيار، لأنَّ موتَه هدم كلَّ أحلامهم و بَخَّرَ كلَّ آمالهم وأُمنياتِهم؛ ولما سمعوا بقيامته إحتاروا وشكوا (لو24: 19-21). ولم يكن إيمان النسوة اللواتي كن يخدمن يسوع وتلاميذه أفضل من إيمان الرسل. لم ينتظرنَ قيامته بل ذهبنَ الى القبر لآتمام مراسيم الدفنة بتحنيط الجسم بالعطور والبخور، حتى خجلن من سماع الملاك يقول لهن :" لماذا تطلبن الحي بين الأموات.. أُذكرن ما أنبأَكن به.."(لو24: 5-6).
كان فكرهم ماديًا وتقليديا مثل كل اليهود. مثل نيقوديموس الذي لم يستوعب الولادة الروحية الجديدة (يو3: 4). ومثل السامرية التي خلطت بين العبادة الحرفية وعبادة بالروح والحق (يو4: 19-24). ومثل القائمين على إدارة شؤون الهيكل الذين عبدوا المال بظاهر عبادة الله. ومثل مرتا التي ساوت ، من جهة بين خدمة الضيافة البشرية وآستضافة الكلمة الألهية (لو10: 41-42)، ومن أخرى بين القيامة العامة بالجسد و القيامة الروحية في الله ، أى تجديد الحياة بيسوع المسيح والعيش بآتحاد سّري مع الله ، بالنعمة منذ الحياة الدنيوية على الأرض، عن طريق الأيمان بلاهوت يسوع، هذا الأيمان الذي يضمن للمؤمن حياة أبدية مع الله تقيهِ الهلاكَ الأبدي (يو11: 24-25). كلهم كانوا يتصَّورون المسيح إنسانا فائقًا خارقًا يتبَّناه الله ويملك على العالم كله ولا نهاية لملكه. وقد تلاشت كل خطوط تلك الصورة ولم يجدوا في فكرهم إطارًا بديلا، ولم يكونوا بعد قد إمتلكوا النور الألهي الجديد ليستوعبوا الأفقَ المسيحاني الجديد للحياة. لأنه ، كما قال الأنجيل، " لم يكن الروح يومئذ قد أُعطيَ". و تأخير حلول الروح على الأنسانية جاء بسبب أنَّ " يسوع لمْ يُمَجَّـد بعدُ " بالقيامة (يو7: 39).
وكم إفتهم إنسان اليوم يسوعَ المسيح على حقيقته؟. وكم واحد خلط الأيمان بثقافته الخاصة ، وقَدَّسَ فكرَه وتراثه الحضاري فبات لا يقوى على قبول ما يلوحُ خارجًا عنه ؟. بل يحكمُ على كل شيء إنطلاقًا من نظرته الضيقة والمحدودة، ناسيًا أنَّ الكون والكائنات تفوقُ قدرة إستيعابه. هكذا ليس سهلا على الأنسان أن يسلكَ، وهو روحٌ، سبيلاً ماديًا يطمح من خلالهِ أنّ يعرفَ كلَّ شيءٍ على حقيقتِه، وأن يمتلكَ ناصية المعرفةِ كلها بقوة ذهنه. أشياءُ كثيرة تفوقُ طاقة استيعابِه تحتاج الى قوة خارقة تساعده ليخترقَ كُنهَها. وتلك القوة هي الروحُ الألهي الذي يُضيءُ أمامَ الأنسان. وهذا الروح لم يحُّل على الأنسان إلا بعدَ أنْ طهَّرَهُ يسوع وغسل إثمَه بدمه المسكوب على الصليب ، وأعلن غفرانَ خطيئتِه ، وختمَ صَّك الغفران يقيامتِه المجيدة وآنتصارِه على الشَّرِ والشَّرير. فالروحُ الذي أفاضَه الله بالمسيح على الأنسانية " يُذَّكرُ المؤمن بكلام الله ويساعده على فهم ذلك الكلام ويكشفُ له الحقيقة كما هي في الله نفسِه "(يو14: 26؛ 15: 26؛ 16: 13). عندما يقوم الأنسان من سقطته ويفتح أُفقَ حياتِه أمام أنوارالله السامية عندئذ يُضيءُ له الروحُ القدس فيُدركُ الحقيقة. ولن يقوم الأنسان من سقطته بدون أن يؤمنَ بالمسيح ويسلكَ سبيله. فالأيمان الأصيل بالمسيح يجعلَ المؤمن جزءًا من المسيح ، عضوًا في جسده السّري الكنيسة.
¨ لم يطمئن يسوعُ اليهم !
رأى أناسٌ كثيرون معجزات يسوع فآمنوا به، لكنَّ يسوع لم يطمئِن اليهم. لم يُحدثْ إيمانُهم تغييرًا جذريا في حياتهم. ولم يجعلْ حياتَهم صورةً ناطقة عن حياة المسيح. بل كان إنبهارًا وثورةً عاطفية إندفعت عفويًا لكنَّ جذوتها خمدت سريعا، عند أول صعوبة داهمتهم ، مثل الزرع النابت بين الصخور بدون عمق تراب. وربما يكون إيمانُهم قد قامَ على منفعةٍ وهمية لم يتعانق مع مشيئةِ الله، فذبلَ سريعا. لأنه لا يكفي للأيمان ومضة وإحساسٌ. إنما يقتضي قناعة باطنية وآستعدادا وجدانيا للتلاشي في الله يتماشى مع رِضاه تعالى وراحتِه. يجب أن يتطابقَ باطنُ الأنسان مع لسانه حتى يمُّنَ الله عليه بالأيمان. ولا يحتاجُ الله بُرهانًا ولا يطلبُ من الأنسان تأكيدًا. بل " يعرفُ الله كلَّ واحدٍ ولا يحتاجُ إلى من يُخبرُه عن أحد. إنه يعلمُ ما في الأنسان "(آية 25). وإن كان يسوعُ قد إطمَأَنَّ على الرسل فلأنهم آمنوا به بعمق وأحَّبوه. وحتى إعصارُ الصلب الذي حطَّم آمالهم لم يقوَ على فصلهم عنه. لقد إختبروا يسوع وعرفوا أنه يعلمُ كلَّ شيء ، ولا يحتاج الى من يسألُه (يو16: 30). لقد عرفَ يسوع جيّدًا من إختار. حتى الغادرَ به عرفَ بأمره منذ البدء (يو13: 10-11). لا ينخدعُ يسوع بالمظاهر ولا ينغَّشُ أو ينفعلُ بالأقاويل (متى8: 19-22).
وهنا نتساءَل : كيف نتصَّور نحن المسيحَ اليوم، كنا تلاميذه أو أعداءَه؟. هل نقدر أن نوَّفقَ بينه وبين فكر العالم و روحه؟. هل نفلحُ في إرضائِه بإدعائِنا أننا تلاميذه في حين يتعَّلقُ فكرنا وقلبنا بالخيرات الدنيوية والملذات الحسية؟. وإن كنا لا سمح الله رافضين للمسيح فهل نتصَّور أننا نقدر أن نخدَعه ونزيحَه من حياةِ المؤمنين به؟. إذا كان الجلد والصلب لم يقويا على القضاء عليه، بل هو قضى على الموت بقيامته وعلى الشر بغفرانِه، فهل تقوى قوى الشرعلى محو اسمه بتكسير صلبانِه أو حرق كنائسه؟. وهل نحن المؤمنين نقلق وننهار لأن هذا يجري لأتباع المسيح فتُهدَم كنائسُنا وتُهانُ مقَّدَساتُنا ويُشَّردُ إخوتُنا فرائس للأشرار الذين ينتقمون من المسيح بترهيب وتشتيت أتباعهِ؟. وهل نتصوَّر أنَّ المسيح يجهلُ كلَّ هذا أو يُهملُه، أو قد إستسلمَ لإرادة البشر؟. أو هل نقدر أن نفرضَ الحَّقَ والخير إستنادًا الى القيم البشرية كالحرية والديمقراطية والمساواة والحقوق وإيقاف الشر وتقليم أظافر الأشرار، على من يرفُضُ القيم الألهية وهو أصلا يُحاربُ اللهَ ذاتَه؟.
المسيح هو الله. وإن كان البشرلم يقوَوا حتى ولا على تحطيم هيكله الأنساني فكيفَ يقدرون أن يمحوا إسمَه وهو خالقُهم و حافظُهم في الوجود؟. أمَّا هو فيدعو الأنسان الى الأعتراف بهذه الحقيقة والى الأحتماء به والأستماع اليه ليضمن حياةً هنيئة ومريحة للأبد. وإذا رفضَ الأنسان فليس الله من يخسر بل الأنسان. لا يُكرهُ اللهُ أحدًا لا على الأيمان ولا على السيرة الفاضلة. يَدَعُ الأنسان لحريتِه. إنما لن يُساويَ الكافر بالمؤمن ولا الظالمَ بالعادل ولا الكاره بالمحب ولا الإرهابي بالمسالم اللطيف ولا القاسي بالرحوم. بل لقد أكَّدَ بأنه " سيجازي كلُّ واحدٍ بأعمالِه " (متى16: 27).

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com